الكاتبة الصحفية: أمان السيد - أستراليا - خاص بـ " وكالة أخبار المرأة "

 ومع ارتشاف فنجان قهوة صباحيّ تأمل به أن تبدأ نهارا يقظا عطاء، وطموحا، تحقّق فيه بعض المُبتغيات على الأقل، يصفعك الخبر المنكّه، فيقلب مزاجك رأسا على عقب!
 كيف لا يكون كذلك، وقد وصلك كما رتّب له مسوّقه تماما؟!
 تستسلم بعد أن شهرت لسانك، وقذفت ما قرأت ببعض السّباب، حين تتذكّر أنها الحرب التي في كل يوم ستسفر سراديبها عن ويلات كثيرة.
 وبتسارع تنهمر عليك أخبار، وثرثرات، ومشاهد تتكاثف لتضخّ أمامك ما ظننت أنّ ذاكرتك العجوز المثقلة بالأخبار والمشاهد كانت طوته، وانتهى أمره، ولحظتئذٍ تتأكّد أيها المحظوظ أنك تمتلك ذاكرة شابّة على الدوام، ذاكرة تتشفّى بالتّصدق عليك في مثل تلك اللحظات اللطيفة بأخبار محزنة، وكريهة!
  تعاود القول إنها الحرب، وهل تراها ستحمل لك الفرح والاستبشار إلا إن كنت غير إنسان؟! نعم، اصرخ عاليا: إنك المعدوم الإنسانية، حين تستبشر بنصرٍ فيه يُسحق الآلاف، ويشتّت من الأسر من يشتّت، ترطّب نفسك قائلا: إنه العدو، عدوّك، يجب أن يرضيك ذلك، فيأتيك الرد مسرعا من أعماق نفسك: ولكن من الذي  نعتهُ بعدوّك، ومن ذاك الذي وضع مقاييس وأحكاما على أساسها يغدو شبيهك البشريّ خصما عليك أن تسحقه، وفوق جسده تقرع أنخاب السعادة منتشيا بأنهار دمه، ومن، ومتى سيُنفخ في الصّور ليُعلَن أنه آن أوان السلام، والتمازج، والتناغم معه، وأن ذاك الذي انتشيت باجتراع دمه ليس إلا الجنين سليل أبوين إليهما نُسّبت يوما؟!.
 أنت تقهقه الآن.. أيها الغبي، فإن لم يكن في الدنيا حرب، وصراعات، وقتل وهمجية، فما طعم الدنيا، إنها نشوة الغالب ذابحا ذبيحه المتمرّغ قبالته بجُرم تجرّئه أن يكون نّدا لك في شرق غنائم تضنّ بها الأمجاد إلا على المتصارعين، والمتناحرين.
 إنها الحرب، ساحة لأعضاء بشرية تباع وتشترى، ولنساء يغتصبن باسم الدين، ولأطفال تدمّر عقولهم فيصحبون مغيبين إلا عن فكر الخليفة الراغب باحتياز العروش، حرائر يُعرضن معرّيات في أسواق النخاسة، يُرقّمن بأسعار تلذّ للعارض، لعاب الشارين يسيل، فروجهنّ مباحة لتجار الحروب، ثم في إثرها تلقى فوق قمامات اللحى، وعصائب العميان، أو تجيّر  لمن يصنّفون في المراحل الدّنيا من التّبعية.
إنها الحرب، حرب الرجال ضدّ الرجال، ضحاياها النساء اللواتي بتهشيمهنّ يُذلّ الرجال، وتدفن أنوفهم في الوحول، هراء هذا الحديث، فقد تبلّدت القيم، وانحدرت المفاهيم، واضطرب كل شيء، لكن الغريزة تظل الغريزة. إنها الحيوان الذي لا يهدأ في البعض، ولا يستكين.
  إنه "الإخصاء برضاك"، خبر مستجدّ يملأ الصفحات. أن تتقدم لتُخصى، لتنقذ نفسك ومن تحب، وإن لفترة، الأدوار تتسلسل، فالرجل موقد الحرب، أو رافضها، سيان في الأمر، سيكون الأضحية على مذبح الحاجة والفقر، تقيّم مواهبه التّكاثرية في الأسواق نفسها التي اكتريت فيها النساء من قبل، إنها الحرب، تلبّي النداءات على مرّ التاريخ، فتساوي بين الذكر والأنثى في الألم والاضطهاد أيضا، إنها الحرب، لا تُبرّر، إنه الجوع، لا تبرّر، إنه القهر، لا تبرّر، فلكل شيء ثمنه صعودا، وانحدارا.
