البشير ضيف الله - الجزائر - " وكالة أخبار المرأة "

إن التحولات العالمية فرضت شكلا «علائقيا» مختلفا هذه المرة بين الرجل ككائن «بطريركي» يفرض سطوته، والمرأة العربية كعنصر ثانوي يعيش حالة القهر والحرمان والقلق المستمرّ، فأصبحت العلاقة بينهما «ندّية» تتّسم بالتمرد في كثير من الأحيان، بعد أنْ مكَّنت العولمة المرأة العربية من طرح انشغالاتها وقضاياها في مختلف الشؤون الحياتية من جهة، وتقديم نفسها كصوت مسموع يفرض وجوده الأبستمولوجي، ويمتلك القدرة على الممارسة الثقافية بمختلف أشكالها، على قدم المساواة مع الرجل، فهي ككيان مثقف ـ بتعبير إدوراد سعيد- ترفض الارتباط بقيود تحد من تفكيرها، أو توجه مسار أفكارها مهما تكن تلك الأفكار، ولعلّ الوقائع الحالية تجعل العنصر النسوي في الكتابة السردية رهينة محيطه السوسيو- فكري بحكم تركيبة الإنسان العربي/ البطريركي وأنماط تفكيره، فلم يحدث اتفاق أبستمولوجي يؤسس لانطلاقة واعية لاختلاف المرجعيات الفكرية والدينية، المكرّسة لكثير من التناقضات، خصوصا في شقّها الديني الراديكالي، وفي المقابل يقف في مواجهة المدّ العولمي، كونه وافدا أيديولوجيا، بأدوات عابرة للحدود تذوّب الاختلافات والخصوصيات وتفتح الرهانات من غير شروط.
فعلى صعيد أدوات الكتابة الأدبية، فقد انفتحت النصوص على أفضية تتجاوز المحلية، كتوظيف المراسلات الإلكترونية، أو وسائط التواصل الاجتماعي، كالفيسبوك وتوتير وأنستغرام وغيرها.. ما يعني أنّنا أمام تراكم إبداعي يحتاج إلى متابعةٍ ومواكبةٍ في الآن نفسه، فالكاتب شاهد على عصره وزمانه ـ كما يقول الطاهر بن جلون- ونحن مطالبون أكثر من أي وقت بأن نستوعب الفكرة، وأن نتفاعل معها، وأنْ نبحث في ميكانيزمات هذه التجربة الجديدة المختلفة شكلا، والمتجاوزة مضمونا، الباحثة عن أفق يتجاوز كلّ الحدود، بفعل ما تقدمه الثورة التكنولوجية من مُحفّزات، أهمها شبكات التواصل الاجتماعي، والوسائط التكنولوجية المختلفة، التي تجعل من الغياب حضورا صوتا وصورة، بدون مراعاة للمسافات والفوارق الزّمنية، لم تكن متاحةً، أو حتّى متخيلة أبدا في زمن غير بعيد، فهذا السيل من الكتابات الروائية ـ حسب أمين الزاوي – التي «اجتاحت النص الروائي العربي الجديد، هي رسالة عن مجتمع يريد أن يتغير، أن يتحرك، أن يتبدل، وبالتالي أن يطوي صفحة ويفتح أخرى.. هل سيستعيد المجتمع العربي توازنه بعودة التوازن للسرير الذي عليه قامت الحكاية، وعليه قامت الحروب وعليه نفذت الاغتيالات وعليه بدأت المرأة فتنة الحكاية؟».
إنّ التحولات التي عرفتها الكتابة السردية بفعل تأثير العولمة، تبرز بوضوح في الاستئناس الملحوظ للتكنولوجيا، على غرار الروايات الورقية التي تتناول العلاقات الفيسبوكية، أو «الرسائل الإلكترونية» ويكفي هنا الإشارة إلى رواية «بنات الرياض» لرجاء الصانع، التي أحدثت ردود فعل تجاوزت الآفاق، وتجارب روائية نسوية أخرى، عبّرت بصوت عال عن هذا التحول بدءا بالعتبات وانتهاء بالبنى السّردية، ولعل ما يذهب إليه أمين الزاوي فيه كثير من الصحة، كون «الوسائل التكنولوجية التي سمحت للمرأة بالاتصال العابر للمسافات والأزمنة، هو الذي جعلها تعي محيطها، وبالتالي تعود إلى الرواية مستنكرة مجتمعا فاسدا، ورجلا أنانيا، وثقافة منافقة»، ولعل الوسائل التكنولوجية التي سمحت للمرأة بالاتصال من العالم البعيد والقريب، الذي كانت محرومة منه ومحرما عليها، هو الذي جعلها تعي محيطها، وبالتالي تعود إلى الرواية مستنكرة مجتمعا فاسدا، ورجلا أنانيا، وثقافة منافقة».
