أميرة فكري - القاهرة - " وكالة أخبار المرأة "

لم تسلم الفتيات المصريات اللاتي عرضن أنفسهن للزواج على مواقع التواصل الاجتماعي، من تشويه الصورة والإيحاء بأنهن أقدمن على فعل مشين يخالف العادات والتقاليد المجتمعية، وهناك نساء اعتبرن ذلك حطا من كرامة المرأة وجعلها سلعة تُباع وتُشترى، في حين أن الرصيد الأكبر للفتاة في عفتها وعزة نفسها وكبريائها.
وقالت مها أسامة، واحدة من بين الفتيات اللاتي عرضن أنفسهن للزواج عبر منصات التواصل الاجتماعي، إنها لجأت إلى هذه الخطوة بعد فقدانها الأمل في الارتباط بشاب متزن وعقلاني، تشاركه تكوين أسرة، في حين أن المحيط الاجتماعي القريب منها يطاردها ليلا ونهارا، وينعتها بألفاظ مشينة لأنها لم تتزوج.
وأضافت أنها أمام ردود الفعل الغاضبة على موقفها اضطرت إلى ذلك، مع أنها لم ترتكب فعلا يتنافى مع الأخلاق، وكان بإمكانها عرض نفسها على طريقة فتيات “تيك توك”، لافتة إلى أن “العادات والتقاليد والأعراف جنت على النساء بالمزيد من القيود”.
وأصبحت عنوسة الفتيات في مصر بسبب المغالاة في المهور لافتة للانتباه، وسط تخاذل أسري واضح للبحث عن حلول غير تقليدية لها، وتبني مبادرات أكثر إنسانية، بتقديم العائلات تنازلات تُغري الشباب بالزواج، أو عدم التضييق عليهم بطلبات تعجيزية تدفعهم إلى العزوف عن الزواج.
ووفق آخر إحصائية صادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء (جهة حكومية) بلغ عدد الفتيات اللاتي لم يتزوجن، وهن في سن تتراوح بين 20 و25 عاما، نحو 45 في المئة. بينما هناك قرابة 100 ألف امرأة لم تلتحق بقطار الزواج رغم وصول أعمارهن إلى 50 سنة.
وتكمن أزمة المجتمع العربي عموما في أنه يتعامل مع المرأة التي تعرض نفسها على الرجل للزواج، باعتبارها غير سوية لمجرد أنها كانت أكثر جرأة وشجاعة في طلب الارتباط دون مراعاة للظروف الأسرية التي أدت إلى هذا الفعل غير المألوف.
وتعيش الفتيات اللاتي يوصمن بالعانسات مرارة المعاملة السيئة لعزوف الشباب عن الارتباط بهن، وفي نفس الوقت يواجهن الأمرين إذا بحثن عن حلول غير تقليدية، فالناس لا يتفهمون معاناتهن ولا يتركونهن يتزوجن بطريقتهن الخاصة.
وأظهرت وقائع عرض فتيات أنفسهن للزواج حجم الكبت النسائي من انخفاض معدلات الزواج في مصر، إذ تكفي مطالعة مئات التعليقات بمنصات التواصل الاجتماعي، لفتيات منعهن الاحتقار المجتمعي من تبني نفس الفكرة.
ولم تنكر الكثير من الفتيات استعدادهن لعرض أنفسهن، لكنهن يخشين الصدمة الأكبر باستمرار معاناتهن، دون أن يتقدم لخطبتهن أحد، وقد يصبحن مثارا للسخرية والتنمر في محيطهن العائلي، وهي الأزمة التي تعيشها فتيات أقدمن على هذه الخطوة الجريئة.
وأبدت فتيات وصلن إلى مرحلة متقدمة من العمر ولم يتزوجن تعاطفهن مع أقرانهن اللاتي امتلكن شجاعة استثنائية وكسرن القيود والعادات الأسرية وطلبن الزواج علانية، بحكم أنهن الأكثر شعورا بالمعاناة التي تعيشها الفتاة من أقرب الناس إليها.
وكان لافتا وجود تأييد ديني للفكرة، بحكم أن بعض الصحابة تزوجوا بالطريقة ذاتها، وقال علماء دين إن عرض الفتاة نفسها للزواج أمر مباح، وهو ما رفضته شريحة واسعة تعتبر ذلك يهين الفتاة ويجعلها موصومة بارتكاب العيب.
