الدكتورة : سناء أبو شرار - الأردن - " خاص بـ " وكالة أخبار المرأة "

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" أتاني جبريل فقال: يا محمد، عش ما شئت فإنك ميت وأحبب من شئت فإنك مفارقه وأعمل ما شئت فإنك مجزى به وأعلم أن شرف المؤمن قيامه بالليل وعزه استغناؤه عن الناس"
ونحن نحيا وننسى الموت، ونحب ونعتقد أننا سنبقى أبد الدهر مع من نحب أو أنه لن يغادرنا أبداً وإن غادرنا نتهمه بالغدر والخيانة أو نبكيه طوال الزمن لأنه رحل، ونتصرف بما تُمليه علينا مشاعرنا وأهوائنا وننسى أننا سنُجزى بكل ما نعمل، ونرى الشرف في الجاه والمال والشهرة، ونعتقد أن العلاقات طريقة لتحقيق المصالح، فنجامل من نكره ونحترم من نحتقر.
وفي المساء حين نخلو بأنفسنا نشعر بأنه هناك شيء ما خطأ فيما نقوم به، هناك طاحونة ندور بين رحاها دون توقف، طاحونة الحياة والمشاغل والمصالح، ونعتقد بأننا نملك من أمرنا شيئاً وأننا نخطط وأن ذكائنا هو ما يوصلنا إلى كل الأهداف، ولكننا وفي صمت الليل، نكتشف ونعترف لأنفسنا بأن الذكاء لم يجعلنا ننجح بذلك المشروع، وأن تلك المنفعة جلبت المزيد من المشاكل، وأن تلك الرغبة التي تحققت كانت باب للشقاء وأنه خلف كل باب جميل نفتحه هناك ركن قاتم يقف لنا ليذكرنا بان هذه الحياة ليست الجنة ولن تكون وأنها دائماً وأبداً كانت وستكون دار ابتلاء وامتحان مهما هربنا من ابتلاءها عبر الثروة والأماني والطموح وكل تلك الكلمات البراقة.
وذلك لأن كل ما في الحياة سواء جميل أو صعب، سواء من سعادة أو تعاسة مرتبط بالله، فما نحياه من سعادة هو فضل من الله، وما نحياه من تعاسة هو عقاب أو ابتلاء، وكل ما هو جميل منه وكل ما هو صعب هو درجات تجعلنا نرقى في فهم الحياة ولا نبقى على الدرجات البدائية من سلم الإنسانية الصاعد دائماً عبر محطات المعاناة والتجارب والفهم للحياة.
الحياة المعاصرة جعلت الانسان يعتقد بأنه يمكنه تحقيق كل شيء، والانسان فعلاً توصل لتحقيق أشياء عظيمة، ولكن حتى في أرقى الدول يأتي ذلك الليل الثقيل الصامت والذي يضع مرآه الحقيقة بوجه أي انسان، تقول له المرآة: ماذا بعد؟ إلى أين؟
كما في الكون مئات الذرات يتشكل منها شكل الأشياء وحياة المخلوقات، ففي نفس كل منا مئات الذرات تبحث عن خالقها في كون الإنساني الفردي الدفين وهذه الذرات الصامتة والتي تنشط ليلاً هي التي تطرح السؤال: ماذا بعد؟ وإلى أين؟ وهي تطرح هذا السؤال بإلحاح على الانسان البعيد عن خالقه، الانسان الذي يعيش الحياة بشكل كامل دون صلة مع العالم السماوي الذي هو العالم الحقيقي، وهو العالم الذي تكون الرحلة الأخيرة إليه.
من الحزين أن يعيش الانسان كل حياته في كوكب الفناء، ويبني كل أهدافه وأحلامه في كوكب سيصبح هشيماً تذروه الرياح، من الحزين ألا يكون لنا بيت نبنيه في العالم الذي هو نهاية رحلتنا، من الحزين أن نغادر هذا العالم المؤقت بحقائب فارغة ليس بها سوى ثروات الأرض وأحلامها وخيبة آمالها، وننسى أننا في رحلة مؤقتة ننزل من قطارها الواحد تلو الآخر.
وحين لا يكون الانسان مع الله سوف يحتاج لهذا وذاك، سوف يطلب من هذا وذاك، سوف يستجيب له هذا ويرفض طلبه ذاك، فهو في عالم البشر الذي يرفض ويقبل، الذي يحتقر ويتباهى، ولكن عند باب الله تعالى هناك من يقولك دائماً وأبداً " وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان" ويقول الله تعالى بأنه قريب ثم يقول أجيب دعوة الداع إذا دعان، فهو قريب منك، حين يحل الليل وتنطفئ الأضواء لابد أن تسأل نفسك هذا السؤال: هل أنت قريب منه مثلما هو قريب منك؟