أميرة فكري - القاهرة - " وكالة أخبار المرأة "

حماية كرامة الزوجة، وإحاطتها بصمامات أمان ضد أي محاولة للتشهير بها، أو فضحها وتعريتها أمام الناس، مبادئ يبنى على أساسها تكوين الأسرة، إلا أنه ثمة تغيرات حدثت جعلت أجساد بعض الزوجات مستباحة على يد أزواجهن بدافع الانتقام.
وتظهر بين الحين والآخر قضايا غريبة، تلجأ فيها زوجة إلى القضاء متهمة شريك حياتها بأنه نشر صورا خاصة لها، وهي ترتدي ملابس داخلية، أو نشر مقاطع فيديو جرى التقاطها داخل غرف النوم، عقابا لها على قرارها إنهاء العلاقة الزوجية، وطلب الطلاق أو المطالبة بحقوقها.
وأثارت قضية المصرية هدير محمد التي رفعتها أمام محكمة الأسرة ضجة كبيرة، حيث وجهت الاتهام إلى زوجها بأنه قام بفضحها من خلال نشر صور خاصة لها بملابس المنزل، وأخرى على فراش الزوجية، لمجرد أنها طلبت منه الانفصال في هدوء بعيدا عن إثارة المشكلات.
وفوجئت الزوجة، التي ذهبت إلى منزل عائلتها في انتظار انتهاء إجراءات الطلاق، بأن صورها منتشرة على أكثر من 60 صفحة على منصات التواصل الاجتماعي، وفي نفس الوقت وصلتها نسخة على هاتفها الشخصي، طلب فيها زوجها أن تتنازل عن كامل حقوقها إذا أرادت الطلاق، وإلا سيقوم بنشر فيديوهات أخرى تكشف العلاقة الزوجية.
وحظيت هذه القضية باهتمام بالغ، لأنها غريبة عن مجتمع يقدس العادات والتقاليد والأعراف، لكن أكثر الذين انتفضوا للمطالبة بالقصاص لكرامة هدير لم يدركوا بعد أن محاكم الأسرة تعج بالمئات من هذه الوقائع؛ ويكفي أن آخر إحصائية صدرت قبل عامين في مصر، أظهرت وجود 2600 قضية ابتزاز نساء من قِبل أزواجهن.
وما يثير الريبة أن بعض الأصوات وجهت أصابع الاتهام للزوجة، لأنها سمحت لنفسها بأن تُنتهك خصوصية جسدها، ولو بهاتف شريك حياتها، لأنه مهما كانت العلاقة الزوجية مثالية وبعيدة عن المنغصات والأزمات، فإن الأمان المطلق غالبا ما يقود إلى الندم في ظل الأفكار الغريبة التي ضربت البنيان الأسري.
وعلى الرغم من وقائع الابتزاز الجنسي التي أضحى بعض الأزواج شركاء أساسيين فيها، ما زالت هناك بعض الفتاوى الدينية التي تعطي الرجل الحق الكامل في تصوير زوجته وقتما يشاء وكيفما يشاء بذريعة الاستمتاع والإثارة بالحلال وإبعاد نفسه عن المحرمات بمشاهدة الأفلام المخلة، وكأن المرأة خُلقت لغرض إشباع الرغبة الجنسية فقط.
وعلى الرغم من أن مثل هذه الفتاوى تتعامل معها أغلب الأسر على أنها شاذة وصادرة عن أشخاص لديهم عداء أبدي مع المرأة، إلا أن بعض الرجال اعتبروها تضفي شرعية على مطالبهم، دون أن تُدرك الزوجات خطورة منح الأمان الكامل للأزواج، ومساعدتهم على الجهر بالعلاقة الخاصة التي يُفترض ألا يتم تصويرها ولو للذكرى.
وتصطدم الزوجة إذا قررت اللجوء إلى القضاء للثأر لنفسها ولكرامتها وتبرئة ساحتها أمام عائلتها ودائرة معارفها والبيئة التي تعيش فيها، برعونة القانون الذي ما زال يتعامل مع هذا الفعل الشاذ باعتباره جنحة، أي أن المحكمة لا تتعامل معه في أغلب الأحيان بصفته جريمة، وبالتالي لا تكون العقوبة مشددة.
وأعاد تكرار وقائع ابتزاز الزوجات بصور جنسية مطالبة الكثير من الأصوات النسائية والحقوقية بتغليظ العقوبة، وتعديل قانون الأحوال الشخصية الذي ينظم العلاقات الأسرية، لأن هناك مستجدات طرأت تستدعي ذلك، والمشرّع عندما وضع القانون لم يخطر بباله أن تحدث هذه الوقائع من الرجل تجاه زوجته.