 كِلى تباع صافيا بما يتراوح بين عشرة آلاف، وخمسة عشر ألفا من الدولارات بعد اقتطاع المسوّقين، والوسطاء، والأطباء أتعابهم، أمر عرفناه حتى بدون الحرب، ففي الهند تكثر هذه البضاعة منذ زمن طويل، إنه الفقر يدفع لوهب أغلى ما تملك، حتى إن حُذّرت من الخطر. في بلادنا عرفنا الوهب نفسه مستترا يسوّقه الأطباء لمرضاهم، في وقت يترحّم فيه المدّعون بعزّ البلاد على السّلم والاكتفاء الذاتي اللذين فُقدا بالثورة ضد المفسدين، والظلّام، ولكنها الحرب أيضا، هي المؤجّج لمسيرة الأحداث، ولكن أن يضطرّ الرجل إلى بيع كنز خصيتيه عنوة تحت تهديد الفقر، والتّهجير، والتّشرد، فهنا المطوّل من الوقفات، ولا سيما أن الرجل العربي يعرف بتباهيه برجولته التي يربط جلّها بمقدرته الجنسية، ضمن مفاهيم متوارثة لم تخفّف منها ثقافة أو رقي حضور إلا عند الندرة، ها هي مهانة الاحتياج، توصله في العراق، وفي "أربيل" بالذات كما يأتي في الخبر إلى بيع نطاف استودعه الله إياها لخيره وابتهاجه، والمحظيّ من امتلكها وفيرة وسليمة، إذ لا بد من خضوع القربان إلى فحوصات طبّية يجريها مختصون من تجار الحروب وسماسرة الإنسان.
 مرعبة تلك العدوى التي ستستشري في ساحات الصراع العربي الذي تغلي فيه مراجل العوز، والفاقة، والحرمان بلا توقف.
 ولكن، ما الجدوى من النطاف، والتلاقح، وإنجاب الأطفال في ظل تلك الأزمات والاحتلالات التي تتنوع أمريكية، وصهيونية، وصديقة، ألكي تبتلعهم تلك الساحات أيضا مشوهين مبتوري الأطراف، والعقول، أم  لينتهوا في أسواق النخاسة أيضا؟!
 ستون، أو ثمانون ألفا من الدولارات الأمريكية، هو مبلغ عظيم، لرجل مقهور يعجز عن تقديم أي شيء لنفسه، أو لعائلته، فكيف سيقاومه الهارب من بطش داعش، والاحتلال الأمريكي والإيراني، ومن أخيه ابن الوطن الجشع الغادر المتعاون مع كل من سبق. كل ما في الأمر أن الرجل الذي يبيع يُطمأن أن لا شيء سيعيق استمرار حياته الإنسانية مع الشريكة، فيغضي طرفا وهو الواثق أنه ليس إلا وهما.
 غابرييل غارثيا ماركيز قال "عندما تقع المجاعة، لن يكون هناك خبز سيّئ"!
   إنهما جوعان، ترى من منهما ستفرد له ساحة الانتصار؟! أما الدين، فهنا الطامة الكبرى.. ومن ذا الذي يحاصره الجوع، والاستلاب، والإذلال، ويلتفت إلى ما يتلوه المشرّع، ويتداوله ذوو الفتاوى ببطون أتخمت بالشبع الذي رتّق ما رتّق من حفر بُقرت بها العقول؟!
 شتان بينهما، رجل يتلذّذ بوهب نطافه في دولة متحضرة كأستراليا، ومثيلاتها من دول العالم المتحضر، ولديه مطلق الحرية في التبرع بها لتحقيق حلم كبير للمجهضة أحلامهم، يقوم بفحوصات طبية سنوية، حرصا منه على ما يعطي، ويتابع أبناءه الذين يتضاعف عددهم، يزورهم، يعانقهم، يستقرئ سير حياتهم، ويسعد برؤية أمهاتهم مشبعات بالأمومة، وقد أغدق عليهن نعمة لا تضاهى تقديرا، ومالا، يفعل ذلك مجانا، ويجاهر سعيدا بما اقتنع أنه عمل إنساني رفيع في بلاد تؤمن بحرية تربط القول بالفعل، بلاد تفرّ الحروب من ساحاتها فاردة للحب أن يرتع هنيّا مباركًا متصافيًا، بلاد تزخرف لمواطنيها الجدران حول السكك الحديدية بالألوان والحروف، كي لا يصابوا بالسّأم، وهم يستقلّون قطارات نحيلة مثل أفاعٍ، بلاد أدركت بعد تنقيب، وتجريب أن القيمة الأثمن للإنسان، وأن الاحتفاء بالعقل أعظم السبل لخلاص البشرية مما يراكمه عليها المجرمون من قذارة الاستعباد.