الكاتبة الصحفية: أسماء التمالح - المغرب - خاص بـ " وكالة أخبار المرأة "

لم يكن في حسبان أحد أنه سيأتي يوم يفرض فيه على الناس المكوث في البيت وعدم الخروج إلا لضرورة ملحة، لم يمر بخيال أحد أنه في زمن ما سيحجر عليه وتقيد حرياته ويمنع من ممارسة حياته العادية المألوفة، لينقلب كل شيء رأسا على عقب، ولينقشع الضباب وتتوضح الرؤيا في بعض الأمور، ولتغيب عادات مألوفة وتحل محلها سلوكات فرضها الوضع الجديد المصبوغ بطابع الوباء.
كورونا .. هذه الجائحة العالمية التي أعادت الاعتبار للبيت ومكانته، فألزمت الناس بالبقاء فيه مدةً أطول مقارنة بما كان عليه الأمر من قبل، فعلمت البشرية أن الأمان موجود بالبيوت، ومن أراد أن يسلم من الأخطار والأمراض وينأى بنفسه عن المشاكل التي هو في غنى عنها فليتخذ من بيته سكنا وفضاء آمنا يكفيه شرور ما بالخارج.
اعتاد الناس كثرة الاختلاط، اعتادوا العناق والمصافحة عند اللقاء، والتزاور والتقارب بالأجساد، فجاء فيروس كوفيد 19 لينهي كل شيء، فأمر بالابتعاد وأخذ مسافات بين المرء وأخيه عند اللقاء، وحض على عدم المصافحة والعناق، وانتصر للبعد على حساب القرب، فكان العمل عن بعد، والتواصل عن بعد، والسلام عن بعد، وتوديع الموتى عن بعد ... إلخ.
إنها حياة جديدة لم يعهدها الناس، استسلم لأحكامها البعض من زاوية الحفاظ على الصحة العامة والسعي نحو التعاون من أجل محاصرة الوباء والحد من انتشاره كما طالبت جل الدول في أنحاء المعمور، وتمرد البعض الآخر وواصل استهتاره فكان منهم من عمل على إذاية نفسه وإذاية الغير بقصد أو بغير قصد.
ليس سهلا أن تبيت على حال وتصبح على حال آخر مغاير تماما ودون إعلام مسبق، فظروف الحجر الصحي كان لها وقع خاص في النفوس، وانعكاس على واقع الناس الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والثقافي وغيره، فقد تعطلت أشغال، وتوقفت مصالح، وتأجل تنفيذ وعود، وكان لكل ذلك تأثير كبير على النفسية التي أحبطت واكتأبت وضجرت ولم تتحمل الوضع الجديد المفاجىء.
رغم كل السلبيات التي رافقت الحجر الصحي في زمن كورونا فإنه دون شك لم يكن سيئا في شموليته، بقدر ما كانت له جوانب مضيئة أنارت الدرب لمن أدركها واستوعب مفاهيمها والغاية منه، وذلك من خلال الرسائل المشفرة التي حملها هذا الوباء، ومن خلال الظروف العامة الوثيقة بالحجر الصحي الذي لم يكن صحيا في أمور، وكان صحيا جدا في أخرى.
كثير من الناس كان يشكو ضيق الوقت، وصخب الحياة، والركض المتسارع خلفها حتى أنهم فقدوا طعمها وصاروا مثل آلات متحركة دون أحاسيس، ومع قدوم كورونا صار لهم وقت، وأصبحوا ينصتون لنبضات العالم ودقات عقارب الساعة التي تتحرك حواليهم، صارت لهم فرصة للتأمل وإعادة بناء الذات وترتيب أولوياتها، فتحوا أعينهم على أشياء بسيطة ذات معنى كانوا يغفلونها، وتخلصوا من رواسب أشياء أخرى كانوا يظنون فيها المصلحة وكانت الضرر في أبشع أشكاله.
في الحجر الصحي زمن كورونا جالس أفراد الأسرة بعضهم بعضا أطول مدة، وتعرف الآباء على مستويات أبنائهم الدراسية، وكلف بالتبضع للأسرة من كان لا يفقه في الأمر شيئا ففقه، واطلع الكل على احتياجات الكل، وعرفوا قدر بعضهم والأدوار التي يؤديها كل فرد بعيدا عن الآخر.
في الحجر الصحي زمن كورونا أدرك الناس مدى حاجتهم للعلم والعلماء، للطب والأطباء، للأمن والأمان، للإعلام والخبر اليقين، لكل ذي فائدة قوية بعيدا عن ضوضاء الأغاني الماجنة والرقص الفاحش والعري المثير للغريزة.
في الحجر الصحي زمن كورونا اكتسب الناس معارف وعلوما، وعرفوا معادن البشر، واكتشفوا حقائق كانوا قبلها يغرقون في أوهام وردية، وصححوا أخطاء ما كانوا يجدون فرصة للوقوف عليها.
عمر الحجر الصحي منته لا محالة، وحياة الناس مآلها إلى عود، فهل سيعودون مثلما خرجوا منها أم سيعودون وهم يحملون تغييرا إيجابيا يسير بالعامة نحو الأفضل؟؟
كل الأمل أن يتخلص الناس من الشوائب، ويتمسكوا بكل ما فيه منفعة عامة تجلب الخير للذات والغير في آن واحد، والعار كل العار أن يعودوا بأسوأ ما كانوا عليه من تخلف وجهل وأنانية واستهتار ....إلخ.
نسأله تعالى اللطف والرحمة وعدم الخيبة، وأن يصلح حال الأمة ويبعد كل الشرور عن الإنسانية، ويجعل كيد من يسعى لقتلها في نحورهم إنه على كل شيء قدير.