حاورتها: خلود الفلاح - ليبيا - خاص بـ " وكالة أخبار المرأة "

نيفين الباح حقوقية ليبية، ترى أن الانتهاكات التي تتعرض لها المرأة الليبية كالتهجير والنزوح واستمرار النزاع المسلح أضعف مشاركة المرأة السياسية في صنع القرار. كما وصفت الخطاب الإعلامي الليبي بانه خطاب كراهية وعنف وهو ما سبب في المزيد من التعقيد في الأزمة الليبية.
من الداعمين لحق المرأة في صنع القرار والمشاركة الفعالة في الحياة السياسية.
" وكالة أخبار المرأة "  حاورت نيفين الباح وإستعرضت معها عن قضايا المصالحة الوطنية ومسودة الدستور القادم فيما يخص العدالة الانتقالية والاعتداءات التي تعرضت لها الحقوقيات الليبيات. 
* احتفل العالم باليوم الدولي للمرأة هذا العام تحت شعار "أنا جيل المساواة: إعمال حقوق المرأة."، مقدما أرقام ومحاذير حول خوف النساء من الانتقام والوصم بالعار وانعدام المساواة مع الرجل. كيف ترين هذا الواقع؟
- حماية المرأة بموجب الدساتير والقوانين وحدها لا تكفي في ظل انتشار الفوضى والحروب، بل يجب التوعية والإرشاد بحقوقها وطرق التعامل معها مع آليات تنفيذ القانون الذي وفر لها الحماية سواء تحدثنا عن القوانين وآليات تنفيذه وسرعة الاستجابة أو الثقافة المجتمعية والعراقيل التي تواجه تقدمها. لا يمكن أن نحقق أي تقدم دون إرادة مجتمعية ومنظومة بيئية وثقافية وقانونية متكاملة قابلة للتغيير وإشراك الآخر.
تشهد مجتمعاتنا مراحل انتقالية استمرت معها فوضى مجتمعية ونزاع مسلح وانهيار كبير في المنظومة الأخلاقية والاقتصادية كما لا ننسى تعاطي المخدرات وسهولة الحصول عليها وانتشارها وقوة تأثيرها ومدى خطورتها على المرأة وظهور جماعات وايديولوجيات تكرس في مشاريعها الحد من تحرر المرأة وتقدمها مما ادى إلى حدوث الكثير من الجرائم الجسيمة في حق المرأة ووقوع الانتهاكات. فمثلا على الصعيد الوطني، سجلت الكثير من الانتهاكات والجرائم في حق المرأة الليبية نتاج بروزها ومشاركتها السياسية والحقوقية والمدنية وكذلك النجاح الذي حققته في مجال الإعلام، مما أدى إلى تصعيد العنف ضدها، ولم يتوقف الأمر عند الحياة العامة بل تتعرض المرأة بصفة عامة بعيدا عن السياسة إلى عدة انتهاكات من بينها الخطف، الاحتجاز والاغتصاب والتهديد بالقتل والتشهير ومحاولة النيل من سمعتها لأسباب خارج دائرة السياسة، حتى يصل الأمر أحيانا إلى قتلها. وعلى سبيل المثال لا الحصر تعرضت الكثير من الناشطات البارزات السياسيات والحقوقيات إلى جرائم على مدى السنوات التسع الماضية، من بينها انتهاكات وجدت صدى لدى الرأي العام الوطني والدولي كاغتيال المحامية والناشطة الحقوقية سلوى بوقعيقيص عام 2014 ، واغتيال عضو المؤتمر الوطني بمدينة درنة السيدة فريحة البركاوي عام 2014، ومقتل الصحفية نصيب كرفانة عام 2014 ، وكذلك الناشطة المدنية التنويرية انتصار الحصائري عام 2015 ، واختفاء عضو البرلمان الليبي في ظروف غامضة عام 2019 . كما تعرضت وافدات يحملن الجنسية السودانية لجرائم قتل عام 2019 ، وكذلك خطف الشابة وصال من بيتها العام 2020. بالإضافة إلى وقوع الانتهاكات داخل بعض مراكز الهجرة غير النظامية. ولعل التقارير الدولية والمحلية قد سبق وأن ادانت الكثير من الانتهاكات على المستوى الوطني الليبي التي طالت الكثير من النساء.
كما توجد جرائم لا تستطيع وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي تسليط الضوء عليها تقع في دوائر المجتمعات الصغيرة والمناطق النائية التي يصعب اكتشافها أو التعرف عليها نتيجة الطبيعة المناطقية أو القبلية. هنا لا يمكن ملاحقة مرتكبيها خصوصا عندما يرتكبها أقارب من الدرجة الأولى يتم التستر عن الجاني واخفاء الأدلة الجنائية خاصة إذا تعلق الأمر بالوصم بالعار أو محاولة الخروج من صندوق الثقافة الذكورية والسلطة الابوية.


