فاطمة بن محمود - تونس - " وكالة أخبار المرأة "

إلى الأديبة العراقية لطفية الدليمي
لفت انتباهي أثناء مروري بأحد شوارع الفيسبوك كتاب معلق على جدار الكاتبة والمترجمة العراقية لطفية الدليمي، وعنوانه «عالم النساء الوحيدات»، بدا لي العنوان مثيرا ومميزا، نرى النساء دائما وسط الحشود يعملن، أو بين أفراد العائلة منشغلات في سجون صغيرة نسميها بيوتهن، مدججات بأواني المطبخ ومحاصرات برغبات الزوج والأبناء، ولا أحد يعلم كم أن تلك النساء مطوقات بعزلة مقيتة تجعلهن يشتقن لأن يجلسن قليلا مع ذواتهن. نعم، النساء وحيدات في عالم لا ينتبه إلى أن للنساء عوالم خاصة بهن تضج بالأمنيات والرغبات والأحلام. دخلتُ غوغل أسأل عن الكِتاب، لم يكن متيسرا لتحميله فاكتفيت بقراءة بعض الفقرات الصغيرة منه، وبعض المقالات التي كتبت حوله، تتعرض الكاتبة لطفية الدليمي في روايتها «عالم النساء الوحيدات» إلى عوالم نساء عوانس، تشتري البطلة مجموعة من الكتب من ضمنها مذكرات للآنسة ميم (منى) تتحدث فيها عن حياتها، التي دُفعت فيها لتكون عانسا، والبطلة نفسها تعيش التجربة نفسها تقريبا، دفعتها ظروفها لتكون بدورها عانسا. الرواية تفتح تواصلا بين حياة البطلة التي تقرأ المذكرات، وحياة الآنسة ميم صاحبة تلك المذكرات، ما يبدو تواصلا بين القارئ والكاتب بين الواقع والخيال، تؤكد الرواية على أنه يمكن للتجارب الإنسانية أن تكون هي نفسها، بمعنى ما هو واقعي خيالي وما هو خيالي واقعي.
المؤلفة تتحدث عن النساء الوحيدات، وهي تقصد العوانس، واعتقد أنه يمكن أن نضيف الى هذه الخانة المتزوجات من المبدعات عموما، والكاتبات خصوصا، إنهن وحيدات دائما، يحدث أن تكون الكاتبة وسط الحشود في ملتقيات وندوات ومحاطة بالأصدقاء والأحبة، لكن في أعماقها تشعر بأنها وحيدة، يحدث أن تكون الكاتبة مع العائلة، وقد يفتخر بها ولدها وتتباهى بها ابنتها، وربما يغير منها زوجها وتشعر بأنها وحيدة ، يحدث أن تكون للكاتبة غرفة تخصها ومكتب أنيق وقهوة دافئة ولذيذة، وتشعر بأنها وحيدة جدا لأن أصواتا عديدة من خارجها تشوش عليها، لا شيء يحمي الكاتبات من تلك الوحدة القاتلة، غير أن يكن محاطات بشخصيات الروايات، وبهرج يفيض من القصص التي يكتبنها وبشهوات تطل من قصائد يكتبنها.
الكاتبات وحيدات جدا، كانت لفيرجينيا وولف غرفة تخصها، وزوج متفهم، ولها مكانتها في الوسط الأدبي الإنكليزي، يجعل أهم دور النشر في تلك الفترة تتنافس للظفر بكتاب لها، غير أنها كانت تشعر بوحدة قاسية، جعلتها تملأ جيوب معطفها بالحجارة الثقيلة وتغوص في البحيرة المجاورة لبيتها ولم تخرج أبدا.
أعتقد أن العزلة التي فُرضت على أليف شافاق الطفلة الوحيدة لعائلتها، لم يكن لها أصدقاء ولا أهل يزورونها، فاضطرت إلى ان تبتكر شخصيات وتصنع لها أسماء وأصواتا وأفكارا وأحلاما، وتنشرها على الورق لتنتهي الى روايات عالمية، كل ذلك نتيجة الوحدة الموجعة التي عاشتها. الأديبة التشيلية إيزابيل الليندي نشأت بين أبوين مطلقين، وتنقلت بين بيوت عديدة مرة لوالدها ومرة لأمها، فكانت الوحدة واقعا موجوعا تعمّقت بموت ابنتها، وفُرضت عليها فملأتها بالقصص والروايات.
الكاتبات وحيدات دوما، قد تفرض الوحدة على الكاتبة لظروف ما، فتضطر عندها لأن تستخدم كل ما لديها من أساليب لتدافع عن حقها في البقاء، بحيث تصبح الوحدة مادة تستثمرها المبدعة لتؤثث عالمها الإبداعي، ويكفي أن نتذكر الوحدة المرهقة التي عاشتها نازك الملائكة وأغاثا كريستي.
