الكاتبة الصحفية: أسماء التمالح - المغرب - خاص بـ " وكالة أخبار المرأة "

يُجمع العموم على أن ثقافة ” البوز” ثقافة تافهة، ثقافة تستند على الوهم بدل الحقيقة، وعلى حب الظهور المجاني واصطناع النجومية التي سرعان ما تزول، وتخفت معها تلك الفقاعات المنتشرة في سماء الفراغ، فتقل وتقل إلى أن تتبخر كليا في إعلان سافر عن التزييف والبعد عن الواقعية.
إن إقبال الناس على هذا النوع من الثقافة، والذي هو في العمق إقبال يغذي أنانية الفرد، ويرضي غروره، ويجعله يعتقد أن الدنيا بدونه تتوقف وتتعطل محركاتها، إنما هو إقبال ساهمت في سهولة انتشاره وتوسعه وسائل التكنولوجيا الحديثة، والتي كان الأجدر أن تستخدم استخداما أسلم وأفيد، يصب في خدمة الحقيقة لا في تزويرها عن طريق التضخيم، أو صناعتها من عدم ، فقط لجلب أكبر عدد من المتعاطفين، ومن أجل توسيع دائرة الأهمية المفقودة من الأصل.
يتسابق البعض  إلى خلق ” البوز” وإلى شد أنظار وانتباه الناس إليهم، وما أسهل تحقيق المسألة! فهي لا تتطلب جهدا ولا تحتاج لركائز أساسية قويمة سوى التمرد على كل الأخلاقيات، وضرب التوابث بعرض الحائط، والتصفيق للرذيلة، ومخالفة كل ما هو طبيعي أصيل ومألوف على وجه الأرض. نعم، بكل هذا اليسر وبهذه السهولة البالغة، يتصدر ” البوز” القوائم إن في دروب الحياة الواقعية، أو على منصات التواصل الإجتماعي، أو على المواقع الإلكترونية المختلفة.
نادرا جدا ما يصطبغ لون ” البوز” بالبراءة، ونعني بذلك هنا ” البوز” الذي تكون الغاية منه محمودة، والسلوك فيه نبيل ومقبول، ينم عن خدمة إنسانية معينة منشأها البحث العلمي المطلوب، والثقافة الحقيقية المبنية على أهداف نبيلة تعود بالفائدة على البشرية، بينما الغالب الطاغي في ثقافة ” البوز ” عدم البراءة، ومحاولة خلخلة ميزان الحياة المنضبط، والانحراف به إلى متاهات تقود في نهايتها إلى الهاوية، بعد صخب وبهرجة وإشعاع مصطنع تحكمت فيه تفاهة الباحثين عن ” البوز”، وإلى جانبهم من يشجعهم ويصفق لهم.
إن الصعود السريع مآله الهبوط الأسرع، وأي خطوات غير محسوبة يراد بها خلق ” البوز” إنما هي تعجيل بالوفاة، وتهييء لقتل سريع وموت أشد سرعة، لأن العجلة من الشيطان، ولأن النجاح له أسس يستحيل أن يتحقق بدونها.
قد يستهوي البعض حب الشهرة والأضواء، فيتسلقون سلم” البوز” لكونه الأيسر والأسهل – كما قلنا – لتحقيق المبتغى، المبتغى الوهمي والوقتي طبعا، لكونهم لا يملكون مفاتيح المجد الذهبية، والتي توصلهم يعد عناء وجهد جهيد لما يطمحون إليه ولما يريدونه، أو بالأحرى لا يملكون الرغبة والقدرة على تحمل الصعاب ليعلنوا النجاح في النهاية، وذلك لأنهم يريدون النجاح بأقل تكلفة، وبدون مجهود يذكر وفي أقل وقت ممكن أيضا، ظانين أنفسهم انتصروا، وبمثل هذا الصنيع خلد الكبار والعظماء أسماءهم عبر التاريخ.
إنها المسخرة في أكبر تجلياتها، أن يحسب المرء نفسه عظيما بين قومه وهو يقفز نحو النجومية المصطنعة، ويجري خلف الوهم القاتل متخطيا كل الحواجز، جاعلا من فعل عادي بسيط بطولة، ومن عمل تافه صناعة وتأثيرا.
