أ: صوريــة سلمــاني - د. محمد فتحي عبد العال " وكالة أخبار المرأة "

الطب تلك اللفظة الغنية بالقيم الانسانية، والأهداف السامية التي تعلو بعلو همة أصحابها، فكان هذا الفن النبيل الشغل الشاغل للرجال عبر الأزمنة التي مرت، احتكروها لصالحهم وأصبحت تخصهم دون غيرهم من النساء..
 ترى ماذا لو دخلت المرأة في هذا المجال؟!
 لم تكن ممارسة الطب بالنسبة للمرأة في الماضي بالأمر الهين، إذ استغرقت أمدا طويلا تحاول خلاله التعلم سرا، كمن يتعبد ديانة مختلفة عما تربى عليها ، خوفا من غضب المحيطين، خوفا من العقاب كأنما هي جريمة. فكانت المرأة تنهل من العلوم الطبية كلما سمحت لها الفرصة، حتى جاء ذلك اليوم الذي احتلت فيه المرأة مكانتها التي تتمتع بها اليوم ، بحرية مطلقة دون قيود أو الخوف طوال اليوم من العواقب..
 ذهبت الكثير من المصادر التاريخية إلى أن « ميريت بتاح » أول من مارست الطب في التاريخ، والتي تنحدر من الأسرة الفرعونية الثالثة. ظل هذا الاعتقاد السائد فيها أنها أول أنثى طبيبة إلى أن قام الدكتور « يعقوب كويسينسكي ببحث بجامعة كولورادو الأمريكية عام _ 2019  فند فيه أن تكون « ميريت بتاح » أول طبيبة. إذ لا يوجد سجل لها بهذا الخصوص في وثائق الدولة القديمة وأن أقدم طبيبة في التاريخ بتلك الدولة كانت « بسيشت » والتي وصفت بالمشرفة على الطبيبات..
  ومن الحضارة المصرية القديمة إلى حضارة اليونان القديمة أين سطع نجم « أغنوديس » هي الأخرى. امرأة من أثينا ، تمردت على التقاليد والعادات في بلادها ودخلت عالم الطب لتقضي على التخلف وحرمان المرأة من حق تعليم الطب للنساء. فكانت تتنكر في هيئة الرجال كي يتسنى لها الذهاب والتعلم في الإسكندرية،  والتتلمذ على يد عالم التشريح الشهير « هيروفيلوس » وبالفعل استطاعت تحقيق ما أرادت فتعلمت، وعملت ،وعادت إلى بلادها أثينا فخورة بالذي وصلت إليه، وظلت تمارس الطب في ثوب رجل خوفا من أن يعرقل أحد ما طريقها الذي قطعت منه شوطا كبيرا ضحت فيه كثيرا أهمه تخليها عن هويتها كأنثى، ومع انتشار صيتها وكثرة مرضاها من النساء، كاد لها بعض الأطباء حسدا منهم، مما عرضها ذلك لاتهامات بإغواء النساء كونها رجلا..
 كان هذا الموقف صعبا على «أغنوديس» والتي فكرت ووجدت أن آخر حل لها أن تكشف عن هويتها وتدافع عن طموحها وعملها، وبالفعل برأت نفسها، وكانت أول من فتحت الباب للواتي بعدها، ليسمح بعد ذلك قانون أثينا بتعليم النساء فن الطب والعمل به خدمة للنساء.
 وإذا ما ذكرنا أشهر النساء في هذا المجال، فإن القائمة تطول بأسماء الواتي برزن في عالم الطب ووصلن بفضل إرادتهن القوية وإصرارهن.. من بين تلكن هناك ثلة بارزة لايمكن لأحد أن يبحث في النساء والطب ولا تظهر لهن، ألا وهن «رفيدة الأسلمية» أول مسلمة كان يأخذها رسول الله محمد صل الله عليه وسلم معه في الغزوات تطبب المرضى والجرحى، بعد أن عالجت أول جريح في غزوة الخندق، سعد ابن معاذ، فكانت أول من فتحت عيادة لها،  وأول من كانت تسير بعيادة متنقلة رفقة ممرضات يساعدنها، فعرفت « بالخيمة المتنقلة ». ومثلها من العربيات « زينب بنت بني أود » والتي اشتهرت بمداواتها لآلام العين والجراحات، كذلك « الشفاء بنت عبد الله » التي اعتنقت الاسلام وأقر لها النبي بإتقانها لعملها، وأم عطية الأنصارية التي كانت تمارس ختان البنات..
 ومرت الأزمنة والسنوات ، ولازالت النسوة يتعلمن ولا يدخرن جهدا في ذلك، هكذا عرفت « إليزابيث بلاكويل » بحبها للطب فاختارته وأتقنته. فاشتهرت في العصر الحديث حين كانت أول من ارتادت كلية جنيف للطب في نيويورك وتخرجت عام 1849. وبعدها عملت على افتتاح عيادة للنساء والأطفال لخدمة الفقراء.
 وبعد سنوات لحقتها أول سيدة عربية درست الطب هي السورية « سبات إسلامبولي » والتي تخرجت من جامعة بنسلفانيا عام 1880 لتعود بعدها إلى سوريا ثم تستقر بمصر ولم يعرف بعدها إذا ما مارست الطب أم لا.
 وفي مصر من عام 1930 اشتهرتا « كوكب حفني ناصف» و «هيلينا سيداروس» أين رسما  طريقهما في عالم الطب بعد دراستهما بلندن. وبذا كانت كوكب أول من أسس مدرسة للتمريض بمصر كما كانت أول من انتسب لنقابة الاطباء أما هيلينا فكانت أول من افتتح عيادة خاصة للنساء والولادة بنفس البلد.
 وبعد حوالي خمس سنوات ظهرت « توحيدة بالشيخ »  أو « بن الشيخ » أول تونسية استطاعت الالتحاق بكلية الطب في باريس، والتي تخرجت منها في عام 1936، لتنتقل بعدها الى تونس وتفتح عيادتها هناك، حيث أشرفت على مشروع تنظيم الأسرة في بلادها، فكان لها نشاطات ثقافية كبيرة، مما دفعها  لإنشاء مجلة « ليلى » فتكون بذا أول مجلة تونسية نسائية باللغة الفرنسية. وفي عام 1958 أصبحت عضوا في عمادة الأطباء التونسيين تقديرا لجهودها الطبية البارزة، وعلى الرغم من وفاتها عام 2010. إلا أنها ظلت في وجدان الشعب التونسي كرمز للمرأة القوية المثابرة التي تحدت الواقع المتخلف، الذي كان آنذاك ينظر للمرأة العاملة نظرة احتقار، ووصالت التحدي وتغيير تلك العادات الهدامة للطموحات والتقاليد المعرقلة للنجاحات. في عام 2020 اختارها البنك المركزي لتكون شخصية نادرة مميزة، لتوضع صورتها على الورقة النقدية من فئة عشرة دنانير تقديرا وعرفانا لها. وعلى نهج توحيدة التونسية بثلاث سنوات سارت « آنا ستيان » عام 1939 أول طبيبة عراقية، تليها الطبيبة « علجية نور الدين بن علاق »  أول جزائرية عام 1946.
 هكذا يزول البشر ولا يزول أثرهم الطيب الذي تركوه في نفوس الآخرين، سيظل خالدا أبد الدهر متقدا..