القاهرة - سمر مدحت - " وكالة أخبار المرأة "

على مدار يومين، عاشت عائلة "إيثار علي" 23 عامًا، من مدينة البصرة بالعراق، حالة من الترقب الشديد، فكلما سمعت رنين الهاتف الشخصي وهمّت بالرد عليه التقطه والدها منها ليجيب عليه رغمًا عنها، حتى جاءت المكالمة المنتظرة والتي علم من خلالها الوالد أن تحاليل ابنته الخاصة بفيروس كورونا إيجابية.
قبيل تلك المكالمة، وتحديدًا في 25 مارس العام 2020، شعرت إيثار بآلام في الحلق تبعه ارتفاع شديد في درجة الحرارة وسعال جاف، فذهبت برفقة والدها إلى المركز الصحي بالمدينة لتجري تحليل فيروس كورونا، وهناك اشتبه فيها الأطباء بأنها مصابة بالفيروس فأجروا لها مسحة خرجت نتيجتها عقب يومين.
بمجرد أن أبلغ المركز الصحي والد "إيثار" بالنتيجة الإيجابية للتحاليل عبر الهاتف، وضرورة نقلها إلى مستشفى الحجر الصحي لتلقي العلاج، غضب الأب وأغلق هاتفها الشخصي، ووضع ابنته في غرفتها، رافضًا ذهابها للحجر الصحي بمفردها أو مبيتها خارج المنزل فالنساء في بعض العوائل العراقية لا تُحجر.
ما عاشته إيثار عانت منه نجوان وناهد وآخريات من النساء العربيات في العراق والسعودية ومصر، اللاتي تشاركن الوجع في تطبيق ذويهن عليهن مبدأ النساء لا تُحجر، ومنعهن من الذهاب للحجر الصحي، بعد ثبوت إصابتهن بفيروس كورونا، بدعوى العادات والتقاليد التي تمنع مبيت النساء في الخارج وحدهن.
وبالرغم من أن دساتير الدول العربية الثلاثة تكفل حق العلاج للمواطنين دون فرقة بين رجل وامرأة، إلا أن بعض العائلات تحيل دون تطبيق ذلك الحق الإنساني، في وقت علّت فيه سلطة العادات والتقاليد عن السلطات الأمنية ببعض المجتمعات العربية.
إيثار - في العراق تموت الفتاة ولا تحجر بمفردها
تقول إيثار: "حين جاء الأطباء ومعهم سيارة الإسعاف لاصطحابي إلى مستشفى العزل رفض أبيّ شدة، وأخبرهم أنه ليس لديه فتيات يعانين من فيروس كورونا، وتشابك معهم بالأيدي وعاونه شقيقي الأكبر وأمي، رافضًا أن يتم حجري وقرر دون الرجوع ليّ إنني سأتلقى علاجي في المنزل".
في شهر مارس، لم تكن منظمة الصحة العالمية أوصت بالعزل المنزلي لحالات الإصابة بالفيروس، بل أنها حذرت من أن العزل وحده ليس كافيًا لهزيمة كورونا، ولا يمكن اللجوء له إلا بعد أن تتجاوز حالات الإصابة حاجز الألف حالة، وسجلت العراق في 26 مارس قرابة 375 حالة فقط، بحسب وزارة الصحة العراقية.
خمسة أيام تجرعت فيهم إيثار ألم الجائحة داخل غرفتها دون أن تستطيع البوح بحقها في العلاج، فكان والدها يتابع مع الأطباء جرعات الدواء المقررة وتأخذها في المنزل: "شعرت أن الموت يترك باب غرفتي يوميًا في الأيام الأولى من ذروة المرض، فهناك وباء عالمي وحالات الوفاة تزداد كل يوم، وأنا لازالت أتلقى علاجي في منزلي، وأراد الله ليّ الشفاء بعد 14 يومًا لم أخرج فيهم من غرفتي".
تحكم العوائل العراقية عادات وتقاليد مشددة، وفقًا لـ"إيثار" والتي يكون لها الكلمة العليا في أي شيء: "عندنا من العيب أن تكون الفتاة خارج المنزل وحدها بدون محرم، ولا تُحجر بدون أن يرافقها أحد، ولا يجوز في مستشفيات العزل وجود مرافق للمريض خوفًا من العدوى، وتطبق العادات حتى لو على حساب حياة الفتاة وصحتها".
ا تتجرأ الفتاة في العراق على الاستغاثة بالشرطة من أجل إيداعها مستشفى الحجر الصحي لتلقي العلاج، تقول إيثار: "سيف العادة أقوى من القانون والشرطة، فإذا لجأت إلى قوات الأمن سيقومون بتسليمي إلى أهلي لأنني خرجت دون علمهم وهذا منافي للتقليد عندنا، ولا يوجد قانون يجبر الأهل على تسليم ابنتهم للحجر الصحي".
دشنت إيثار برفقة مجموعة من الفتيات العراقيات بمناطق مختلفة؛ ممن حرمن من حق العلاج، هاشتاج يطالب بسن قوانين جديدة لحماية النساء في ظل الجائحة لكن لم ينتبه لهم أحد: "صوت الفتاة غير مسموع هنا، عندنا التقليد فوق القانون حتى أوقات الأوبئة العالمية، فالعوائل تفضل موت الفتاه على أن تقبع بالحجر الصحي بمفردها".
