د. نادية هناوي - " وكالة أخبار المرأة "

تشهد الكتابة النسوية اهتماماً كبيراً في مرحلتنا ما بعد العولمية التي فيها تخلخلت الثوابت وصار للهوامش مثل ما للمراكز من أهمية،
ولم يعد التاريخ سردية كبرى تصنعها الشخصيات العظيمة؛ بل صار مجموعة سرديات صغرى يصنعها الناس عامة رجالاً ونساءً، أطفالاً وشيوخاً، أصحاء ومرضى، كاملي البنية أو معاقين، أحراراً أو مكبلين.
وإذ يكون للرجل في هذا التوجه نصيب؛ فإن النصيب الأكبر ينبغي أن يكون للمرأة لأنها بكتابتها لسيرتها أنما تنتقل من منطقة التعتيم الكلاسيكية إلى منطقة الأنوار ما بعد الحداثية. وهو ما تحاول المنظومة الثقافية البطريركية التصدي له على مختلف الصعد الاجتماعية والإعلامية والأدبية والثقافية والفكرية.
ولكتابة السيرة ـ بوصفها نوعاً من الكتابة النسوية المتماهية في جنس أدبي راسخ وعابر عليه هو الرواية ـ أهمية كبيرة والسبب انفتاحيتها الكتابية التي تجعلها متاحة أمام جميع الأفراد المتعلمين ممن لهم تجارب غنية وخبرات أصيلة ومهمة، هذا فضلاً عن سعتها التي تجعلها أغنى من أن تكون يوميات تكتب موقتة باليوم والشهر والسنة، وأوسع من أن تكون تقارير أو مشاهدات أو اعترافات أو خواطر أو رسائل.
والسيرة على نوعين شخصية ذاتية وغيرية ترجمية، فأما السيرة الغيرية فيقوم بها كاتب هو ليس الشخصية نفسها، ولذلك لا تعد من الأدب الشخصي بينما تعد السيرة الذاتية /الاتوبوغرافية من هذا الأدب وهي تنشأ من تعالق السرد بالتاريخ في شكل مدونات وتسجيلات وحوليات زمنية توثق حياة شخصية عامة تركت أثرًا عبر مسيرتها الحياتية فصارت الترجمة لها فعلا وطنيا وقوميا، يترجم مأساة شعب أو نضال أمة جسدته في كنفها تلك الشخصية التاريخية. ولا تمثل السيرة صاحبها الذي كتبها أو الذي كُتبت له أو كُتبت عنه حسب؛ بل هي قد تمثِّل أيضا جيلاً وتجسّد عصراً، كان صاحب السيرة جزءاً ملتحما به، سابراً أرثه الذي تغلغل في وعيه ولا وعيه.
ومن السيرة الذاتية كتابة المذكرات التي أخذت تتسع في الأونة الاخيرة على يد شخصيات عامة وطنية وسياسية وفنية تملك تاريخاً سياسياً أو نضالياً أو إبداعياً فيه من المحطات والتفصيلات والعموميات ما يهم جمهوراً واسعاً في حقبة من الحقب أو كل الحقب. وعادة ما تُدلي الشخصية في سيرتها بأمور عامة وليست شخصية تتعلق بوقائع تاريخية خمد ما فيها من أوار، وانطوى ما فيها من إعصار، كسقوط نظام أو اندلاع ثورة أو المطاردة على خلفية فشل انقلاب أو ثورة .. وغير ذلك من وقائع تتماس مع حياة الشعوب المصيرية، ليقوم واحد من المشاركين فيها من القادة بمكاشفة الجمهور بالحقيقة غير متقيد برقيب. وستكون سيرته جزءاً من الذاكرة الجماعية. وسنسمي هذا الشكل بـ( السيرة السياسية) التي هي مختلفة عن كتابة المذكرات، كونها ترتكز على التاريخ العام الذي لا يحتاج إلى التزام بالتوثيق لأحداث معروف تاريخها عند الجميع، لكن الكاتب يفصح في سيرته عن خفايا غائبة وملابسات متوارية أو مجهولة مما لم يذكره التاريخ الرسمي، بينما تقتضي كتابة المذكرات التأرِخةَ لكل حدث باليوم والشهر والسنة، وتكون الأحداث في أغلبها خاصة بحياة الكاتب، متسمة بالاعتراف والصراحة مع اعلاء خصوصيات الذات واستبطاناتها النفسية، كما في مذكرات بابلو نيرودا واندريه مالرو. ولا تخلو المذكرات من شهادات حية على العصر في تصوير أحداثه وأمكنته.
