الكاتبة الصحفية: أمان السيد - أستراليا - خاص بـ " وكالة أخبار المرأة "

 تلك العبارة ألقتها إحداهن بالعامية أمامي بعد تأنيب، وتقريع لي جاءا فجأة دون سابق إنذار، وكنت وقتها أستقل سيارتي للمغادرة بعد تلبيتي حفل عشاء خيري، كانت على ما يبدو ينهشها الغيظ من البرود الذي قابلت به هياجها، إذ لم تستطع كتم انزعاجها لأني لم أحضر احتفالا ضخما جاء فيه توقيع كتاب شعري لها، كتابٌ ارتأته شعرا، وحشدت له الكثيرين من المسوّقين، والمعجبين، والمعجبات بانقياد، ومكرهين. وقد كانت كلّفت أكثر من طرف بدعوتي إلى ذلك الاحتفال، غير أني لم أعلم حتى اليوم من أين أتتها الثقة بأني سأحضر،  فلا علاقة تربطني بها، ولا بما تنسّب نفسها إليه من شعر الكتابة، لا من قريب ولا من بعيد.
حادثة أقلّ من عادية مرّت بها شهورٌ، وصاحبتها لا تستحق أن يُلتفت إلى ما صدر عنها، لأن الشخص إنما تأتي ردود أفعاله مصداقًا لما تحمله نفسه من الرقي، أو التّخلف، لكن الموضوع الذي وراء ذلك كان يلحّ علي للكتابة، وكم أردفته جانبًا إلى أن أحسست أني أحتاج أن أرصد بعض جوانبه.
 الغربة وطن جديد للمرء، ولعل من الجميل أن أقتنص هنا فكرة عبرعنها العالم الفرنسي لويس باستور قائلا: "قد تكون نهاية أشياء بداية لأشياء أجمل"، ولكن أن تتحول بلاد الاغتراب إلى مرتع خصب للادعاءات، وللنفاق، وإسباغٍ علينا ما ليس فينا، فهو حقّا مبعث قلق.
  هناك من يعتقد أنه إن غادر الوطن فبإمكانه أن يرتدي الحلة التي يشتهي، أن ينصّب نفسه نجما، أو سفير أدب مثلا، أو ملك كتابة، أو حامل دكتوراه، أو سليل ثراء، وعراقة، ومع شيء من التزويق يكون له ما أراد، وحجّته في ذلك أنه غريب، ولن يقفز له من يدحض افتراءه. أما ادعاؤه إياه أمام البسطاء الذين يلتقيهم في الأرض الجديدة، فهو الكفيل له بتأكيد تلك النجومية، وذاك التسيد. استغلال الغربة لارتداء القناع الذي يهواه صاحبه تراه كثير الظهور في بلاد الاغتراب، لكن للأسف، فأصحابه لا يدركون أن التحايل لا ينطلي على الجميع، وإن انطلى فلفترة لن تطول، وسيسقط ذاك القناع بعد أن يملّ الجمهور من المحاصرة، والجذب بالرياء، والمبالغة والتبهير، إن في دعوات تتلاحق لحضور الأمسيات، وإن باتصالات تتكرر حتى يخجل الأشخاص ويضطروا إلى الحضور تسليمًا،  ثم بعد مدة يتقلص ذاك الحضور حين تُكتشف ضآلة المحتوى. البشر بطبعهم عاطفيون، تؤثر فيهم الكلمات، والمشاعر، والمديح، والمجاملات، ولكن إلى حد معين، وكثير منهم يتبين لهم بعد فترة من تلبية تلك الدعوات أنهم ليسوا سوى أرقام في جدول. الغاية الأولى أن يملؤوا المقاعد  ليُتفاخر بتعدادهم الرقمي أمام عدسات التصوير، وفي مجالس السّمر، نكاية بأدباء، وكتّاب يعتبرون أن مثل أسلوب الجذب ذاك لأمسياتهم الثقافية معيبًا، ولا يخدم رؤاهم، وتطلّعاتهم الفكرية. هم لا يريدون أصنامًا تصفّق متى استُثيرت للتصفيق، ولا أرقاما لتُبقر بها عين الكاميرا، وصفحات الجرائد اليومية، وعيون الساهرين في المقاهي وراء الأراجيل، وفناجين القهوة. مسرحيات لا تلبث أن تحسر الستارة عنها ليرى أنها ليست إلا هزلا، أما الجيد والقيم من العطاء الإنساني والفكري، فلا بد أن يثبت حضوره، وإن كان مع حضور قليل نوعي لا كمّي، قدِم ليتشارك مع الأديب عصارة روحه وفكره، وتجربته.
  الغربة، وما أدراك ما توثّق في الغربة من أخلاق تحملها معك، فالإنسان الحقيقي هو نفسه أينما وجد، ومن يتعب ويجهد ليكون قيمة لن يضيع حضوره بين المزيفين، وإن تكاثفت ضده الأيدي والألسنة، وما تتحفنا به الأوطان الجديدة من المبدعين، والناجحين في شتى المجالات الإنسانية لهو الأدلّ على صدق ذاك المنحى. إنها مشكلة كبيرة في أولئك الذين يستغلون من يقطنون الأوطان البعيدة منذ سنوات طويلة، هاجروا إليها هربا من الحروب، أو الفقر، أو تحت ظروف أخرى، وهم ما يزالون يحنّون إلى لغتهم الأم التي غيبتها لغة المغترب، وإلى ما تركوه وراءهم من ثقافة، ومعتقدات وتقاليد، وكثرة لم يتسن لهم أن يكملوا تعليمهم الأكاديمي في زخم تلك الظروف، وهؤلاء بالذات يصبحون ضحايا لمن  يتلاعب بفطرتهم، ومشاعرهم، وحنينهم، لقد صدق من قال:"أصبحنا لا نعرف في أي مكان يختبئ السّيؤون، فالجميع يتحدث بمثالية".
 يحضرني هنا قول الروائي والشاعر الاسكتلندي الكبير روبرت لويس ستيفنسون "لا وجود لأراضي الغربة إنما المسافرون هم الغرباء"، موثقا لما ذهبت إليه، أما قول الكاتب الإيرلندي الكبير صمويل بيكيت "النور الساطع ليس ضروريا. شمعة صغيرة هي كل ما يحتاجه الإنسان ليعيش في الغربة، إذا احترقت بإخلاص"، فيأتي خير رافد لحكمة الأثر الخيّر للإنسان أنّى أقام، وإن أتى منبعه مصدرا بسيطا.
 أعود لأتساءل، ترى ما الذي قصدته تلك الشاعرة بعبارتها المغتاظة "سلّملي على البيتنجان". في النهاية أعتقد أنه أجدر بنا بأن نعود إلى فيلم " الباطنية" لناديا الجندي- كما وصلني من إحداهن- وهناك سنجد الجواب في الانتظار!