وترى هالة منصور، أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس في القاهرة، أن تصوير العلاقة الزوجية، أو التقاط لحظات رومانسية مع شريكة الحياة، جريمة تقود إلى تهديد الأمن الأسري، فذلك نوع من الجهر بعلاقة يُفترض أن تكون محاطة بالخصوصية الشديدة، ومجرد توثيقها بأي طريقة يرفع عنها السرية ويجعلها أداة للابتزاز.
وقالت “على أيّ امرأة أن تضع حدودا للعلاقة الزوجية مهما بلغت الثقة في الطرف الآخر، لأن الخصوصية اللامحدودة مع شريك الحياة تقود إلى أزمات عصية على الحل عندما تصل الأمور إلى طريق مسدود ويلجأ كل طرف إلى أوراق الضغط التي يمتلكها ضد الآخر، ومشكلة بعض الرجال أنهم يتعاملون مع أجساد النساء كحق مكتسب، وملكية خاصة”. وأضافت “عندما تلجأ الزوجة إلى القضاء للثأر لشرفها، تصطدم بإنكار الزوج للتهمة، ويدّعي اختراق هاتفه المحمول وسرقة الصور ومقاطع الفيديو، وقد لا تستطيع إثبات الفعل عليه، إلا إذا اقتنع القاضي بروايتها وتعاطف معها، وهنا يقرر فرض العقوبة”.
ويلجأ بعض الرجال الذين يستهويهم فضح زوجاتهم، إلى إرسال الصور الجنسية من حسابات وهمية لإبعاد التهمة عنهم، ويتمكنون من تحقيق هدف الابتزاز بأقل الخسائر الممكنة، إلى درجة أن بينهم من يطالب زوجته وأسرتها بدفع مبالغ مالية نظير التوقف عن الفضيحة.
وأكدت منصور أن الأرقام المعلنة المتعلقة بزوجات قررن مقاضاة أزواجهن لأنهم فضحوهن بالصور الجنسية، لا تمثل سوى 20 في المئة من الوقائع الحقيقية، وهناك 80 في المئة من الزوجات لا يمتلكن شجاعة المواجهة والثأر لأنفسهن، ويرضخن للابتزاز والتهديدات، أو تدخل الأهل والأقارب والوسطاء.
ويتسبب تراجع بعض ضحايا الابتزاز الجنسي عن مواصلة إجراءات التقاضي، واختصار الطريق بالتنازل عن حقوقهن الشرعية، في منح أزواجهن حق الاستمرار في إذلالهن دون رادع، ومن شأن ذلك أن يحرض الآخرين على استخدام نفس الأسلوب.
ويأمل متخصصون في العلاقات الأسرية أن تكون مثل هذه الوقائع جرس إنذار لكل زوجة، يجعلها تمارس حقها في تحصين جسدها، حتى وإن كانت تثق في زوجها ثقة عمياء، فإن ألبوم الذكريات قد يتسلل إلى العامة بأكثر من طريقة، إما بالسرقة أو بالفقدان أو بالاختراق، في ظل التطور التقني وسهولة الوصول إلى محتويات الهواتف.
وقالت فاطمة محمد، وهي محاضرة في الشؤون الأسرية، “أصبح من حق المرأة التي يطلب منها زوجها توثيق لحظات خاصة بينهما، أو تصويرها عارية بذريعة تذكرها، وهو خارج المنزل أو لدواعي السفر، أن ترفض. وذلك لامتلاكها أكثر من مبرر، على رأس هذه المبررات الحق في الخصوصية، لأن تصوير الجسد قد يكون مدخلا للخيانة”.
وأوضحت، أن التشهير بالزوجات لم يتحول بعد إلى ظاهرة في المجتمعات العربية، ورغم ذلك يمكن لدائرة الحالات الفردية أن تتسع، إذا شعر بعض الرجال بأن لها مفعول السحر عند ابتزاز المرأة لتحقيق أغراض بعينها، مثل الطلاق دون حقوق، أو الإذلال، أو تهديدها في حال اللجوء إلى الخلع، أو حرمانها من الارتباط
بآخر.
وتتفق هالة منصور وفاطمة محمد على فكرة أن الزوج الذي يتمسك بتصوير العلاقة الحميمية مع شريكة حياته، لديه خلل في السلوك والتركيبة الشخصية ويحتاج إلى علاج نفسي، ولا يجب أن تستسلم المرأة لدوافعه بذريعة “العشرة” والثقة في أخلاقه وتلبية رغباته الشرعية، لأن صمتها على هذه التصرفات الشاذة ربما يجعلها بطلة لفيلم جنسي في أحد المواقع الإباحية.