كما كان من نتائج الفهم السِّلبي للعولمة في الكتابة النسوية العربية، بروز اتجاه روائي يحاول جاهدا الاشتغال على الجسد وإبرازه كوحدة اقتصادية قابلة للتسويق، في حركة تمرد مثيرة على القيم والخصوصيات، بالاشتغال على «التابو» الأكثر إثارة، والأكثر «إمتاعا» للرجل العربي، الذي يبقى هاجسهُ الدائم، ومن ثمّة فقد برزت أصوات روائية نسوية متمردة على غرار فضيلة الفاروق في «اكتشاف الشهوة» و «تاء الخجل»، و«أحلام مستغانمي» في ثلاثيتها «ذاكرة الجسد، فوضى الحواس، عابر سرير» إلى سحر خليفة في «لونجة وجسر للبوح» إلى سميحة خريس في عمليها «دفاتر الطوفان» و«الصحن»، إلى جنان حلاوي في «أماكن حرة» إلى هيفاء بيطار في ثلاثيتها «ضجيج في الجسد، يوميات امرأة مطلقة، امرأة من طابقين» إلى ميرال الطحاوي في «باذنجانة زرقاء ونظرات الطباء» إلى بدرية البشير في «حبة الهيل» إلى سلوى النعيمي في «برهان العسل» إلى فتيحة مرشيد في «لحظات لا غير» إلى رشيدة الشارني في «صهيل الأسئلة».. ولا يمكن في هذا الشأن نكران التحول الإيجابي المسجّل على صعيد البنية السردية، وتقنيات الكتابة، فقد أصبح للرواية النسوية العربية حضور مهم في مختلف المواعيد الثقافية والأدبية، عربيا وإقليميا وحتى عالميا، بفعل ترجمة كثير من الأعمال إلى لغات عديدة، وإقامة أيام دراسية من شأنها إضافة إلى تسويقها إلكترونيا على نطاق واسع إثراء الشبكات العنكبوتية ووسائط التواصل الاجتماعي المتعدّدة، كل ذلك بكبسة زر، ما يعني أن المنجز السردي النسوي العربي على تنوعه، متمردا كان أم محافظا، أوجد له مكانا لافتا في ظل منافسة شديدة وانفتاح أشدّ بفعل العولمة الثقافية.
سيكولوجية الكاتبة العربية بين رغبتين:
المرأة الكاتبة شرقية كانت أم غربية، لم تكن لتصل ما وصلت إليه إلاّ بعد تضييق وقهر، نقف في هذا الشأن على ما قدمته سيمون دي بوفوار، خصوصا في كتابها «الجنس الآخر» فليس «هناك قدر بيولوجي أو نفسي أو اقتصادي يقرر الشكل الذي تمثله المرأة في المجتمع، إنها الحضارة ككل هي التي تنتج ذلك المخلوق الذي نطلق عليه اسم الأنثى..» لذلك فهي مطالبة بتسجيل وإثبات حضورها المفصلي في الحياة، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالمشهد الثقافي، فالمرأة بإمكانها أن «تحمل على كتفيها عصراً كاملاً، فتقوم بعملية تمثيل هذا العصر الذي عاشته والذي عاشها».
