الدكتور: عبد الغاني بوشيخي - خاص بـ " وكالة أخبار المرأة "

     إن الإصلاح في مجالي التربية والتعليم يتطلب الصيغة التربوية والإدارية الكفيلة للنهوض بمجتمع ما ، وضمان فرص تعليمية متساوية لأبنائه ، من أجل صنع مستقبل أفضل لهم ، من هذا المنطلق نحن في حاجة ماسة إلى تحسين مردودية التعليم عبر التطوير المستمر بما يتماشى مع روح العصر وتطلعات المستقبل .
           إن نجاح أي إصلاح تعليمي رهين بمدى تناغمه مع المشروع المجتمعي المتوافق عليه ، وبمدى ارتباطه وتجاوبه مع التغيرات والتحولات المستمرة خصوصا ونحن نعيش عصر العولمة وما تفرضه من تحديات ورهانات وما تتطلبه من اجتهادات ومجهودات غرضها تأسيس مجتمع العلم والمعرفة .
            إن إصلاح التعليم عماد تحقيق التنمية ومفتاح الانفتاح والارتقاء الاجتماعي والاقتصادي ، وضمانة لتحصين الفرد والمجتمع من آفة الجهل والفقر ومن نزوعات التطرف والانغلاق .  لهذا نحتاج لإصلاح جوهري يعيد الاعتبار للمدرسة والجامعة ليقوما بدورهما التربوي والتنموي المطلوب وفق منطلقات ومرتكزات أساسية .
    المحور الأول : منطلقات ومرتكزات  في إصلاح المنظومة التعليمية
              لكل إصلاح أسس وأركان ومدخلات أساسية بدونها نكون أمام الارتجالية والتخبط والدوران في حلقة مفرغة . ومن أهم المداخل والمنطلقات الأساسية لأي إصلاح للمنظومة التعليمية :
     أولا : لا يمكن إصلاح قطاع التربية والتعليم بمعزل عن الإصلاح السياسي والاقتصادي والثقافي والمجتمعي في شموليته وفي ظل تدني مؤشرات التنمية البشرية وارتفاع نسبة الفقر والبطالة والأمية.
    ثانيا : تعبئة وانخراط كافة الفاعلين والمتدخلين والشركاء فقضية التعليم تهم الجميع والمسؤولية مسؤولية الجميع هو اجماع وطني مجتمعي ليشعر كل مواطن أنه معني.
    ثالثا : الاستفادة على قدم المساواة في الحصول على تعليم عصري ميسر الولوج وذي جودة وملائم لمتطلبات الحياة
   رابعا : توفر بنيات التتبع والتقويم وتكون مستقلة ومتخصصة ، ليكون الاصلاح مبني على مقاربة كشفية .
   خامسا: التعليم الأساسي حق للطفل وواجب على الأسرة والدولة .مع ضرورة تطوير الملكات والكفايات لدى المتعلمين واستثمار طاقاتهم الابداعية .
     لذا من حقنا طرح أسئلة عميقة وأساسية قبل الشروع في الإصلاح . منها :
1 – ما هو المجتمع الذي نريد بناءه على مستوى القيم والهوية ؟
2 – ما نوع البنيات الاقتصادية والاجتماعية التي نريدها ؟ وما موقعنا منها ؟
3 – ما نوع المعرفة التي نسعى إليها ؟ وأي مستوى معرفي نبحث عنه ؟
           إن وجود الإصلاح العام هو الذي يمكننا من تحديد توجهات المنظومة التعليمية وأهدافها واستراتيجيتها التربوية . لهذا فالإصلاح الحقيقي للتعليم يبتدئ يإصلاح النظام السياسي الماسك بكل السلط .
   المحور الثاني : أهمية وأولوية إصلاح المنظومة التعليمية :
           يعتبر إصلاح التعليم من أولى الأولويات قصد تقدم وازدهار الوطن ، باعتباره أولوية وطنية ومجتمعية يرتهن بها مستقبل البلاد وأجياله ، فإصلاحه يجب أن يكون عميقا وشاملا في ملائمة تامة بين الأهداف التربوية والتكوينية للمدرسة والجامعة الوطنية وبين رهانات التنمية وتحديث المجتمع .