لقد قيل قديما : ” البقاء للأصلح”، وقيل إلى جانبها أيضا : ” لا يصح إلا الصحيح”، وثقافة ” البوز”بعيدة تماما عن مسالك الصحة والسلامة والحضور الهادف، لكونها عابرة بعبور حدث ما مفتعل، أو بعبور فعل ما ارتبط بظرف زمني معين لا أهمية له، أو كان ذا طبيعة عادية من منطلق الواجب الذي يلزم فعله اتجاه الغير دونما إلباسه كسوة التميز، علما أن صفة التميز لها معاييرها وآلياتها.
لا يوجد في ثقافة ” البوز” ما يدعو إلى الفخر والإعتزاز والتمجيد، فكل الأعمال المنضوية تحت لوائها لها مدة صلاحية معينة، سرعان ما تنقضي ويفسد مفعولها، هذا إذا سلمنا بتوفر عنصر الصلاحية من الأساس، على خلاف الأعمال ذات الطابع الجاد الخاضع لعنصر الجودة والإستمرارية بكل عزم وثقة وتحد وتجاوز للعقبات، فإنها الأعمال الخالدة الباقية التي تترك بصمة قوية في العبور، مهما حاول التفهاء النيل منها بالتبخيس والتدنيس وما شابهه.
لا يستطيع صناع ” البوز” إثبات ذواتهم في المحيط الذي يعيشون به، لأن حضورهم مهما تعدد يبقى حضورا عابرا غير ذي قوة، حتى إذا ما خفت النور باتجاههم سارعوا لسرقة الأضواء راكبين موجة ما، ومستعملين أشخاصا ناجحين لهم وزن وحضور في الساحة لشد الأنظار والانتباه إليهم من جديد، وتذكير الناس بهم وحثهم بطرق مختلفة على الاعتراف لهم بالأحقية في الحضور والظهور من منطلق عقدة النقص الساكنة داخلهم، حيث لا هدف ينشدونه  في هذه الحياة، سوى الرغبة في الظهور وخلق ” البوز” والبلبلة من لاشيء، كي يتردد إسمهم على الألسنة ويشار إليهم بالأصابع كالنجوم، اعتقادا منهم أنهم بلغوا أدراج الشهرة ، وأن الشهرة تساوي النجاح، والحقيقة بعيدة كل البعد عن ذلك.
حري بصناع ” البوز” أن يشتغلوا على أنفسهم بقوة ويطوروها نحو الأحسن، ويوجهونها نحو الهادف الصالح والدائم المستمر، وبدل أن يلاحقوا غيرهم ممن يفوقونهم بمسافات طويلة في واقع الحياة، ويسعون لتقييمهم – وأنفسهم الأحوج للتقييم-  عليهم أن يعلموا أن من يشتغل بصدق و من يحقق نتائج مثمرة لايسمع له ضجيج، ولا يقيم الدنيا ويقعدها وهو يشتغل، لأن كل حواسه مركزة في العمل والاشتغال ولا شيء سواه، حتى إذا ما نضج العمل واكتمل عبر هو ذاته عن نفسه، وتكلم هو  بدلا عن صاحبه، وأشار إلى صانعه في زهو وكرامة، وإنها للصناعة الحقيقية، لا تملق فيها للغير ولا توسل ولا استعطاف لأحد، ولا تجييش للقطيع فيها، ولا ركوب للأمواج ولا استغلال للأسماء اللامعة والمعروفة لتأكيد الحضور.
ختاما، لا مجال للحديث عن التأثير في الناس والكلام مرتبط بصناعة ثقافة زائفة تدعى” البوز”، لأن ” البوز” ببساطة شديدة يشبه لحد بعيد تلك البالونات المنفوخة بالهواء والطائرة في السماء، والتي سرعان ما تعود لوضعها الحقيقي بعدما يمل منها الهواء ويتحرر منها الريح بعد الاختناق، ليسقطها أرضا راجعا بها لحالتها الأولى المتقوقعة في التفاهة و العدم.