المفوضية العراقية - رصدنا 10 حالات مشابه في العراق
10 حالات مشابه لما حدث مع "إيثار" وقعت في كربلاء والبصرة وبغداد، خلال أربعة أشهر عُمر الجائحة في العراق، أعلّت فيهم العائلات العراقية سلطة التقاليد عن حق الإنسان في العلاج بغض النظر عن جنسه، بحسب علي البياتي، عضو المفوضية العليا لحقوق الإنسان العراقية.
 يقول البياتي : "رصدنا أكثر من حادث لعائلات في العراق ترفض الحجر الصحي للنساء، لرفضهم من الأساس مبيت الفتيات بمفردهن خارج المنزل تحت أي ظرف حتى وأن كان الثمن صحتها، فإذا كان انتشار فيروس كورونا جائحة، فإن حرمان النساء من العلاج أشد من الجائحة ذاتها".
يرجع عضو المفوضية، السبب في ذلك إلى الوصم الاجتماعي الملاحق لفيروس كورونا، والذي يختلف في حدته من دولة إلى آخرى بحسب طبيعة الحياة المدنية بها، مبينًا أن الحالات التي تم رصدها كانت في أطراف المدن شديدة العشائرية والقبلية، وغير مقبول لديهم ترك المرأة في الحجر الصحي بمفردها.
لا يوجد بالعراق مستشفيات حجر صحي للنساء فقط وهو ما جعل الواقع مؤلم أكثر عليهن، بحسب البياتي: "المستشفيات تكون عبارة عن ردهة طويلة بها غرف مقسمة ما بين الرجال والنساء، ولكل غرفة باب مغلق ومحكم، لكن عدم وجود مستشفى منفصل كان السبب الأول لرفض الأهالي حجر النساء".
يرى البياتي أن العلاج حق مكفول في المواطنة، لكن في هذه الظروف لا بد من مراعاة الجانب الثقافي والاجتماعي للعوائل بالعراق، حتى لا تكن الضحايا هم الفتيات اللاتي يدفعن ثمن ذلك من أعمارهن، مبينًا أنه لا بد من وجود آلية لفصل النساء عن الرجال، حتى ترضخ الأهالي لفكرة حجرهن وقت المرض.
 يوضح: "تلك الأمور تترك آثار سلبية في المجتمع العراقي، وتسبب مشاكل ما بين العوائل في المنطقة والجهات الصحية والأمنية، وتحتاج إلى توعية من رجال الدين وتغيير سلوك لتلك المعتقدات غير الإنسانية، لكن الأمر سيأخذ وقت طويل وهناك فتيات يدفعن الثمن الآن".
في 20 من مايو الماضي، بُث فيديو آثار الجدل بالأوساط العراقية، تظهر فيه قوات الشرطة تقوم باعتقال بعدما هدد رجال الشرطة والإسعاف بفتح النار عليهم في حال إصرارهم على نقل ابنته المصابة بفيروس كورونا إلى الحجر الصحي، وفي التعليقات على الفيديو أيد عدد من الرجال المواطنون بالعراق ذلك التصرف بأنه من العيب أن تحجر النساء، بينما هاجمت الفتيات العراقيات في تعليقاتهم ذلك المبدأ.
 تتشارك السعودية والعراق مع مصر، في انخفاض نسبة إصابات النساء بفيروس كورونا عن الرجال وفق منظمة الصحة العالمية، ففي مصر بلغت نسبة إصابة الذكور 61% مقابل 39% للنساء، وفي العراق بلغت نسبة الذكور 60% بينما الإناث 40%، وفي السعودية كان الذكور 73% والنساء 27%، وتفوق الذكور في النسبة العالمية أيضًا فكانت نسبتهم 70% مقابل 30% للنساء من إجمالي الإصابات.
بنفس النص تقريبًا يكفل النظام الأساسي للحكم في السعودية الحق في العلاج، خلال مادته رقم 31 التي تنص على: "توفر الدولة الرعاية الصحية للجميع، ولكل مواطن حق طبيعي ومكتسب في تلقي العلاج والرعاية الصحية بالمستشفيات".
نجوان - أبي اعتدى على الأطباء وأخرجني من الحجر عنوة
ذلك الحق الذي نص عليه النظام الأساسي في السعودية، حُرمت منه نجوان.ع، 24 عامًا، من مدينة الرياض، والتي اُنتقل لها فيروس كورونا في مارس العام 2020، من شقيقها الأكبر والذي قضى 17 يومًا في مستشفى الحجر الصحي لتلقي العلاج، بينما قضت الفتاة أول ثلاثة أيام من فترة علاجها داخل غرفتها.
تقول: "عقب إصابة شقيقي بكورونا، أجرينا مسحة لكل المخالطين، الجميع كانت نتيجتهم سلبية عدا أنا، وجاءت سيارة الإسعاف وأخذتني إلى مستشفى الحجر الصحي بالمدينة، وقضيت ساعات قليلة بها حتى آتى أبي وعمي واعتدوا على أطباء الحجر وأخرجوني من هناك إلى المنزل داخل غرفتي".

الدستور