         فالمسألة التعليمية لا تحتمل الترقيع والارتجال والتجزيء ولا التوافقات الظرفية المصلحية ، ولا المزايدات السياسوية ، فإصلاحه ينبغي وضعه في إطاره الاجتماعي والاقتصادي والثقافي  ، غايته تكوين وتأهيل الموارد البشرية للاندماج في دينامية التنمية بالاعتماد على نظام تعليمي مرجعي ناجح فهو مسألة وطنية فوق كل التجاذبات ، تحتاج إلى إجماع وطني ووعي مشترك بالرهانات المستقبلية وما يتطبله من إعداد للجيل الصاعد ،فمستقبلنا رهين بمستوى التعليم الذي نقدمه لأبنائنا.
      المحور الثالث : رهانات إصلاح المنظومة التعليمية
     باختصار شديد نشير إلى أهم الرهانات الأساسية في إصلاح المنظومة التعلميمة والتي تتجلى فيما يلي :
1 – رهان ملائمة التربية والتعليم مع المطلب المجتمعي وحاجات التنمية الاجتماعية والاقتصادية .
2 – رهان إعداد مواطن صالح لمجتمع الغد المتشبع بقيم المواطنة والهوية  ومبادئ حقوق الانسان واحترام الآخر والتعايش المشترك والتسامح ، والمؤهل لولوج مجتمع المعرفة وتكنولوجيا التواصل والاتصال .
3 – رهان تحقيق جودة التعلمات وتنمية الكفايات في حدها الأقصى للاندماج بانسيابية في مجتمع المعرفة وسوق الشغل .
4 – الرهان الثقافي والحضاري والهوياتي بربط المنظومة التربوية بتاريخ وحضارة المجتمع ولغاته الأصلية والمتنوعة والاعتزاز بها ، بما يعزز لدى الناشئة حب الانتماء للوطن.
           إن كسب الرهانات التي تحدثنا عنها يظل مستعصيا علينا إن لم نبدأ من البداية ومن القاعدة حيث مسرح العملية التعليمية التربوية ، فكم من إصلاح للمنظمومة التربوية وصل إلى باب المدرسة والجامعة وتوقف.
  المحور الرابع : الاهتمام بالمكونات الأساسية والمباشرة في المنظومة التعليمية
       إن الإصلاح الحقيقي للتعليم هو الذي يركز على العناصر الاساسية والرئيسة والفاعلة في العملية التعليمية والتربوية وفي مقدمتها :
       أولا التلميذ : محور العملية التعليمية التعلمية ، فهو الفعل التربوي وغايته في آن واحد .
       فمن هو تلميذ اليوم ؟ وكيف نراه إطارا في المستقبل ؟ وهل التعليم الذي يتلقاه أبناؤنا اليوم قادر على ضمان مستقبلهم؟
              إن التلاميذ والطلبة يعيشون اليوم في عصر العولمة الثقافية وهيمنة أدوات التواصل والاتصال والرقمنة . فهل تجدي الوسائل التقليدية في التربية والتعليم ؟ أكيد لا . وما التعليم عن بعد الذي فرض عليهم على اثر جائحة كورونا لخير دليل. لم نكن مستعدين له ولم نوفر الأدوات والتقنيات والتدريب اللازم عليه . ولم نهيئ الوسائل الديداكتيكية والبيداغوجية والتقنية الرقمية له. أمر يجعلنا نعيد النظر في كيفية التعامل مع تلميذ(ة) اليوم . وتحديد حاجاته النفسية والاجتماعية و التعليمية والتقنية مع رصد الفوارق وأخذها بعين الاعتبار في العملية التعليمية والتربوية من طرف جميع المتدخلين التربويين ، مع تمكينه من اكتساب المعارف والمهارات والتقنيات واتقان اللغات الوطنية والأجنبية .
