الكاتبة الصحفية: أسماء التمالح - المغرب - خاص بـ " وكالة أخبار المرأة "

لا يقبل المجتمع الذكوري بوجود امرأة في أوساطه، وإن تكرم بالقبول فهو يريدها امرأة أمة خنوعا، تسمع وتطيع من دون أن تنبس ببنت شفة، وهو يريدها امرأة ميتة دون صوت ودون روح تتحرك، يريدها دمية قابلة للتطويع، كيفما شكلها تشكلتْ، وحيثما وضعها جلستْ، خرساء صماء عمياء، تنفذ الأوامر، وتلبي المطالب على اختلاف أنواعها.
في المجتمع الذكوري يشار إلى المرأة دائما بسخرية، مهما بلغت درجة تفوقها ومهما حباها الله تعالى من مميزات تدعو إلى الفخر والاعتزاز، فمكانها في منظور الساخرين المطبخ، المطبخ فحسب، تعد الطعام وتغسل وتنظف وتكنس … شأنها في ذلك شأن أي خادمة بيوت، لا يحق لها النقاش والجدال في أي أمر أو قضية، لأنها بأعين هذا المجتمع الظالم لا تعدو كَوْنَها كائنا صغيرا حقيرا، كثير عليه الخوض في المسائل الكبرى حتى ولو لم تكن كبرى بالفعل، ولكنه يجعلها كذلك تبخيسا لقيمتها ومبالغة في تحقيرها.
حسبنا مثالا المرأة التي تسوق سيارة في الشارع العام، فهي قلما تحظى باحترام السائقين من الذكور، حيث تجد واحدا منهم يحاول تجاوزها رغم أن الأمر ليس من حقه، وثانيا يزاحمها في الطريق مستهزئا بطريقة سياقتها سابا شاتما لها مستعرضا عليها عضلاته، وثالثا ينظر إليها من خلف زجاج سيارته في ازدراء، أما إذا هي أخطأت في تطبيق قانون السير فلا شك في أنها ستنال من الحط من القيمة مالم تنله الوضيعات من النساء.
أبرز ما يتم التركيز عليه في المجتمع الذكوري هو شكل المرأة وصورتها الخارجية دون عقلها ومستوى تفكيرها، فهي بزعمهم دون عقل، فمن أين لها التفكير؟ يستندون في تبرير تصورهم على مقولة ” النساء ناقصات عقل ودين “، فمتى لمع بريق امرأة في مجال سارعوا للتغزل بشكلها، وغضوا الطرف عن مواطن تفوقها، تغنوا بجمالها وأهملوا الجهد الذي بذلته والتعب الذي تحملته في سبيل أن تنجز عملا إثباتا لذاتها، وفي محاولة لتأثيث حضورها الإيجابي جنبا إلى جنب مع أخيها الرجل، الشيء الذي يشعرها بالخيبة والاستياء والغضب غير المعلن، خصوصا إذا كانت من الصنف النسائي الجاد جدا في عمله والمخلص المتفاني فيه، فهي تتجرع مرارة سوء التقدير في صمت، لكونها لم تتحمل كل ذلك العناء والشقاء ليتحرش بها في الأخير ويتغزل بحسنها وجمالها، إنما هي أرادت أن يكون لها وقع وبصمة في المجتمع، من منطلق أنها إنسانة منتجة وليست مستهلكة فقط، إنسانة مساهمة ومشاركة في الحياة العامة، تنهج خطى سابقاتها من النساء المسلمات اللواتي كن فاعلات جادات في وقتهن، فاستطعن أن يكن نموذجا يحتذى به، ومثالا للمرأة الحقيقية التي لها أدوار متشعبة لا يستهان بها.
يريد المجتمع الذكوري من المرأة أن تتقوقع في نطاقات محدودة لا تتجاوزها، نطاقات تنصب على ما هو سطحي: زينتها، غنجها، رشاقتها، ….إلخ، ويرفض منها أي منافسة شريفة خارج هذا النطاق. يكفينا داخل هذا المجتمع المتخلف أن نسلط الضوء على التهميش والإقصاء الممنهج في حق المرأة وهي تشتغل جنبا إلى جنب مع الذكور، في جو تحترم فيه نفسها أولا، ومن حولها ثانيا، ولعل هذا التهميش والإقصاء يبرز جليا في تفادي ذكر اسمها وحضورها في كل مناسبة، وفي إعلان الحرب عليها وعلى من أثنى على مجهوداتها مبرزا أدوارها التي لا ينكرها إلا جاحد، وفي إدخالها دائرة المغضوب عليهم، لا لشيء سوى لأنها اختارت شق طريقها وحدها استنادا إلى إرادة شخصية مستقلة بعيدة كل البعد عما يتم رسمه لها وإملاؤه عليها، فبدل الافتخار بها وتشجيعها يكون السعي الحثيث لسحقها، وملاحقتها من أجل إيذائها وتدميرها بشتى الوسائل، وبدل الانتصار للحقيقة وإجلائها يتم طمس مميزاتها والتحريض على الحط من قيمتها واتهامها اتهامات باطلة هَمُّها الانتقام وإرضاء غريزة الأنا الذكورية.
هي سلوكات نابعة من نفوس غير خيرة تشبعت بالشر ولم تنهل من مناهل الدين الإسلامي السمح، الذي كرم المرأة، وعزز حضورها إلى جانب الرجل، وقال بتآخيها معه جاعلا إياهما شقيقين في الواجبات والأحكام، فلن يكون مثل هؤلاء الذكور أذكى وأرقى من الفاروق العادل سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، والذي آمن بحضور المرأة ومنحها الفرصة للتعبير عن ذاتها والدفاع عن حقوقها وإسماع صوتها بحياد ودون تسلط أو تعنيف، وذلك عندما حاول رضي الله عنه النظر في موضوع الصداق وتحديد ثمنه، فصدته امرأة وأثنته عن الفعل لكون الموضوع يتعلق بالنساء وليس من حقه الكلام فيه، فكان أن تقبل بروح رياضية تدخلها، وصاح في القوم أمام الملأ : أخطأ عمر وأصابت امرأة.
اعتراف نبيل من رجل أنبل يقدر المرأة ويعرف منزلتها السامية في الحياة، لم ينصع لنزعته الذكورية وينتقم لها، لم يسخر من المرأة المتكلمة ولم يحرمها من حقها في التعبير وإبداء الرأي، لم يأمرها بالصمت، ولم يقلل من شأنها، بل كان في مستوى الرجل الذي تعتمد عليه النساء في إنصافهن ومساعدتهن على نيل حقوقهن والدفاع عنها في إطارها المشروع دون تجاوز وتطاول.
هكذا علمنا الإسلام، وكذلك قدم لنا نماذج حية للاقتداء بها ومحاكاتها، وما نراه في مجتمعاتنا حاليا إنما هو جهل وتطرف وتعصب مرفوض، لذلك صار لزاما على المجتمعات الذكورية أن تراجع حساباتها وأوراقها في التعامل مع المرأة، هذا الكائن البشري الرقيق الذي لا يستقيم بالعنف أبدا، ولا يزيده التسلط والتهديد والإقصاء إلا تمسكا بقراراته ومواقفه، ولا تهينه كلمات لئيم لأن الله عز وجل حسم الأمر وخص المرأة بمنزلة رفيعة من اعترف بها كانت له الرفعة، ومن أنكرها كان هو النكرة وليس المرأة التي لم تذنب في شيء سوى أنها اختارت أن تكون سيدة نفسها، بعيدة عن أي وصاية وتوجيه وتسييس وتقزيم.