سعياً لتسليط الضوء على العمل الخليجي الاقتصادي المشترك، وتعميق التواصل والتعاون بين المستثمرين ورجال الأعمال الخليجيين، تنظّم غرفة تجارة وصناعة الشارقة فعاليات ملتقى الشارقة الثاني للأعمال 2012، تحت رعاية كريمة من سمو الشيخ سلطان بن محمد بن سلطان القاسمي ولي عهد ونائب حاكم الشارقة، وذلك خلال الفترة 52-26 من إبريل الجاري في مقر الغرفة.
وفي هذا الصدد، تحدث حسين المحمودي مدير عام غرفة تجارة وصناعة الشارقة، قائلاً:
"تؤدي رؤوس الأموال الخليجية دوراً لا يمكن الاستهانة به في الاقتصاد العالمي، حيث باتت ثروات الخليج العربي أحد المحركات الرئيسة لاقتصاد العالم. وتشير آخر التقديرات الصادرة عن مؤسسات دولية إلى أن حجم الأصول الخليجية التي تدور في الأسواق العالمية تجاوز 1800 مليار دولار. ومن هذا المنطلق تتجلّى أهمية تنظيم (ملتقى الشارقة الثاني للأعمال)، حيث يأتي استكمالاً لما تمّ بحثه من محاور في (ملتقى الشارقة الأول للأعمال)، وعلى رأسها دور القطاع الخاص الخليجي في التنمية الاقتصادية، وأثر الثروات السيادية الخليجية على التنمية المستدامة".
وفي هذا السياق، وبمناسبة تنظيمها لملتقى الشارقة الثاني للأعمال، أجرت غرفة تجارة وصناعة الشارقة التقرير التالي حول ثروات الخليج العربي ودورها في اقتصاد العالم.
حيث يُظهر تقرير أعده "معهد التمويل الدولي" في واشنطن أن نحو 36 % من الإجمالي التراكمي لحجم الأصول الخليجية في الأسواق العالمية، تمّ ضخّه خلال السنوات الخمس الأخيرة، وأن أوروبا استقطبت قرابة 55 % من التدفقات المالية من دول مجلس التعاون الخليجي، فيما استحوذت دول الشرق الأوسط بما فيها الدول العربية على 11 % من تلك التدفقات المالية.
وأظهرت دراسة صادرة عن "معهد التمويل الدولي" في مطلع العام الماضي 2011، أن الاستثمارات الخارجية الخليجية أخذت في التنوع في السنوات الأخيرة، بدلاً من تركزها في الأسهم والسندات والأصول العقارية، لتدخل في أصول الشركات وتمويل المشروعات، والمساهمة في صناديق الاستثمار المغلقة، وصناديق التحوط، وعمليات الشراء والاستحواذ على الشركات الكبرى.
وذكرت الدراسة أن حجم الاستثمارات الخليجية في الخارج ارتفع في السنوات الأخيرة، نتيجة ارتفاع الفوائض البترولية من ناحية، واتباع دول الخليج لسياسات متحفظة بشأن الإنفاق من ناحية أخرى.
ومعظم الاستثمارات الخليجية في الخارج هي استثمارات خاصة يملكها أفراد من جنسيات خليجية مختلفة، وهي ما بين استثمارات مباشرة متنوعة في العقارات والأراضي والشركات التجارية والمشاريع السياحية وغيرها، وأخرى غير مباشرة في الأسهم والسندات.
وتحتلّ سويسرا وبريطانيا وفرنسا المركز الأول بين الدول الغربية الجاذبة لهذه الاستثمارات، ثم تأتي الولايات المتحدة الأمريكية بعد ذلك، كما توجد استثمارات عربية قليلة في آسيا ولاسيما في ماليزيا وسنغافورة، في حين شرع بعض دول الخليج، ومستثمرون خليجيون أفراد خلال الأعوام الأخيرة، في البحث عن فرص استثمارية واعدة في دول أمريكا اللاتينية، وخاصة البرازيل.
ولكن معظم ما يتداوله الاقتصاديون حول الحجم الحقيقي لثروة الخليج في الاقتصاد العالمي، لا يعدو أن يكون تقديرات باحثين ومحللين اقتصاديين وبعض المراكز والمؤسسات الاقتصادية، أهمها وأدقها "صندوق النقد العربي"، ومجلس الوحدة الاقتصادية العربية، و"المؤسسة العربية لضمان الاستثمار". ومع ذلك فحتى هذه المؤسسات تكاد لا تتفق على رقم تقريبي لحجم الأموال الخليجية المستثمرة في الخارج، والسبب الجوهري في ذلك هو طبيعة هذه الاستثمارات نفسها التي يحرص معظم أصحابها على إضفاء طابع السرية عليها، وطبيعة النظام المصرفي العالمي، إضافة إلى طابع السيولة الذي يغلب على معظم هذه الاستثمارات، ولاسيّما غير المباشرة منها، كتلك التي تتم في الأسهم والسندات في البورصات العالمية.
صناديق الثروة السيادية
على أثر الطفرة النفطية الجديدة، وبالتحديد منذ بداية هذا القرن، استجدت على الساحة عدة معطيات غيرت بشكل ملحوظ من طبيعة الاستثمارات الخليجية في الخارج. وأول هذه المستجدات هو تزايد الفوائض المالية بشكل كبير، ما أدى إلى زيادة زخم الاستثمارات عموماً والاستثمارات الخارجية خصوصاً.
