محمد محسن وتد - رام الله - " وكالة أخبار المرأة "

توجت جمعية "كيان- تنظيم نسوي"، في هذه الأيام، الحملة التي أطلقتها ضمن تحالف يضم 21 جمعية ومؤسسة نسوية وحقوقية فلسطينية في فلسطين التاريخية، لمناهضة العنف ضد المرأة والتثقيف للحقوق والتشريعات للحد من الظاهرة التي اتسعت في ظل جائحة كورونا وحالة الطوارئ المعلنة التي عمقت من تهميش خدمات الدعم والإرشاد والمرافقة والحماية للنساء اللواتي يتواجدن في دائرة العنف.
وأسست الحملة التي أتت تحت عنوان "فضا- فلسطينيات ضد العنف" لمرحلة جديدة في التنسيق والتشبيك والتعاون بين جمعيات فلسطينية، وذلك في مبادرة تعتبر الأولى من نوعها لتحالف نسوي فلسطيني نجح بكسر الحصار وتخطي الحدود انطلاقا من الداخل الفلسطيني مرورا بالضفة الغربية والقدس المحتلتين وقطاع غزة المحاصر، وذلك ضمن خطوط الدعم والمساعدة لضحايا العنف.
ورفعت الحملة صرخة "إحنا صوتك" في ظل الصمت الذي رافق الارتفاع في معدلات العنف والجريمة في المجتمع عامة وزيادة حالات العنف ضد النساء على وجه الخصوص بسبب الحجر المنزلي في ظل أزمة كورونا، وذلك في مشهد يعكس أيضا وجها آخر لحالة العنف المجتمعي الذي يعيشه الشعب الفلسطيني والناجمة عن ممارسات الاحتلال الإسرائيلي وواقع العنصرية والتمييز الممنهج والانتهاكات لحقوق الإنسان.
وحفزت الحملة تحالف الجمعيات النسوية لاستمرار التعاون ضمن مشاريع مستقبلية عبر التشبيك أيضا مع جمعيات نسوية فلسطينية في الشتات، وتذويت ثقافي وتربوي لتعزيز مكانة ودور المرأة الفلسطينية، وإطلاق مبادرات للشراكة والتعاون مع مختلف جمعيات العمل المدني للبناء والتحصين المجتمعي، وتثقيف النشء ومواجهة التحديات التي تشكل خطرا على سيرورة حرية وحياة الشعب الفلسطيني، وما يعانيه من أزمات في ظل الاحتلال الإسرائيلي.
الفكرة والأهداف
واستعرضت مديرة جمعية "كيان- تنظيم نسوي"، رفاه عنبتاوي، المبادرة للائتلاف النسوي، فكرة وأهداف المشروع لمناهضة العنف ضد المرأة الفلسطينية، قائلة إن "الهدف تدعيم وتعزيز مكانة العمل النسوي في كافة مناطق فلسطين التاريخية، ضمن مشروع وحدوي الذي يعتبر الأول من نوعه العابر للحدود والجغرافيا والسياسية، وتكريس الجهود لمحاربة العنف ضد النساء".
وأوضحت عنبتاوي أن "ظاهرة العنف التي تعصف بالشعب الفلسطيني بحاجة لعمل جامع وشمولي، إذ أن قضية محاربة العنف فوق قدرات الجمعيات والمؤسسات النسوية، ويجب تسخير كافة المقدرات والجهود والمقومات المجتمعية لذلك، وعليه أتى هذا الائتلاف ليحمل رسالة مبدئية مفادها أن الشعب الفلسطيني موحد وقضاياه واحدة، سواء على المستوى السياسي أو المجتمعي، كما أن هموم المرأة الفلسطينية واحدة ومشتركة".
وأضافت مديرة جمعية كيان أن "الشعب الفلسطيني بكل مركباته مطالب بالحراك المجتمعي للنهوض بمكانة المرأة وتحسين وضع النساء"، موضحة أنه "على المستوى النسوي تبرز العوامل المشتركة بكل ما يتعلق بالعنف ضد المرأة، وبالتوازي مع ذلك تتواجد سياسة عنصرية ممنهجة وممارسات للاحتلال التي تعمق من معاناة المرأة الفلسطينية وتمعن في انتهاك الحقوق".
