الدكتورة نوال السعداوي - مصر - " وكالة أخبار المرأة "

نحن كلنا في سجن كبير، في كل مكان في العالم، بسبب فيروس كورونا، الذي أجبرنا على الخضوع والامتثال، ولا نملك إلا المتابعة اليومية الشغوفة، لعدد المصابين، والمتعافين، والوفيات، وتغيير الكمامات اليومية، وشراء المستجد من المطهرات والمعقمات.
الشعور بأننا مُحاصَرون، أو مسجونون، بفعل فاعل مجهول، أو معلوم، خفى، أو مرئى، لا يمكن التنبؤ بحركته التالية، في انتظار ضربته غير المحددة، لهو شعور بغيض، يهددنا في مقتل، يُمْرِضنا في الجسد والعقل والنفس، يسلب الحياة معناها، وجدواها.
في مراحل حياتى المختلفة، عشت أنواعًا متنوعة من السجن، منها ما تسبب فيه البشر، ومنها ما تسببت فيه الطبيعة «الأم»، الإلهة الكبرى.
أتذكر مثلًا، عندما كنت في لندن، منذ سنوات قليلة، بدعوة من نادى القلم الدولى، لإلقاء كلمة في المهرجان الأدبى العالمى. انفجرت الطبيعة الأم، غضبًا على معاقل النظام الرأسمالى الصناعى العسكرى في الغرب، من بركانها المتفجر في أيسلندا.
غطّت سحب رَمادِه السماوات العليا فوق القارة الأوروبية الاستعمارية. عطّل الدخان الأسود الكثيف، المُشبَّع بذرات بركانية، طرق الطيران الجوى في بلاد كثيرة، منها بريطانيا. قلت، في كلمتى: كيف يتجاهل النقاد الذكور إبداعات الكاتبات في الشرق والغرب، كما تجاهل المؤرخون الذكور إسهامات الأم الكبرى، إلهة المعرفة والحكمة، في اكتشاف الزراعة والعلم والفن؟ خيانة ذكورية عالمية ومحلية، من الدولة والعائلة، مقابل الإخلاص والتضحية النسائية!
في الفندق الذي نزلنا فيه بجوار جامعة لندن والمتحف البريطانى، تجمعنا، نحن المدعوين من مختلف البلاد، أدباء وأديبات، فنانين وفنانات من كافة فروع الفن، الموسيقى والغناء والمسرح والسينما. بدأوا يثورون ضد الطبيعة الأم، قالوا إنها خذلتنا جميعًا، لنصبح سجناء في لندن بلا عمل، وقد انتهى المهرجان، وتم إلغاء كل الرحلات من مطار هيثرو الرئيسى في لندن، ولم يعد أمامهم إلا أن يصبوا اللعنات على الأم الكبرى، إلهة الطبيعة والبراكين والزلازل.
كان الرجال الذكور يهاجموننى لأننى أَشَدت بإلهة المعرفة، إيزيس، في مصر القديمة، وإلهة العدل، ماعت. وفى مسرحيتى (إيزيس) أعدت إليها مكانتها الفكرية والفلسفية، لم أجعلها مجرد زوجة لـ«أوزوريس»، أو أرملة تبكى على زوجها، وترمم أجزاء جسده المبعثرة في وادى النيل، كما صوّرها معظم الكُتّاب الرجال، ومنهم توفيق الحكيم، في مسرحيته «إيزيس».
أيّدتنى النساء بحماس، وبعض الرجال غير المؤرَّقين بذكورتهم وتفوقهم الجنسى، أغلبهم من الشباب المبدع، المساند لقضية تحرير النساء والفقراء والشعوب المحتلة والمقهورة. لكن العجائز من الأدباء والنقاد التقليديين تأفَّفوا من خلط الأدب بالأيديولوجيات. راحوا يصطادون الشابات من الأديبات. رأيت ناقدًا أدبيًا ألمانيًا في التسعين من عمره، يهرول وراء شابة انبهرت بثرائه المالى وفقره الأدبى.