قد تكون الوحدة اختيارا مثل لطفية الدليمي نفسها، التي كتبت عن «عالم النساء الوحيدات» وأعلنت أكثر من مرة أنها اختارت أن تعيش في وحدة، حتى تصفو أفكارها وتكرّس كل وقتها للكتابة فقط، الشيء الوحيد الذي تحبه وتتقنه.
غير أنه يوجد صنف آخر من الكاتبات من لا تختار الوحدة، ولا تفرض عليها وتعيشها كل يوم، تشعر بأنها وحيدة في عائلتها، لا أحد ينتبه إلى تلك الأفكار التي تتجول في رأسها، وحيدة جدا، وهي ترعى أبناءها، وتوفر لهم ما يحتاجونه ولا ينتبهون إلى أنها تحتاج أيضا من يربت على كتفها وهي ترعى في نصوصها الأدبية شخصيات صاخبة وموجوعة، لا أحد ينتبه إلى تلك المرأة الكاتبة الوحيدة جدا التي تحتاج القليل من الوقت لتستمتع بوحدتها وتحولها إلى قطعة موسيقية تضج بالبهاء، تحولها إلى بستان من الإبداع يفيض بالفرح، تحولها إلى لحظة ولادة تتكاثر فيها ذاتها وتتعدد أصواتها. هناك صنف من الكاتبات الوحيدات ولا يظفرن بوحدة تخصهن، ينصتن فيها إلى القصائد التي تمور داخلهن وإلى الأفكار التي تتدافع في رؤوسهن وتهم بالخروج لتندلق على الورق.
هناك صنف من الكاتبات الوحيدات يشعرن بالوحدة وهن في بيوتهن مشتتات بين مكتب العمل ومطبخ البيت، يهرولن في الشارع والسوق ومستنزفات من فواتير الحياة المضنية، قد يكن في مقهى يعج بالزبائن ومحاطات بأصدقاء، لكن لا أحد ينتبه إلى وميض عشق لرجل وحدها تراه بقلبها تقول له «مرحبا» وهي تريد أن تقول له «كم أحتاجك». النساء الكاتبات الوحيدات جدا في مجتمع ينافق عندما يمدح المرأة، ويقصد في كل كلمة إطراء الحط من قيمتها، وجعل الكتابة في حياتها بلا قيمة.
أنا امرأة وحيدة، وأعرف الكثير من الكاتبات الوحيدات، أعرف من تكتب خلسة عن حبيبها حتى لا يسخر منها، وأعرف من تخفي نصوصها الجديدة عن أطفالها حتى لا يمزقوها، وأعرف من تدفع لزوجها ليصاحبها إلى ندوة، وتمجدّه أمام الجميع، والكل يعلم أنها تكذب، ويثنون على كذبها الصادق، أعرف من تقول لزوجها مثلا إن الناشر يطبع كتبها على حسابه وترشو هذا الزوج بهدية عندما تعود بنسخ منها إلى البيت حتى يخفي انزعاجه من كتبها المتراصة في غرفة النوم أو في ركن من الصالون..
ماذا تفعل النساء الكاتبات الوحيدات في هذا الزمن العربي المتخلف والموبوء؟ بالنسبة لي، أنا أعيش وحدة قاتلة، لكنني في مأمن طالما زوجي يحسن الغياب حتى إنني أتساءل أحيانا ألا يتعب من غيابه وهو يعيش بيننا، وأشفق عليه أكثر من وحدة قاسية جدا لرجل يعيش بلا قصص وبلا روايات وبلا قصائد، ويتجول غريبا في بيتنا. لكن أنا في مأمن من الوحدة القاتلة طالما أن أولادي منشغلون بأحلامهم وبحواسيبهم وبهواتفهم، ولهم أم من عاداتها أن تترك نصوصها في مكان ما وترعاهم جيدا، أنا في مأمن من الوحدة القاتلة أساسا، طالما أنه لا توجد بحيرة قريبة من بيتي، ولا أحب ارتداء المعاطف الطويلة ذات الجيوب الواسعة وهذا يعني أنه لن تكون لي نهاية فرجينيا وولف.
أنا مطمئنة في وحدتي القاتلة غير أنني أعيشها وأشعر بأني أُسْحَبُ إليها بشدة في كل يوم ومهددة بويلاتها في كل حين، لذلك سؤال واحد أعلقه في سقف غرفتي التي تخصني: نحن الكاتبات الوحيدات دائما، والحزينات والمكتئبات دوما من ينقذنا من عالم النساء الوحيدات؟