مسؤوليات وفروقات
واعتبرت عنبتاوي أنه لا يمكن التعامل مع العنف المجتمعي بشكل منعزل عن العنف الاحتلالي الاستعماري، قائلة إنه "نؤمن أنه بدون تحرر المرأة لا يمكن تحرير شعبنا من الاحتلال، كما لا يمكن تأسيس مجتمع متين وقوي إذا كانت النساء ضعيفات ومستضعفات".
وبينت أن" أزمة جائحة كورونا كشفت عن الزيادة في معدلات العنف ضد المرأة التي تنوعت وتعددت بأشكال مختلفة، منها نفسية وجسدية وكلامية، وعليه أتى الائتلاف ليكون نقطة انطلاقة مفصلية لتوحيد العمل النسوي على مستويات مختلفة مع التأكيد بأن حملة ‘فضا- فلسطينيات’ تسلط الضوء على أن الشعب الفلسطيني بكافة مركباته وجمعياته يتحمل المسؤولية لمكافحة العنف ضد المرأة".
وأشارت إلى أن "الحملة التي وصلت إلى الملايين من أبناء الشعب الفلسطيني نجحت أن تعكس الصورة الصعبة عن المجتمع بكل ما يتعلق بالنظرة الدونية للمرأة والذكورية السائدة والفروقات بين الرجل والمرأة، إذ حملت المسؤولية للمجتمع ليأخذ دوره من أجل تحسين مكانة المرأة، وأسست لمرحلة لوضع القضايا المجتمعية النسوية على الأجندة الفلسطينية بغض النظر عن اختلافات الجغرافيا والفروقات السياسية".
مناهضة وتثقيف
وفي تخطي لحدود الجغرافيا والفروقات السياسية، كسرت حملة "فضا- فلسطينيات" الحصار المفروض على قطاع غزة، إذ شاركت العديد من الجمعيات النسوية في القطاع في المشروع لتدعيم مكانة المرأة الفلسطينية ومكافحة العنف ضد المرأة والتثقيف للحقوق والدفاع نحو التشريعات الأسرية والنسوية، بحسب ما أفادت منسقة تحالف أمل لمناهضة العنف ضد المرأة، آلاء حامد عبد الوهاب.
وقالت عبد الوهاب إن "المرأة الفلسطينية في قطاع غزة تعيش أزمات وحالات طوارئ مستمرة منذ 13 عاما بسبب الحصار وما رافقه من حملات عسكرية للاحتلال، إذ أن المؤسسات والجمعيات النسوية معزولة عن العالم، وهذا فاقم الوضع الاقتصادي والاجتماعي والأسري، وحال دون تطوير القدرات المناصرة للمرأة والعائلة".
وأوضحت أن مبادرة ائتلاف الجمعيات الفلسطينية النسوية ساهمت بتوحيد الجهود لطرح قضايا المرأة الفلسطينية ضمن إستراتيجية موحدة، وكانت بادرة لتسليط الضوء على واقع المرأة والأسرة في قطاع غزة، علما أن العائلة في غزة التي تعاني من تداعيات حصار الاحتلال خلقت حالة بأن عشرات آلاف من النساء متضررات في ظل غياب التشريعات وانعدام الدعم للجمعيات النسوية المعزولة عن العالم.
وأكدت منسقة تحالف أمل لمناهضة العنف ضد المرأة أن "قضايا المرأة والعنف المجتمعي في قطاع غزة، لم تتحسن منذ العام 2011 بسبب الحملات العسكرية والانقسام وغياب التخطيط والسياسات والقرارات الداعم للمرأة والمحصنة لحقوق العائلة، وعليه أتت حملة فضا- فلسطينيات لرفع الصوت عاليا ضد العنف، ولتكون رافعة للمؤسسات النسوية ضمن مشاريع تثقيفية وتربوية وتوعوية، من خلال التنسيق بين الجمعيات وتبادل الخبرات بين المؤسسات ليصل الصوت وتبعث الرسائل بشكل وطني ووحدوي".
أساليب وإستراتيجيات
وقريبا من جغرافيا قطاع غزة، بدت قضايا المرأة وتحديات المجتمع متشابكة ومتشابهة مع الواقع في النقب، وأتت أزمة كورونا لتثبت هذا التشابه بالواقع والأزمات التي تعيشها المرأة الفلسطينية، كما أنها كشفت عن الارتفاع في معدلات العنف بمختلف أشكاله، إذ سجلت حوادث العنف ضد المرأة الفلسطينية ارتفاعا بنسبة 40% في ظل حالة الطوارئ التي فرضت خلال أزمة كورونا، مثلما ذكرت مديرة جمعية "معا" في النقب، عليا دريجات.