تحول بهو الفندق إلى خشبة مسرح، شاركنا جميعًا في مسرحية تلقائية، كنا نحن المؤلفين والممثلين والمخرجين والموسيقيين. أصبح نزلاء الفندق هم الجمهور المتفرج، هكذا تغلبنا على السأم والغضب والسجن داخل الفندق، بالإبداع الجماعى والخلق الفنى والأدبى. أذاب الإبداع الجدران والفروق الموروثة بين البشر، اتسعت مساحة الوطن والأهل، وشملت الكون.
تذكرت كيف تغلبت على السأم والغضب، في سجن النساء بالقناطر الخيرية (خريف 1981) في عصر السادات. السجن هو أي مكان تعجز عن الخروج منه، بأمر من الحاكم المستبد، في سجن مصرى يشبه حظيرة الحيوانات، أو بأمر من بركان أيسلندا المستبد، في سجن فندق خمسة نجوم في لندن، أو في بيتك المتواضع بسبب كورونا. السجن معاناة نفسية أكثر من المعاناة الجسدية، هو الإحساس بالظلم، بالقهر، بالعجز أمام قوة كبرى، سماوية بركانية أو أرضية، سياسية اجتماعية، طبيعية فيزيائية، أو فوق الطبيعة، ما وراء الطبيعة، ميتافيزيائية، كما يقولون باللغات الأجنبية.
بالكتابة الإبداعية كسرت قضبان السجن، خلال ثلاثة شهور كتبت «مذكراتى في سجن النساء» على ورق تواليت، بقلم حواجب، هرّبتهما لى سجينة في عنبر المومسات. كان عنبرهن يتمتع بكل ما حُرِمْنا منه، نحن المسجونات السياسيات والأدبيات، يفتش العساكر زنزانتنا كل يوم من الأرض إلى السقف، يصرخ رئيسهم في وجوهنا: إن عثرنا على ورقة وقلم أخطر من العثور على طبنجة!
قفص الزوجية، ربما أخطر السجون، لعامة النساء. الزوج المستبد يخرج من القفص بإرادته المنفردة، يطلق زوجته كما يفرقع أصابعه. يفتح فكيه ليتثاءب ويقول طالق ثلاث مرات فقط، تصبح في الشارع مُطلَّقة محتقَرة دون مورد. اليوم يمكن للزوجة أن تخلع زوجها إن تنازلت عن حقوقها كلها، لابد أن تكون مستقلة تعول نفسها، تستطيع تسديد أجر المحامى ليرفع قضية الخلع، شىء لا يحدث لأغلب النساء الكادحات بمَن فيهن الطبقة الوسطى. أصبح نصف الشعب المصرى يعيش تحت خط الفقر، يبيع الأب ابنته الطفلة لرجل عجوز، تتعذب الزوجة في سجن الزوجية بسبب الفقر، وتتعذب في الطلاق بالعار والفقر الأشد.
إحدى الفنانات معنا في سجن لندن، كانت سعيدة بهذا البركان المتفجر في أيسلندا، منع سفرها إلى بيتها في ستوكهولم، هي أيضًا لا تريد العودة إلى زوجها، يكذب عليها ويخونها. عاشت معه أربعين عامًا دون أن تعرف حقيقته، التقت في لندن بشاب مسرحى في الأربعين من عمره، سألتنى، بعد أن أفرغت زجاجة نبيذ أحمر مُعتَّق: أحببته يا نوال وهو يصغرنى بعشرين عامًا؟ قلت لها: زوجك في التسعين ويعيش مع فتاة تصغره بخمسين عامًا؟ قالت: هل من حقى التمتع بالحب في الستين من عمرى؟ قلت: من حقك التمتع بالحب حتى الموت، ثم إن عشرين عامًا ليست شيئًا يا «ماريانا»، السيدة خديجة، أم المؤمنين، المَثَل الأعلى لنا جميعًا، تزوجت الرسول، صلى الله عليه وسلم، وهى أكبر منه بعشرين عامًا. هتفت «ماريانا»: فانتاستيك! وأطلقت ضحكة ارْتجَّ لها البركان في السماء، وقالت: نسيت الضحك منذ أربعين عامًا، ثم شربت زجاجة أخرى، نخب الطبيعة الأم، وبركة بركانها المتفجر.