الدكتورة نوال السعداوي - مصر - " وكالة أخبار المرأة "

يا منْ تحاولون إعادة الزمن إلى الوراء، إلى ما قبل الثورات فى بلادنا والعالم، إلى ما قبل الوعى الجماعى بالظلم والفساد والاستبداد فى العائلة والدولة، لن تنجحوا فى مهمتكم الممولة محليا وعالميا. الطريق، حتى يضىء، يكفيه مصباح واحد، والسيمفونية المكتملة، بعد الجملة الموسيقية الأولى، تتدفق كالنهر.
يترابط الكل من قمة الرأس إلى قاع القدمين، من العالمى إلى الإقليمى إلى القومى إلى المحلى إلى العائلى إلى الفردى، من الاقتصادى الدولى إلى الجنسى الشخصى فى الفراش، من خيانة دولة عظمى لمبادئ دستورها وقيم الإنسانية لتغزو دولة غنية الموارد والبترول، مدعمة إسرائيل فى احتلالها وقتلها وضم المزيد من الأراضى المغتصبة، من تلاعب رجال الدين والفقهاء والمشايخ لترسيخ الذكورية والقهر والتبعية، من تحويل السياسة والأخلاق إلى بورصة نهب وصناعة الفتن، من خيانة أرواح القتلى بالآلاف فى ميدان التحرير تحت اسم التسامح والمصالحة والمراجعات ولم الشمل الممزق.
مازلت أذكر خيانة رئيس صندوق النقد لشريكة حياته، وإخلاصه لشركاء السوق. لم يفقد الرجل الاحترام بين الذكور رغم موت ضميره الإنسانى، مثله مثل الكثيرين من الرجال الناجحين من أهل السياسة والأدب والفن والإعلام والمال، يسرقون و«يهبهبون» بالورقة والقلم وعلى الشاشات بالحسابات الدقيقة المضبوطة فى ظل القانون، وهم ينتهكون أجساد وعقول ومصائر النساء بالقانون، دون عقاب ودون حساب أو حتى مساءلة أو عتاب. حصار من أزيار «جمع زير» النساء، يسيل لعابهم أمام الخادمات والسكرتيرات من عمر بناتهم وحفيداتهم، ويغذى هذا الفساد الأخلاقى روايات وأفلام وبرامج وأغنيات تنهمر علينا ليل نهار. والفساد الدولى والفساد الشخصى، مترابطان بأحكام لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر، وكل منهما وقود يشعل الآخر.
أغلب الذكور فى بلادنا، وفى العالم، لا يفصلون بين نصفه الأعلى ونصفه الأسفل، بين شهوته للسُلطة والمال وشهوته للنساء وملذات الدنيا والآخرة. هذا الفصل مستحيل، مثل استحالة الفصل بين الدين والدولة. لم تنجح الأديان، جميعها، فى كبح شهوات الرجال. يسقط أغلب الرجال أخلاقيا من كل الأديان والأجناس والأعراق والأحزاب. وقد أثبت التاريخ أن الفساد الجنسى للرجال لا علاقة له بالانتماء السياسى أو بالانتماء الدينى أو الانتماء الأيديولوجى. وهذا الفساد ليس مسألة هرمونية ذكورية بيولوجية تتعلق بالجينات. هو قانون سياسى طبقى ذكورى دينى عسكرى، مزدوج، يرفع الحاكم على المحكوم، ويرفع الرجل على المرأة، ويرفع الأثرياء على الفقراء، ويرفع الدول الكبرى على الدول الأصغر. القانون الأخلاقى غير أخلاقى. يتبع السياسى الاقتصادى العقائدى، وهو أساس التربية والتعليم فى البيوت والمدارس والجامعات والمعاهد والأحزاب والبرلمان. يتمتع الحاكم فى ظل هذا القانون بالحصانة السياسية وإن قتل ونهب وظلم. ويتمتع الأب والزوج بالحصانة الأخلاقية والعرفية الثقافية المجتمعية وإن فسق، وقهر. الأب الذى يقهر ابنته ويدمر طموحها ويمحو شخصيتها ويمسح كرامتها، يظل محترما بين الناس فى أى مكان فى العالم. يخون الزوج زوجته مرارا وتكرارا مع خادمة فى فندق، أو سكرتيرة فى مكتبه، أو مزارعة فى الحقل، أو عاملة فى مصنعه أو متجره، أو تلميذة فى مدرسة، ولا شىء ينال من احترام الناس له. على العكس، هذا يمجد فحولته الذكورية، فى حين يحتقرون ويعاقبون الخادمة أو المزارعة أو العاملة أو التلميذة، التى وقعت تحت شهوته واغتصابه وانعدام استقامته. وإن حدث وأنجبت منه، يعتبرون الطفل البرىء طفلا غير شرعى، مدنسا بخطيئة وعار الأم اللعوب التى أطاعت الشيطان، وينضم إلى أطفال الشوارع بالملايين. يسمون الأم عاهرة وتدخل السجن فى عنبر المومسات، ويدخل الفحل سوق الانتخابات. ولم لا؟.
الرجل لا يعيبه شىء إلا جيبه، وكله بالقانون والورقة والقلم والعُرف والثقافة، وبمباركة وسائل الإعلام، وبرضاء المراكز والهيئات والنقابات والأحزاب وجميع المؤسسات الرسمية وغير الرسمية. الشهوات المنفلتة أخلاقيا يسمونها نزوات مغروزة فى طبيعة الرجل، لا تكفيه امرأة واحدة أو عشر. فنجد زوجات يوافقن على الخيانة، حتى لا تحدث خللا فى طبيعة زوجها، وحتى لا تنفجر الشهوات فى وجهها فيتم الطلاق وتخرب بيت الزوجية العامر. ويقول لها الزوج، وأهلها أيضا: «أليست نزوات عابرة تروح لحال سبيلها أفضل من الزواج بأخرى؟».
لا يوجد قانون دولى واحد، حتى اليوم، يعاقب دولة قوية لاغتصابها أرضا لا تملكها. لا يوجد قانون دولى واحد يعاقب جندى منتصرا اغتصب امرأة. لا يوجد قانون دولى واحد يعاقب رجلا على الخيانة الزوجية أو الجمع بين النساء. تونس ربما تضرب مثالا أخلاقيا رائعا، حيث قامت بمنع وتجريم تعدد الزوجات، وفى بلادنا تم تكفيرها من عدد كبير من رجال الدين ومن أفراد الشعب رجال ونساء، واعتبروها تحرفا فى الإسلام، وتعديا على شرع الله. وقالوا عنها الشىء نفسه، حينما قامت بإحلال المساواة فى الإرث بين المرأة والرجل.
بدأت الثورة فى مصر وفى بلاد أخرى كثيرة عربية وعلى مستوى العالم، احتجاجا على الفساد الأخلاقى والسياسى والثقافى والإعلامى والتعليمى، المحلى والدولى، العام والخاص. لن يعود الزمن إلى ما قبل هذه الثورات، إلى عهد العيش على اغتصاب الأرض والنساء والفقراء والمهمشين. ربما تحدث انتكاسة تؤخر المسيرة، لكن الوعى لا ينتكس إلى عدم الوعى، وحب العدالة والحرية لا ينتكس إلى حب الظلم والقهر. والترابط بين الأشياء والعلاقات لا ينتكس إلى التجزئة والفصل.