وتتقنع( السيرة السياسية) بقناع السيرة الذاتية غير متطلبة من كاتبها أن يكون أديباً وإنما هي القدرة على استدعاء الذاكرة ومقاومة النسيان، ليكون بمثابة شاهد عيان بكشف عن الحقائق ويتسم بالاستقلال، ومن الأمثلة على السيرة السياسية في العراق ما كتبه السياسيون: كامل الجادرجي في( مذكرات كامل الجادرجي) وبهاء الدين نوري في( الأيام العصيبة) وهاني الفكيكي في( أوكار الهزيمة) وعبد الستار الراوي في ( أوراق عتيقة ) وغيرهم.
ولا مناص من القول إن السيرة الذاتية بالعموم هي فن إعلاء الموقف فردياً أو جماعياً إفادة للتاريخية مستعينة بالفنية لبلوغ الحقيقة الموضوعية لتكون مزيجاً من العلم والفن والتاريخ، وهذه التشكيلة الفريدة يصفها اندريه موروا بانه إذا كان لدينا في الرواية كائنان خيالي وبشري فهناك في السيرة كائن ثالث هو الكائن السيري الذي يتميز بانغماسه الشديد في الحركة والفعل.
وبرأينا الشخصي نجد أن التنويع الجندري في السيرة الذاتية ضروري، والسبب أن الرجل وإنْ كان قادراً على أن يكتب سيرة ذاتية نسوية سارداً الأحداث بلسان المؤنث؛ بيد أنّه لن يبلغ ما ستبلغه المرأة الكاتبة من ناحية تشفير معطيات الفكر كتاريخ فيه تتوكد قيمة المؤنث ومواضعات الجسد كمركز فيه تكمن سحريته، وضوحاً وايجابية أكثر منه غموضاً وغريزية, وإلى غير ذلك من المواضعات والمعطيات التي تستطيع الشفرة التأويلية توصيلها إلى عموم القراء. وما كتابة المرأة لتاريخها الشخصي سوى مساهمة في كتابة التاريخ العام بوعي أنثوي يعزز المقياس الذي به يقاس تطور المجتمع بمقدار تطور المرأة فيه.
وبناءً على مواضعات الكتابة النسوية، تغدو السيرة الذاتية معنية بالكيان النسوي وفاعليته الكتابية وبغض النظر عن درجة التوحد في داخل هذا الكيان أو مقدار التماهي الذي يحصل بين بوح الذات صوتا كاتبا وبوحها صوتا مكتوبا، كتمثيل سردي به نستدل على التاريخ النسوي.
والسيرة الذاتية النسوية ( feminist autobiography ) مصدر مهم من مصادر التوثيق والارشفة التاريخية لا بوصفها أدباً شخصياً حسب بل لاشتمالها على تأكيد ضمني باستقلالية المرأة وعدم تابعتها وإنها قادرة على المساهمة في كتابة التاريخ العام وما فيه من مسائل تتعلق بالعصر والحياة والأشخاص وكل ما له صلة بالفرد والمجموع.
وإذا علمنا أهمية السيرة الذاتية أدركنا جدوى أن تفكر المرأة بكتابة سيرة حياتها بنفسها موثقة تاريخها الفردي الذي سيكون مع غيره من التواريخ الفردية الاخرى تاريخا نسويا جماعيا هو جزء من التاريخ الرسمي العام.
وعربياً تعود بدايات كتابة السيرة الذاتية النسوية إلى عائشة عصمت التيمورية( 1840ـ 1902) التي تعد أول امرأة عربية في العصر الحديث كتبت سيرتها بنفسها متناولة طفولتها وتعليمها المنزلي وعشقها للكتب والتعلم الذي فتحه أمامها ابوها. ومن بعدها كتبت اميلي روت أو الأميرة سالمة( 1844ـ 1924) سيرتها تحت عنوان( مذكرات أميرة عربية) وهي أميرة عمانية صورت حياتها في قصر السلطان في زنجبار، وكتبت صبيحة الشيخ داود( 1912ـ1975) المثقفة والحقوقية والرائدة النسوية وأول طالبة جامعية عراقية سيرتها ( أول الطريق) 1958 وفيه سردت تجربتها النسوية ليكون كتابها من أوائل الكتب في النسوية العربية ونشرت هدى شعراوي ( 1879ـ 1947) سيرتها في الأربعينيات من القرن الماضي تحت عنوان( مذكرات هدى شعراوي) وهي ناشطة نسوية وزعيمة سياسية ناضلت من أجل حقوق المرأة.
