مصعب قاسم عزاوي - " وكالة أخبار المرأة "

 من الناحية العلمية الفيزيولوجية فإن هناك تطابقاً شبه مطلق في القدرات الوظيفية للدماغ بين الذكور والإناث، وإن كل تلك الاختلافات الإحصائية التي كانت محل اعتقاد بعض الباحثين في عقود مضت عن تفوق الذكور في القدرات العقلية الحسابية وفي الرياضيات عموماً، وتفوق الإناث في المهارات اللغوية واللفظية، تبين أنها عائدة بشكل رئيسي لأنماط التربية الاجتماعية السائدة في بعض المجتمعات التي تمت تلك الدراسات عليها، وهي الاختلافات التي تبين عدم صحتها في حال تطبيق نموذج من الرعاية التربوية والتعليمية لا يوجد فيه أي تفضيل لجنس على آخر، كما هو الحال في نهج التربية و التعليم في فنلندا راهناً.
وبينت الكشوف البحثية الحديثة في مجال فيزيولوجيا الدماغ أن الاختلافات التشريحية والوظيفية بين أدمغة الذكور والإناث تعود لتأثير الهرمونات الجنسية التستروسترون والاستروجين والاستراديول على تلك الأدمغة في مرحلة تخلقها الجنيني وخاصة على بنيتين تشريحيتين في جزء من أدمغة البشر يشتركون فيه مع أقرانهم من الكائنات الحية الأخرى يدعى الدماغ المتوسط، الأولى منها منطقة ما تحت الوطاء Hypothalamus المسؤولة عن نظم عن الكثير من الوظائف النفسية والفيزيولوجية و من ضمنها الارتكاسات العاطفية والوجدانية و الغريزية وما يرتبط بها من ذكاء عاطفي عبر تشابك تلك البنية التشريحية مع القشرة الدماغية التي تمنحها بصمات الإنسان العاقل وقدراته على التحليل والاستنباط والإدراك والتخطيط للأفعال. والبنية التشريحية الثانية هي منطقة اللوزة الدماغية Amygdala وهي المسؤولة عن العديد من الفعاليات الوظيفية التي قد يكون أهمها ضبط ارتكاسات الخوف والغضب والعدوانية والميل لاستخدام العنف وسيلة للتعامل مع الآخرين، بالإضافة لأنماط من التفكير المتعقل لضبط و ترشيد تلك الارتكاسات من خلال ارتباطها أيضاً مع القشرة الدماغية العليا بقدراتها الفائقة التي يتميز بها بنو البشر عن سواهم من الكائنات الحية.
والتمظهر العياني المشخص لتلك الاختلافات التشريحية والفيزيولوجية يمكن اختصاره في التفارق البيَّن بين النهج الفكري الذي تتبعه الإناث بشكل فطري حين تعرضهن لشدة نفسية أو عقلية أو جسدية تتمثل فيما يدعوه العلماء الميل لرعاية وحماية المقربين وخاصة البنات والأبناء، والسعي للتواصل مع المحيط الاجتماعي تعاطفاً وتراحماً في سعي لإيجاد حل بشكل جمعي للتعامل مع تلك الملمة، وهو ما يدعى باللغة الإنجليزية «Tend- and- Befriend»؛ بينما يكون ارتكاس الذكور في نفس ظروف الشدة النفسية أو العقلية أو الجسدية السالفة الذكر متمركزاً أساساً حول التحضر للقتال أو الصراع مع الأسباب التي أدت لحدوث الملمة، أو الهروب من مواجهتها أو حتى في بعض الأحيان جموداً عقلياً وبدنياً وإحساساً بالعجز المطلق عن أي قدرة للتفاعل مع تلك الضائقة، وهو ما يدعى باللغة الإنجليزية «Fight, Flight´-or-Freeze».
وذلك النموذج من التفارق التشريحي والوظيفي الدماغي وما ينتج عنه من مناظير عقلية متباينة في كثير من الأحيان بين الذكور والإناث لمقاربة الشدائد والصعوبات والعقبات، يستدعي كثيراً من التأمل الحصيف لمفاعيله خاصة في زمن فيروس كورونا الذي أظهر بجلاء ضعف وهزال المدنية البشرية التي تغولت على الأرض والزرع والضرع وظنت أنها قادرة على الإيغال في الفساد والإفساد في الأرض بقوة الحديد والنار الذي تبين عدم جدواهما حينما تقرر الطبيعة العويل تفجعاً في وجه الظالمين من بني البشر صارخة: «هلموا لتحصدوا عصف ما أوكت أياديكم ونفخت فيه صدوركم». وهو ما تجلى في التعثر المريع على المستوى الكوني في التعامل الممنهج مع جائحة إنتانية كان لا بد من حدوثها، بعد أن لم يترك البشر بقعة من الأرض إلا وانتهكوها، حتى لم يعد للحيوانات ملجأ سوى البحث عن مأوى لهم بين بني البشر، وهو ما اقتضى نقل فيروساتهم الحيوانية معهم لتستوطن أيضاً بين بني البشر، والتي كان آخرها فيروس كورونا، وقبله فيروسي حمى الخنازير، والطيور، وفيروس سارس الأول، وغيرها من الفيروسات التي لا تزال تنتظر دورها في الإطباق على حيوات بني البشر بعددها الذي لا يقل عن مليون وسبعمائة ألف، والتي قد تجعل من حكاية فيروس كورونا «حنجلة تسبق رقصاً شيطانياً مهولاً» في قابل الأيام.