وأوضحت منة الله عيسى (موظفة حكومية تخطت الثلاثين عاما ولم تتزوج بعد) أنها تعيش حالة من الكبت والإحباط لاستجوابها بشكل متكرر عن عدم زواجها، حتى أصبحت تسمع عبارات تؤذيها نفسيا دون مراعاة لما تحس به كأنثى من جراء ذلك.
وأشارت، إلى أن عرض الفتاة نفسها للزواج، قد يكون حلا غير تقليدي لأزمة العنوسة، لكنه في الحقيقة محاولة أخيرة للهروب من تربص المجتمع والأقارب، وأيّ امرأة تقدم على هذه الخطوة تصبح محبطة وعاجزة عن مواجهة المحيطين بها، وتشعر بأنها أصبحت عبئا على أسرتها.
ولم تنكر منة الله أن أسرتها كانت سببا في عنوستها عندما أصر والدها على أن تتزوج بالطريقة نفسها التي تزوجت بها شقيقتها الكبرى، من حيث امتلاك الشاب شقة متميزة وتحمّل أغلب تكاليف الزواج وشراء كمية من الذهب، وكلها أمور تعجيزية لمن تقدموا لخطبتها.
ويبدو أن الأسر التي تتمسك بالعادات وترفض مبدأ عرض الفتاة نفسها للزواج هي نفسها التي تجبرها على اللجوء إلى هذا الطريق، ولو كانت مرنة في شروطها التي تمليها على الشباب لما وُجدت العنوسة بكثافة أو لجأت الفتيات إلى تزويج أنفسهن.
وإن كان الشاب لديه شجاعة الارتباط من فتاة عرضت نفسها للزواج على الواقع الافتراضي هروبا من واقعها الحقيقي، فقد يتعرض لموجة نقد وسخرية من أفراد أسرته ومعارفه، بذريعة أنه تزوج من فتاة لا تمتلك الحد الأدنى من الحياء والكبرياء.
ويخشى متخصصون في شؤون الأسرة أن تكون العروض التي تأتي لأي فتاة تطلب الزواج مرتبطة بالشفقة، بمعنى يحاول البعض التقرب لدعمها نفسيا ومراعاة لظروفها ليس أكثر، خاصة أن العلاقات التي تنشأ من الشبكة العنكبوتية لا تسمح بفهم كل طرف للآخر بشكل جيد، حيث يظهر كل منهما المميزات ويخفي العيوب.
يقول هؤلاء، إن لجوء الفتاة إلى عرض نفسها للزواج يتطلب دعما أسريا، لأنها لو فعلت ذلك دون إذن عائلتها قد تربح عريسا وتفقد الدفء العائلي، لأنها سوف تكون موصومة بارتكابها لفعل يُخالف الأعراف المتبعة عند الزواج في مجتمع يقدس التقاليد، بأن يبدأ الارتباط من الرجل وليس العكس.
ورأت إنشاد عزالدين، أستاذة علم الاجتماع العائلي بجامعة المنوفية (شمال القاهرة)، أن بحث الفتاة عن عريس من خلال منصات التواصل الاجتماعي مخاطرة، لأن أغلب عروض الزواج سوف تكون وهمية، وبعضها بغرض التسلية، كما أنها قد تكون عُرضة للإذلال والإهانة في أول أزمة أسرية تقابلها مع زوجها.
ولفتت، إلى أن الرجل الشرقي اعتاد أن يبدأ عرض الزواج، وإذا لم يحدث ذلك يتعامل مع من تعرض عليه الارتباط الرسمي باعتبارها أقل كرامة، وبالتالي غير مرحب به مجتمعيا وثقافيا أن تُبادر الفتاة بطلب الزواج، لأن مصيرها سوف يكون الطلاق في أقرب فرصة.
وما زالت الأصوات العاقلة تنادي بحتمية أن تعيد الأسر التفكير في معايير زواج الفتيات، لأن استمرار الضمانة المادية، بفرض شروط مجحفة على الشباب بذريعة تأمين مستقبل الفتاة لن يحصنها من وقوع أزمات مع شريك حياتها بقدر ما يتطلب ذلك حُسن الاختيار والتربية والسلوك بعيدا عن التعامل مع الابنة كسلعة، والنظر للزواج كتجارة حتى لا يُصاب الشباب بعقدة الزواج وتوصم الفتيات بالعانسات.