ومن بعدهن ظهرت سير ذاتية نسوية، منها سيرة الشاعرة الفلسطينية فدوى طوقان التي كتبتها بضمير الأنا معبرة عن واقع المرأة العادية معلنة بصراحة أنها أخفت أشياء عزيزة ونفيسة لم ترد أن تكشف عنها (كان الواقع المعاش في ذلك القمقم الحريمي مذلاً مهيناً حيث تعيش الإناث وجودها الهزيل القاتم كنت التفت حولي فلا ارى الا ضحايا بلا شخصية بلا كيان مستقل يقبعن في بيت يتعجل فيه الرجل شيخوخة إخوانه وبنات عمه متخذاً من القهر وسيلة لذلك التعجيل) وقد قدّم لسيرتها الشاعر سميح القاسم متسائلاً لماذا السيرة الذاتية هي وحدها القادرة على أداء هذه المهمة ؟ وكانت إجابته واعية لمسألة التاريخ وعلاقته بالسيرة إذ قال:" أن السيرة هي الفن الذي يضع أمام القارئ التاريخَ ونوازع الروح مسبوكة برشاقة وشفافية وبوح أليف"
وكتبت نوال السعداوي سيرتها في أجزاء تحت عنوان (أوراق حياتي) وهي تسرد بضمير الأنا مستلهمة فيها قدرتها السردية متخيلة شخصية عصية على الفهم تكتب معها. وهو ما يتكرر في كتاباتها ويتصدر أعمالها كافة، واللافت للنظر أنها تقدم في سيرتها تاريخاً من وقائع وأحداث شهدتها مصر أبان المرحلة التي عاصرتها مسجلة اعترافاتها لا سيما تلك التي رافقت الذعر الذي أصابها من جراء الآخر المتأسلم فضلاً عن مكاشفات جريئة وانتقادات واقعية ومعارضة مع ذكر لأمكنة بعينها واسماء نسوة رافقنها في مسيرتها الحياتية ، وإذا كانت هذه السيرة قد اشتملت على زيجات السعداوي الثلاثة وأولادها ثم اغترابها وعودتها الى مصر فان سيرتها الذاتية الأخرى التي تسبقها زمنياً وهي مذكرات طبيبة قد سردت طفولتها ودراستها وعملها طبيبة.
وعادة ما يبرع الرجال في كتابة سيرهم الذاتية أكثر من النساء بسبب هذا التلاقي ما بين الأناوين أنا المؤلف وأنا السارد وما يتطلبه تلاقيهما من جرأة في المكاشفة والبوح بخصوصيات الشخصية وإعلان أسرارها للملأ عبر نقلها من منطقة الذات إلى منطقة المجموع ، ولو عددنا ما كتب من سير ذاتية لوجدنا أن ثلاثة أرباعها رجالية وربعاً أو أقل منها هو سير ذاتية نسوية بغض النظر عن اختلاف هذه السير في درجة البوح ومستوى الإعلان والمكاشفة والسبب ضغوطات المنظومة الثقافية ومكبلاتها الأخلاقية ومواضعاتها الأدبية الصارمة.
وبالرغم من ذلك نجد لدينا كتابات انتجتها أقلام نساء أديبات انتهجن مع أنفسهن منهج البحث الشفوي طارحات على أنفسهن اسئلة توقظ الذاكرة الأنثوية وتجعلها حية متفاعلة لتدلي لهن بمكنوزاتها وتظهر مخبوءاتها التي ستدونها الكاتبة في شكل أدبي سردي يوسم بانه نسوي.