وبالتدقيق في مستوى استجابة دول العالم المتقدم لكارثة فيروس كورونا لا يمكن سوى الالتفات إلى الخزي والإخفاق العلمي والسياسي والحكومي في الولايات المتحدة وبريطانيا اللتين احتلتا المرتبة الأولى في عدد الوفيات بالنسبة لعدد السكان، وإلى النجاح المنقطع النظير أساساً لنيوزيلندا وألمانيا بدرجة أقل، والذي لا بد من أن يعزى قليلاً أو كثيراً لنهج رأسي الدولة في كلا البلدين، وكلاهما من «الجنس الرحيم»، أعني الإناث، وهو النهج الذي اتسم بالصدق والصراحة والمصارحة والاتكاء على معرفة وخبرة العلماء بدل احتقارهم والتفنن بكل أشكال وتلاوين البهلوانيات السياسية لترقيع العيوب وتحويل الهزائم الأخلاقية إلى انتصارات سياسية خلبية.
وبتأمل الواقع التراجيدي المهول الذي ينتظر بنو البشرية إطباقه على حيواتهم ومستقبل أبنائهم والمتمثل في دخول الكارثة البيئية الكونية الراهنة مرحلة اللاعودة بعد بضع سنين قد لا تتجاوز السبعة منها، قد تجعل من معاناة البشرية راهناً من فيروس كورونا رحلة سياحية ترفيهية، إذ قد تصبح الأعاصير، والفيضانات الطوفانية، والقحط السرمدي حال كل يوم، بالتوازي مع ارتفاع درجة الرطوبة والحرارة لدرجة تجعل من الحياة في غير منطقة من بلاد العرب غير صالحة للحياة فيها لعدم قدرة الجسم البشري فيزيولوجياً على تبريد نفسه فيها، وهو ما سوف يجعل من «الحج» مثلاً حلماً لا يستطيع إليه سبيلاً أحد، هذا عدا عن تصحر غالب المناطق الزراعية التي يأكل من خيرها الناطقون بلسان الضاد إن لم تغمرها مياه البحر والتي قد يرتفع منسوبها الراهن لأكثر من عشرة أمتار في نهاية القرن الحالي.
و لا بد من التفكر ملياً بحاجة بني البشر إلى إعادة النظر بصلاحية الجنس «العدواني»، وأعني هنا الرجال، بعد إخفاقهم المريع في تصدرهم للقيادة والرياسة، منتجين أكداساً من الحروب والكوارث البيئية التي يحتمل أن تقود إلى انقراض الجنس البشري، سواء بيئياً، أو نووياً على طريقة تشرنوبل وفوكوشيما، أو جراء أي خلل محتمل الحدوث في منظومات الرؤوس النووية ورصد الصواريخ الباليستية على المستوى الكوني التي يكفي عددها لتدمير كوكب الأرض عدة مرات، وهو ما كان قاب قوسين أو أدنى في غير مرة خلال العقود الأخيرة، و تم تلافيه فقط بحدس موظفين عقلاء لا يمكن ضمان وجودهم في كل الظروف والأحايين.
وأغلب الظن أن مقولة «ناقصات عقل، ناقصات دين» عن النساء عموماً حديث منحول لا صحة ولا سند له، وأن الحقائق العلمية والواقع البشري المزري الذي وصلت إليه البشرية، ويحتمل فناءها خلال بضعة عقود في حال استمرار غلواء البشر وإصرارهم على السير في طريق الغي والفساد والإفساد في الأرض، قد يستدعي إقرار السادة المكرمين من الرجال التنحي عن دفة القيادة، وتسليمها للاتي أثبتن جدارتهن بشكل عملي في التعامل مع الشدائد والملمات التي لا بد أن تتكاثر بمتوالية هندسية في المستقبل المنظور على البشرية جمعاء، دون أن تعرف حدوداً أو أجناساً أو أعراقاً أو أدياناً أو مذاهب للبشر الذين سوف يحتضرون جراء حلولها المجلجل.
ولأن «الاعتراف بالحق فضيلة»، فقد يكون من الحكمة إعادة الاعتبار لكل الأمهات والأخوات وصانعات الحياة وحافظاتها بكونهن «كاملات عقل، كاملات دين»، إذ أن ذلك الأخير الحق، أي الدين، هو نهج «المعاملة» العطوفة الرحيمة المتعاضدة مع آلام وأتراح المحزونين المظلومين، ويبدو أنه من الناحية العلمية والعملية لا خير من النساء للقيام بتلك المهمة الكأداء إن كان مقدراً للبشر الاستمرار في وجودهم المدني والحضري.