ولعلّ المعطيات تختلف هذه المرة بالنسبة للمرأة المبدعة، مقابل الرجل، فهي حبيسة القمع الممارس بفعل السلطات الاجتماعية والعقائدية، خصوصا عندما يتعلق الأمر بمهمة «التقويض» و«الفضح» اللذين تمارسهما الرواية باعتبارها لسان الواقع بكل تجلياته وخفاياه، وبذلك فالمرأة – بتعبير الناقدة آنيس بارت «لا تمتلك الاستقلالية في الحياة العادية، وكذلك في عالم الكتابة إذْ يُملى عليها ما يجب أن تكتبه وما يجب أن لا تكتبه.. إنّ تجربة المرأة تجربة خاصة بها، بينما تجربة الرجل تجربة للجميع»، لكن يبقى هذا الرأي قابلا للنقاش، على اعتبار أنَّ هناك تجارب روائية نسوية متمردة، كسّرت حاجز الارتهان وأوصلت رسائلها بصوت عال في مجتمعات كانت إلى وقت قريب من أشد المجتمعات العربية تحفظا –المجتمع السعودي مثلا- وكثيرا ما يتمّ النظر في مجتمعنا العربي للمرأة على أنها فاقدة للأنوثة، حيث تمثل هذا الاتجاه بامتياز الروائية المصرية نوال السعداوي، فالمرأة الكاتبة وُصفت بالقبيحة ـ على رأي توفيق الحكيم- لأنّ العقل يشوه جمال المرأة، والكتابة قمة العقل.
وتذهب مبدعات عربيات إلى أكثر من ذلك، حيث يرون أن إطلاق تسمية «الأدب النسوي- الرواية النسوية- الكتابة النسوية..» تخفي وراءها رغبة ذكورية في تهميش المرأة المبدعة، وهو ما تذهب إليه الكاتبة الكردية فينوس فائق بقولها:
إنّ التجربة المريرة التي أودعتْ مي زيادة مستشفى الأمراض العقلية بالعصفورية ما زالت تلقي ظلالها على المحمول الفكري و السوسيولوجي للكاتبات العربيات، فقد افتتن بهذه المبدعة كتّابٌ كبارٌ وعلى رأسهم العقاد، وكانت نقطة استقطاب لكثير منهم بفضل جرأتها وحراكها الثقافي «صالون مي»، ومع ذلك لم تجد الدّعم المناسب من كثير منهم، بعد أن انتهى المطاف بالحجر عليها في المستشفى/ السجن نتيجة نزاع مفتعل من قبل «ذكَرٍ» آخر ادعى قرابتها للاستيلاء على أموالها.. وفي «التاريخ أسماء كثيرة لنساء حُرقن أو عُزلن في مستشفيات الأمراض العقلية لمجرد شجاعتهن الفكرية، والتعبير عن آرائهن بحرية وأشهرهن في بلادنا هي الكاتبة hg;مي زيادة التي اتُهمت بالمرض العقلي وماتت، ثم بدأنا نهتم بها أخيراً، ونعيد قراءة مؤلفاتها الأدبية والفكرية، ونحتفل بذكراها كل عام، مي استطاعت أن تعبر التناقض بين قدرتها العقلية وكونها الأنثى، ذلك التناقض الذي ينشأ لدى الأنثى فور مولدها حيث تربى على أن دورها بالحياة هو الزواج والإنجاب وليس الإبداع الفكري».
ولعلّ المعطيات الحالية تؤكد بالأرقام أنّ حضور المرأة الكاتبة صار مشهودا بفعل تلاشى «صنمية» هذه الفكرة، التي عشّشت و لا تزال آثارها في وجدان المرأة الشرقية ـ كما هو الأمر نفسه بالنسبة للرجل الشرقي حبيس ذكوريته – فقد أخذت المرأة المبادرة فعلا، وأصبحت منافسا قويا للرجل، وهو ما تبرزه بوضوح نتائج جائزة كتارا للرواية العربية، وجائـــــزة الطيب صالح العالمية للرواية، وجائزة البوكر، فعلى مدى دورات عديدة سجّلت الروائية العربية حضورها اللاّفت، حتى إن كانت هذه الأرقام المسجّلة لا تعبّر عن زخم السّرد المنجز، خصوصا مع بداية الألفية الثالثة، ويكفي التّأكيد على أنّ تمثّل «التابوهات» لم يعدْ حاجزا يمرغها، أو يضعها في عداد «المهدور دمها» أو من «المحرم» عليهنّ دخول الجنّة كما في السابق.