وقد تتحرز من أمر معين فلا تذكره وقد تغاير ما تظهره لها ذاكرتها بآخر يغطيه ويتستر عليه لكنها في العموم ستدلي لنا بتاريخها الشخصي لنقرأه لا على أساس أنها كتابة ذاتية وإنما كتابة سردية فيها الأنا الساردة هي أنا المؤلفة. وقد لا تكون كذلك على أساس أن الذات حينما تكتب سرداً تنشطر الى كيان آخر يخالف كيانها الأصلي فيكون بمثابة ذات ثانية للمؤلف كما يسميها واين بوث.
ولا غرو أن التعامل مع السيرة الذاتية النسوية بوصفها عملاً فنياً سيحتاج من الكاتبة اتقانا كي تحبك بوحها بطريقة مشوقة تحذر فيها من الوقوع في التعظيم المغالي أو التدمير المفرط وذلك بالموازنة بين الخصوصيات الموضوعية التي هي توثيقية والمتطلبات الفنية التي هي تخييلية.
وهنا نتساءل الى أي درجة يمكن للكتابة السيرية أن تكون توثيقاً صادقاً للواقع النسوي لكي يحق لنا أن ننظر إليها بوصفها كتابة تاريخية ؟
إن مسألة المطابقة ما بين الحقيقة الواقعية والحقيقة الذاتية ستنتفي مع الكتابة السيرية الذاتية بسبب ما يصيب التحديد الزمني فيها من التباس وامتداد في اتجاهات متعددة تتوزع بين الماضي والمستقبل اللذين يمران من خلال الحاضر الذي هو رهن بالذاكرة كفعالية تعتمل فيها الصور لكن أمر النسيان لها يظل ممكناً والالتباس محتملاً والوهم متوقعاً.
وكم من المسائل التي كانت المرأة ضحيتها كان بالإمكان توثيقها وفضح ممارسيها وهو أمر يتوقف تحقيقه على المرأة المتعلمة عموماً والأديبة تحديداً لا لأن كتابة السيرة الذاتية تتطلب موهبة وتمرساً كبيراً وانما لأنهن الأكثر وعياً للمسائل التي يمكن لتقييدها أثر في أن تكون وثيقة مستقبلية ستفيد في تدوين تاريخ شفوي نسوي تريد له الذكورية أن يكون تحت مراقبتها كي تقلل من شأنه ولا تذكر منه إلا فما فيه مصلحتها.
ومما يتصل بموضوعة السيرة الذاتية ما ذكره بول ريكور حول مسألة الأخلاق والسقوط فيما سماه اللاعصمة العلمية التي تتنافى مع الفينومينولوجيا والهيرمينوطيقيا مما يوصل إلى الهشاشة الفكرية التي قسمها إلى هشاشة المخيلة وهشاشة الاحترام وهشاشة العاطفي، معرجاً على أخلاقيات الغيرية: أخلاقية الجسد وأخلاقية الآخر وأخلاقية الضمير.
وقد تساءل هذا المفكر وهو بصدد اعترافات اوغسطين: إذا كان المستقبل والماضي يوجدان فانا أريد أن أعرف أين هما ؟ فكانت الإجابة : توجد بعض الأزمنة المختلفة في العقل لا في أي مكان آخر أو بألفاظ مكانية في النفس وفي الذاكرة، وانضواء الزمن في النفس لا يكتسب معناه الكامل ما لم تتم إضاءة كل القضايا التي يمكن أن تضع الزمن في دائرة الحركة الفيزياوية .
وتتعزز سردية التاريخ النسوي الذي مصدره السيرة الذاتية تماما كسردية التاريخ بالمفهوم ما بعد التفكيكي سواء في العناية بتفاصيل يومية معتادة يمكن أن تشترك فيها الغالبية العظمى من النساء ضمن مجتمع وزمان معينين اولا او في تسليط الضوء على الشخصية النسوية التي كان التاريخ بمفهومه التقليدي يعدها هامشية وليست ذات أهمية ثانياً أو في الإشهار لانساق كانت مضمرة وموضوعات كانت مبطنة وثانوية ثالثاً.
وهذا ما يتم عبر استثمار المتخيل التاريخي الذي به ستستنطق مطمورات التاريخ الرسمي كاشفة لنا عن وجه آخر لهذا التاريخ وهو وجهه الذكوري الطامس لكل ما هو نسوي باستثناء ذلك الذي يخدم جبروته ويعزز صورته السلطوية ومكانته الابوية.