          ثانيا المدرسون : في ظل الخصاص المتزايد للأطر التربوية وتقادم التكوينات الأساسية والأطر المرجعية  عند معظمهم ، وضعف البرامج للتكوين المستمر مع ما يصاحبها في غالب الأحيان من ارتجال ومحدودية النتائج.
         يتطلب في أي اصلاح للمنظومة اعداد مدرسين بمواصفات جديدة وتكوينات عميقة سواء في التخصص أو الجانب المهني والتواصلي أو في جانب الديداكتيك والبيداغوجيا وتدريبهم وتأهيلهم على برامج القرن الواحد والعشرين والبرامج الذكية وتكوين في استخدام الادوات التكنولوجية و رقمنة المواد الدراسية ومسايرته للمستجدات والاعتماد على تقوية مهارات وقدرات المتعلمين واحترام خصوصياتهم وفق تعدد الذكاءات.
          في المقابل المطلوب اعادة القيمة الاعتبارية والرمزية للمدرس وسط المجتمع وتكريمه ماديا ومعنويا وجعله شريكا حقيقيا في المنظومة التعليمية وإعطائهالاستقلالية البيداغوجية وفق تعاقد مسبق مبني على التدبير بالنتائج  من أجل تحسين مردودية ونجاعة وفعالية المنظومة التعليمية من جهة ، ومن جهة أخرى لتشجيع المدرس على الابداع والاجتهاد .
         ثالثا المدرسة والإدارة التربوية : أصبحت معظم مدارسنا اليوم لا تجذب المتعلمين إليها ، أصبحت مدارس دون حيوية وحياة .لا يجد فيها المتعلم ضالته ومتعته .لذا نحن بحاجة إلى فضاءات تجذب المتعلم وتوفر له الراحة والمتعة التي يريدها احتراما لشخصيته وتفتحها ، فضاء يسمح له باكتشاف مواهبه وتفجيرها .في المدرسة لا نحتاج فقط الى نمو القدرات العقلية فحسب بل تكامل النمو جسميا وحركيا ونفسيا ووجدانيا ، ما يحتم علينا تغيير مفهوم الادارة التربوية ووظائفها ، فلا توكل لها فقط ضبط  المتعلمين وتنظيم الزمن والحياة المدرسية فحسب بل نريدها إدارة تربوية مبدعة ومنفتحة على محيطها تشجع الابداع وتسهر على الاعتناء بذوي المهارات والقدرات العالية ودعم ذوي الاحتياجات والمتعثرين وذوي الاضطرابات النفسية والمشاكل الاجتماعية أو العائلية ، وعليه فمن الواجب تعزيز الأطر الادارية بمتخصصين في الارشاد وعلم الاجتماع وعلم النفس ...من أجل حكامة جيدة وجودة للنظام التعليمي واستعادة وظيفته التربوية المتعددة .
        رابعا المناهج والبرامج الدراسية : آن الأوان لتقييم البرامج والمناهج الدراسية وما مدى ملائمتها لروح العصر ومتطلبات سوق الشغل .وإعادة تأسيس العلاقة بين المناهج والبرامج الدراسية وبين استراتيجية تكوينية معرفية وبيداغوجية للتلاميذ وفق اختيار بيداغوجي يأخذ بعين الاعتبار معطيات جديدة .وابتكار منهجيات حديثة  واستعمال أدوات وآليات اشتغال متطورة  من خلال الانتقال من نمط تعليمي ينتج أجيالا مروضة ومستسلمة وخانعة يعتمد في مناهجه الدراسية على الحفظ واجترار المعلومات إلى نموذج تعليمي وطني تتخرج منه أجيال متحررة ومسؤولة ، تمتلك الشجاعة والحس النقدي ، وتتحكم في اللغات وآليات التواصل والتكنولوجيات الحديثة .ثم الاعتماد على لغة الأم التي بدونها لا يمكن خلق شخصية متزنة قادرة على الابتكار والتحدي