وعن دوافع إطلاق الحملة وأهمية نشاط مثل هذا الائتلاف للجمعيات الفلسطينية، قالت دريجات لـ"عرب 48" إن "الائتلاف يرفع عاليا صرخة النساء المعنفات ويحرك مشروعا لمناهضة العنف ضد المرأة، وسط ازدياد مظاهره في زمن جائحة كورونا والارتفاع المتواصل بالعنف، وترسيخ ثقافة مجتمعية بأن العنف أداة للتربية والردع".
وأوضحت مديرة جمعية معا أنه يتم التعامل بأساليب ونظرة خاطئة وبدون وعي بما فيه الكفاية لمناهضة العنف المجتمعي بشكل عام والعنف ضد المرأة، إذ أن هذا النهج المجتمعي في مناهضة العنف من شأنه أن يتسبب بتداعيات وترسبات تؤثر على مختلف قطاعات وشرائح المجتمع، وبالتالي يساهم بتفكيك المجتمع إذا لم يتم تدارك الأمور ومعالجة هذه المخاطر والتعنيف التي يضع المرأة في دائرة الاستهداف".
وللحد من العنف في المجتمع ولتعزيز مكانة المرأة الفلسطينية، أكدت دريجات أنه لا بد وضع خطة عمل وإستراتيجية موحدة وتشبيك وتعاون بين مختلف الجماعيات الفلسطينية مع الأخذ بعي الاعتبار خصوصية كل منطقة، مشددة على ضرورة اعتماد خطط تربوية وتعليمية في المدارس، مع تحمل جميع مؤسسات المجتمع المدني لتحديات وواقع العنف الذي تعيشه المرأة وعدم التنصل من هذه المسؤولية وكأن مناهضة آفة العنف تقتصر فقط على الجمعيات النسوية.
تحديات ومخاطر
وأعربت المديرة العامة لمركز الدراسات النسوية في القدس والضفة، ساما عويضة، وجود تحديات مشتركة تواجه المرأة الفلسطينية في كافة أمكان تواجدها بكل ما يتعلق بالعنف والتعامل معها ونظرة المجتمع إليها، مبينة أن جائحة كورونا أسقطت الستار الذي حجب حقيقة معدلات العنف الأسري، والذي تقع ضحيته النساء والأطفال.
وسردت عويضة معدلات وآليات وأساليب ودوافع العنف التي تكشفت خلال جائحة كورونا والقواسم المشتركة حيال العنف المجتمعي وأيضا الظروف المشتركة التي تخلف العنف ولها علاقة بالاحتلال وسياساته ضد الشعب الفلسطيني، ومنها الحجر المنزلي وفقدان الرجل لعمله ومصدر رزقه وقدرته الإنتاجية لتوفير مستلزمات البيت وشعوره بالإهانة، وما رافق الأسرة من تداعيات نفسية.
وأوضحت بأن الحجر المنزلي وحالة الإغلاق الذي عاشته العائلة وتراجع الوضع المالي والاقتصادي، دفع بعض الرجال ممن لم يتحملوا الأوضاع إلى صب جل غضبهم على النساء، باستعمال أشكال مختلفة من العنف سواء اللفظي والكلامي والنفسي والجسدي وصولا لتسجيل جرائم قتل، علما أنه وسط حالة الطوارئ المعلنة لم تجد المرأة والنساء المعنفات الدعم والإرشاد والرعاية وحتى قبول الشكاوى من الدوائر الرسمية وسلطات إنفاذ القانون.
وانتقدت عويضة انتشار الثقافة المجتمعية التي تتسامح مع العنف المسلط على النساء، وذلك بتبرير أنه أحد الأساليب وإطار لتأديب وحماية النساء ممن يسمونه المخاطر الأخلاقية، وغياب التشريعات والقوانين التي تجرّم العنف ضد النساء والداعمة للمرأة والعائلة والمناهضة للعنف الأسري مع التأكيد على ضرورة إلغاء النظرة المجتمعية لتقاسم الأدوار في العائلة، والنظر إلى المرأة أيضا كشريك ومعيل للعائلة إلى جانب الرجل، والتأكيد على الثقافة الرافضة للعنف، وأيضا التشديد بأن مناهضة العنف هي مسؤولية جماعية لكافة هيئات ومركبات الشعب الفلسطيني.