وبسبب هذا المتخيل التاريخي سنجد تاريخاً آخر هو التاريخ النسوي يقف جنباً إلى جنب التاريخ الرسمي مع اختلاف طبيعة كل واحد منها فالأول هدفه البحث عن الحقيقة التي ستتجسد في شكل أدبي سردي هو السيرة الذاتية والثاني هدفه نقل الوقائع كأخبار مروية يكتبها مؤرخ خضع لحاضنة ثقافية لها سلطتها ومنظومتها الأيديولوجية وما عليه سوى الامتثال لها ومراعاة اشتراطاتها.
ويقيناً توفر لنا السير النسوية الذاتية كماً لا يستهان به من تاريخ نسوي أداته وقائع شخصية معيشة وغايته إبداعية وهو نمط من أنماط الكتابة التاريخية.
وعلى الرغم من أن كتابة السيرة تفتح الأبواب على مصاريعها؛ إلا إن هذا الباب ما زال غير مطروق بقوة في عالمنا العربي بسبب ما تتطلبه كتابة السيرة من جرأة وإقدام. ولو أجرينا إحصاء افتراضياً لسير ذاتية نسوية عربية بطلاتها هن الكاتبات انفسهن، لوجدنا أن جبل الجليد العائم سيكون محصلتنا لأن المخفي أكثر من المعلن ولعل الأمر لا يختلف كثيراً عن السير الذاتية النسوية في الغرب على الرغم من تغاير المنظومات الثقافية البطريرياكية.
ويرافق الفعل التوثيقي فعل تخييلي يتمثل في الأحلام والتهويمات مستخدمة اللغة المحكية واللهجة المصرية متلاعبة بالزمن تقديماً وتأخيراً استباقاً واسترجاعاً.
ولا بد من الإشارة إلى أن ليس كل ما يكتب في السيرة الذاتية هو حاصل بالفعل وطبق الأصل بحيث يتزامن فعل التخييل مع فعل التوثيق، وإنما جمالية التسريد السيري تكمن في قانون الاحتمال الأرسطي، بمعنى أن ما يذكر في السيرة قد يكون حدث فعلاً أو من الممكن أنه حدث أو أنه قائم الحدوث وهذا ما يعطي للسيرة ادبيتها التي تتعالى على علميتها وبما يجعلها مستمرة بديمومة ابداعية تتجاوز حدود زمانها ومكانها وقد امتزجت فيها الحقيقة الموضوعية بالحقيقة الذاتية، من قبيل الاعتراف الذي تدلي به الذات كاشفة عن أسرارها، وهذا هو الذي يجعل التاريخ النسوي مبنياً بناء فنياً ووقائعياً معاً.
ومن الصعب افتراض أن كاتب السيرة الحديثة كائن محايد بصورة كاملة، لكن في الوقت نفسه يغدو البحث عن الحقيقة والشجاعة في قولها هو ما تبحث عنه السيرة الحديثة، وفي كل الأحوال تظل السيرة الذاتية موئلاً للتاريخ النسوي ومصدراً من مصادر كتابته، ومنذ أن بزغت كتابة السيرة الذاتية في مطلع القرن التاسع عشر ومورست في القرن العشرين، أصبح من الممكن في قرننا هذا كتابة التاريخ النسوي وإخراجه من قمقم المداراة والإخفاء الى باحة الإشهار والإظهار، وهذا ما ينبغي أن يقوم به النقد النسوي، موجها آلياته صوب كتابة التاريخ النسوي موطّناً هوية المرأة ثقافياً، وواحدة من آليات التوطين إعادة قراءة السرديات السيرية النسوية.
وخلاصة الأمر إن النساء بكتابتهن لسيرهن يؤكدن مركزيتهن وأنهن لسن جنساً ضعيفاً تتحكم فيه العواطف غير قادر على الحكم بسبب نقصان العقل؛ بل هن كيان مستقل سواء في علاقتهن ببعضهن أو في علاقتهن مع أنفسهن أو في مواقفهن تجاه الحياة بعيداً عن تمريرات الذكورية وتوجيهاتها التي بها تريد حصر النسوية في خانة مجتمعية ليس لها حاضر تستشرف به مستقبلها ولا تاريخ تدلل به على ماضيها.