* برأيك هل هذه الأسباب وراء ضعف المشاركة السياسية للمرأة الليبية؟
- بالتأكيد تسببت في تدهور مركز المرأة وتراجعها عن المشاركة في الحياة السياسية بالإضافة إلى عوامل أخرى من أبرزها استمرار حالة النزاع المسلح والتغيير الديمغرافي وعدم الاستقرار واستمرار النزوح والتهجير، وكذلك تدهور المستوى الصحي والتعليمي والاقتصادي وضعف أجهزة القطاع الأمني وعدم قدرتها على حماية المرأة والمواطن بصفة عامة. مع تدفق السلاح وتواجد المليشيات والعصابات المسلحة كل ذلك تسبب في ضعف مشاركة النساء في صنع القرار وإبداء الرأي.
* مع ضعف أداء مؤسسات المجتمع المدني، في مجال المصالحة. هل يمكن للقبيلة أن تكون بديلا عن المجتمع المدني؟
- في بداية التجربة بعد ثورة فبراير 2011 ، عول الكثير من السياسيين والحقوقيين على دور القبيلة الاجتماعي  وضرورة اشراكها في عملية المصالحة الوطنية ولكن بعد خوض التجربة تبين عدم إمكانية ذلك، لعدة أسباب منها: أن النزاعات لم تتوقف بإسقاط القذافي ومنظومته. بل أصبحت القبيلة جزءا من الصراع فعندما يبرز أحد ابناءها أو ينشط سياسيا تجدها تصطف بجانبه فهي تنحاز دائما لأبنائها وأن تعارضت مع المصلحة العليا للدولة الليبية. كما لا توجد أية تحديثات أو مدخلات تتماشي مع النظام العالمي الجديد والمجتمع الدولي فلم تستطع القبيلة أن تواكب كل هذه المتغيرات وسرعة التطور، فحدث الكثير من الانتهاكات بسبب القبيلة من بينها قطع المياه والكهرباء على المدن الكبرى والحقول النفطية في محاولة للمساومة بها مقابل بعض ابناءها كما شكلت القبيلة مظلة للمجرمين الفارين من العدالة في الكثير من القضايا ووفرت الحماية للكثير من الارهابيين.
لا أرى أن دور المجتمع المدني ضعيف بل العكس تماما، فقد شكل القوة الناعمة التي احدثت التغيير والتأثير في الكثير من المجالات في ظل بيئة محفوفة بالمخاطر.
 برزت الأنشطة وظهرت الشراكات مع القطاعات الوطنية والدولية وعمل أغلب أفراد ومنظمات المجتمع المدني على ملف المصالحة من سنة 2011، إلا أن ارتفاع صوت البنادق همش الرصيد الوفير للمجتمع المدني وما يقوم به من أعمال احدثت تغييرا فعليا في بعض القطاعات والمفاهيم والإدارات سواء بالتدريب أو الورش أو الاستشارات، وكذلك الكم الهائل من مدخلات المعلومات ولا ننسى ما قدمته مفوضية المجتمع المدني حتى الآن. بالتالي لا يمكن أن نعتبر دور المجتمع المدني ضعيفا بل هو الدور الفعلي للمرحلة القادمة على المستوى الوطني والدولي.
* برأيك ما شكل المصالحة التي تحتاجها ليبيا في ظل هذا الوضع المعقد؟
- أرى أنه لابد من التكريس لدور المجتمع المدني وما يحدثه من أثر في مفهوم المصالحة وشكلها خصوصا وأن الجرح غائر بين المواطنين فكل الأطراف تعرضت للأذى فلا يمكن الحديث عن مشروع موحد في ظل هذه الظروف. وهنا يلعب المجتمع المدني دور مهم في بناء جسور السلام والحد من خطاب الكراهية والتوعية بمفهوم تقبل الآخر والانفتاح على تجارب المجتمعات التي مرت بمراحل انتقالية صعبة من نزاعات مسلحة وحروب أهلية نجحت في اجتيازها.


* هل أسهمت وسائل الاعلام الليبية برأيك في حل الأزمة السياسية والعسكرية أم في تعقيدها؟
- على العكس تماما ساهمت وسائل الإعلام في تأزم الأوضاع بتأجيج الرأي العام ومحاولة تخوين الطرف الآخر وملاحقة الأطراف المحايدة والتوعد بالملاحقة لكل من يخالفها الرأي. في حين وصل الأمر إلى تأسيس خطاب الكراهية الذي يدعو إلى التحريض. فمثلا هناك دعوة إلى مقاطعة بعض السلع والمنتجات سواء المحلية أو المستوردة للتأثير على المواطن. وهذا أدى إلى تأزم المشهد السياسي والعسكري.
* الكوتا المقررة بالمادة 184 بنسبة 25%، لماذا لا يجب رؤيتها كإنجاز حقيقي للمرأة الليبية؟
- تتفاوت الآراء في ذلك. البعض أعتبر الكوتا انجاز لحماية حق المرأة في الانتخاب والبعض الآخر اعتبرها نوع من الألتفاف والتقييد بنسبة مشاركتها في الحياة السياسية ومخالفة لمفهوم المساواة ومحاولة اظهارها على أنها فئة مجتمعية تحتاج لحماية حقوقها. واختصار المشاركة في الحياة السياسية على فئات معينة تحتاج دائما لدعم ولا تستطيع أن تخوض تجربة منافسة منفردة ضد الرجل. رغم أن معظم دساتير العالم جاءت تنادي بالمساواة في عمومها.