كذلك فإنّ الزيادة الأخيرة في الفوائض المالية شجعت معظم دول المنطقة على إنشاء صناديق الاستقرار المالي، التي تهدف في الأساس إلى تنويع مصادر الدخل وضمان إيرادات مستمرة للأجيال القادمة، إلّا أنها في المحصلة تمثل مبالغ كبيرة مخصصة للاستثمار، وبالذات الاستثمار الخارجي في أسواق المال الأجنبية فيما يعرف باسم "الصناديق السيادية".
وكان الهدف في البداية هو قيام هذه الصناديق باستثمار عوائد بيع الثروات الناضبة، بغرض توفير دخل سنوي مستقر لأطول مدة ممكنة، وتخفيف التذبذب الحاصل في عوائد بيع هذه الثروات نتيجةً لعوامل السوق. إلاّ أن المفهوم تطور وأصبحت هذه الصناديق تستخدم لإدارة الرصيد الفائض من العملات الأجنبية.
وتمتلك دول مجلس التعاون الخليجي أصولاً في صناديقها السيادية تقدر بنحو 1380 مليار دولار، أي حوالي 35 % من إجمالي أصول صناديق الثروة السيادية في العالم، نصفها تقريباً تمتلكه الإمارات العربية المتحدة، وبصفة خاصة إمارة أبوظبي صاحبة أكبر صندوق ثروة سيادي في الخليج، وثاني أكبر صندوق سيادي في العالم بعد صندوق الثروة السيادي الصيني. وذلك وفقاً لتقديرات "المعهد الدولي لصناديق الثروة السيادية".
وحسب الاقتصادي السعودي الدكتور عبد الله القويز، فإن الصناديق السيادية الخليجية ترفد الاقتصاد العالمي بنحو 200 مليار دولار سنوياً، وهي تسهم أيضاً في تقليل التذبذبات في الأسواق المالية الدولية، وفي تمويل عمليات التنمية لاقتصادات الدول الصاعدة وتطوير أسواقها المالية، وبروز التمويل العربي الإسلامي في أسواق المال العالمية.
وأسهم النشاط الاستثماري لهذه الصناديق الخليجية في زيادة المدخرات، ما أدى إلى زيادة السيولة الدولية. وتقدّر دراسة حديثة حجم السيولة التي تسهم بها الدول الخليجية عبر هذه الصناديق لتحريك الاقتصاد العالمي، بما تصل نسبته إلى 44 % من السيولة الدولية، كما أن تلك الصناديق قامت بضخ أكثر من 40 مليار دولار لإنقاذ البنوك الغربية المتعثرة نتيجة تورطها في سندات الرهن العقاري.
وتلقّت الصناديق السيادية الخليجية كما العديد من الاستثمارات الخارجية العربية ضربة قوّية إثر انفجار الأزمة المالية العالمية التي استفحلت أواخر عام 2008، ومنيت هذه الصناديق الخليجية التي يقدّر حجمها بين 1.2 و1.5 تريليون دولار تشكّل قرابة الـ45 إلى 50 % من حجم الصناديق السيادية العالمية، نتيجة لذلك بخسائر كبيرة قدّرها بعض الأوساط بحوالي 450 مليار دولار، في حين قدّرها بعض آخر بنسبة بين 25 و40 % من حجمها تقريباً، حيث تتفاوت هذه النسبة بين صندوق وآخر تبعاً لنوعية وأماكن الاستثمار.
وعلى الرغم من ذلك، تدلّ الشواهد المتاحة حالياً على احتمال ارتفاع هذه النسبة بصورة جوهرية، بمجرد خروج العالم من الأزمة الحالية، حيث سنعود مرة أخرى إلى عصر الأسعار المرتفعة للنفط، ومعه من المتوقع أن تحقق دول الخليج فوائض نفطية ضخمة خلال السنوات القادمة، ومن ثم تراكم أصول هذه الصناديق على نحو غير مسبوق.
وفي هذا الشأن، أشارت تقارير اقتصادية صادرة مؤخراً إلى أن حجم الاستثمارات الخارجية للصناديق الخليجية من المتوقع أن يبلغ سقف 3.4 تريليون دولار خلال عام 2015.
ودفع العديد من العوامل الدول الخليجية إلى التفكير في تنويع وجهاتها الاستثمارية في مختلف دول العالم، حيث أظهرت السنوات الأخيرة لهذه الدول مدى الحاجة إلى عدم تركيز استثماراتها الخارجية في منطقة معينة في العالم، نظراً لما يشمله ذلك من مخاطر مستقبلية كبيرة على تلك الاستثمارات.
وبعدما كانت الوجهة المفضلة عادة لدول الخليج هي المنطقة الغربية، وتشمل أوروبا وأميركا الشمالية، فإنّ السنوات القليلة الماضية والتأثير الكبير للأزمة العالمية، أرغمت عدداً من دول الخليج على التوجه إلى وجهات جديدة، ومن أبرزها السوق الأميركية الجنوبية، لكون المنطقة اللاتينية الجنوبية تعتبر واعدة من حيث الفرص الاستثمارية وعدد السكان الكبير وتعطش صناعاتها لمواد الطاقة والبتروكيماويات.