وبالنسبة لي الكوتا (تمييز ايجابي) في ظل ما نعيش من ظروف عارضة وأخرى مستمرة تستوجب الحد الأدنى من الحماية. لا نستطيع أن ننسف كل المجهودات النسوية لمجرد المطالبة بمساواة نظرية لا نتمكن من تحقيقها مرة واحدة بل تحتاج لمجهود كفاح ووقت طويل.
* في العام 2017 تم استحداث وحدة خاصة بدعم المرأة في المفوضية العليا للانتخابات تحت مسمى (وحدة دعم المرأة)، هل هذا التخصيص يعد سببا في تدني مشاركة المرأة في العملية السياسية؟
- لا أعرف القصد الحقيقي وراء استحداث وحدة تمكين المرأة وبمتابعة شروط تأسيسها اعترضت الكثير من النساء على بعض هذه الشروط التي كان من بينها درجة علمية عليا، متناسية الخبرات والمشاركات والنشاطات وحضور بعض النساء في المحافل الدولية، حيث تجاهلت الاستفادة من كل هذه الخبرات.
السؤال الذي يبقي مفتًوحا ولا يمكن الإجابة عليه هو: هل استطاعت وحدة تمكين المرأة إحداث أثر وتغيير حقيقي في وضع المرأة؟ الإجابة أنها اختزلت في فئة معينة تسببت في عرقلة الكثير من المناضلات النساء اللاتي لهن القدرة الفعلية على المشاركة بالعملية السياسية وصناعة القُرار. نحتاج إلى الوقت والجهد للتمكين، وأرى شخصيا أنه ليس بالضرورة من خلال وحدة التمكين. هناك مجهودات فردية وأخرى جماعية منظمة أفضل بكثير من استحداث وحدة تمكين تكون تابعة لأهواء السياسة وتنفذ إرادتها.
* يرى الكثير أن تأخر العدالة الانتقالية في ليبيا بسبب الفكر القبلي خاصة وأن قانون العدالة الانتقالية حسب المادة 81 في مسودة الدستور الصادرة عام 2017، يحتاج إلى مراجعة ومزيد من التوضيح. لماذا برأيك؟
- فيما يتعلق بالعدالة الانتقالية لم يكن الفكر القبلي عارض إذ لم تكن المطالبة بها مطلبا شعبيا أو وطنيا حينها، إلى جانب استمرار المرحلة الانتقالية وحالة النزاع المسلح والأحداث المتعاقبة، وانحراف المسار الديمقراطي، وجاءت غير شاملة فكرة جبر الضرر، ولجنة تقصي الحقائق لم تمثل فيها المرأة والشباب وباقي الفئات، كما أنها كانت حق أريد بها باطل حينها فقد استهدفت بعض الشخصيات لمنعهم من المشاركة في صنع القرار واستبعادهم بشكل مجحف.
رغم حجم الانتهاكات الذي خلفه النظام الجماهيري إلا أن الانتهاكات اللاحقة واستيفاء الحق بالذات والجرائم المستمرة لم تستطيع السلطات  الحد منها أو القدرة على معالجتها، أضف إلى عدم الاستقرار، وعدم شمولها على اصلاح وتطوير المؤسسات خصوصا الأمنية التي كانت سببا من أسباب الانتفاضة، وتكريسها لمفهوم الإفلات من العقاب بصورة علنية، وغياب مبدأ إشراك الضحايا، وغياب الإرادة الوطنية المحايدة، ثم جاء بعد ذلك كله، قرار العفو من مجلس النواب الليبي الذى نسف كل المجهودات لاعتبارات سياسة وليست وطنية، ما تسبب في الإفلات من العقاب، وكردة فعل بين الأقطاب المتصارعة، وبذلك أهدرت الكثير من الحقوق بسب الصراع السياسي وردود الأفعال غير المسؤولة من  صُناع القرار. 
أما فيما يخص مسودة الدستور، فقد جاءت دسترة العدالة الانتقالية أسوة بمناهج الدساتير الحديثة المتبعة في بعض دول الجوار بتوصيات الأمم المتحدة ولكن رغم المحاولات والوقوف على تجارب بعض الدول إلا أنها كضمان للحقوق وتكريس العدل وغاب عنها توفير الضمانات لتحقيقها أو التدابير الوقائية الرادعة لعدم تكرار ارتكاب الجرائم، ولم تتطرق إلى اصلاح وتطوير المؤسسات وأن اشارت له، الأمر الذي نحتاج معه إلى توضيح مفصل وأكثر دقة وإلا سيكون النص المتعلق بالعدالة الانتقالية مبهم وغير واضح.