الأديبة والشاعرة : دورين نصر سعد - لبنان - خاص بـ " وكالة أخبار المرأة "

من عمق الألم، أسرجت كلماتِها على عواصف التمرّد والرّفض، وخاضت في عالم مفتوح على احتمالات لا تُحدّ. على دروب السّعي والحلم، شاءها القدر أن تكون امرأة مكافحة مناضلة وجدت في الشّعر أرضًا خصبة باركت بذار فكر قرأ واقع الأشياء بعين شاعرة مرهفة الإحساس. لعلّها أدركت أنّه في القصيدة لا نحتاج إلى طريق ولا إلى من يدلُّنا إليها. قد نجتاز غابةً بلمحةٍ تمتدُّ بين البصر والبصيرة، فنبصرُ أنفسَنا في قطار داخل نَفقٍ لا ينتهي.
والواقع إنّ تجربة "إيفون الضيعة" هي واحدة من التجارب الشعريّة الحديثة التي أنتجت نصًّا مختلفًا لغةً وتخييلاً وإيقاعًا في بعض الأحيان. فنصوصها الشعريّة تتضمّن التنوّع داخل الوحدة، بمعنى أنّ موضوعات القصائد تبدو متعدّدة مع أنّها ترسم في ما بينها أسلاكًا تجمع أواصرَ وتربط الجوهر بالجوهر: جذور الذات، تحوّلاتها، حيث لا حدود فاصلة بين الأنا والآخر.
والواقع، إنّ ثمّة قصائد تكتمل بعشر كلمات أمّا بعضها الآخر فيستغرق بضع كلمات تمتدّ إلى أكثر من صفحتين.
هذا التنوّع في الأداء الشكلي للقصيدة لدى الشّاعرة ناتج عن اختلاف في مضامينها لأنّ الموجات النفسيّة تطول وتقصر تبعًا لما يوصف في الدّاخل وما يَفِدُ من الخارج. وهو تباين في الظاهر ليس إلاّ، فالقصيدة القصيرة في حجمها، هي طويلة بكثافتها الداخلية، إذ تقول على سبيل المثال:
قمّة العشقِ
أن تنتظرك امرأةٌ
خارج الزمنِ
كأنّ لا رجل سواك.
    بالتالي، فإنّ القصيدة، وإن كانت وجيزة في عباراتها، فهي مستفيضة في إيحائها، لتتّحدَ تجربة الشّاعرة بمحمول القصيدة الموظّف، مقدّمة شكلاً مختلفًا يؤسّس لجماليّة خاصّة بالنّصّ دون غيره، وهنا مكمن الفرادة في النّصوص. كما أنّ الشاعرة لا تلبث أن تنهل من التراث القديم لتوظّف الأسطورة في قصيدتها الأولى "نشيد عشتار". حيث بدت هذه الإلهة هي الأشدّ إغراءً لها لا سيّما أنّها اسم إلهة الحبّ والحرب عند سكان ما بين النهرين، والمعروفة بـــ" عشتروت" الفينيقيّة. وهنا يكمن السؤال، لماذا لجأت شاعرتُنا إلى هذه الأسطورة بالذات؟ ألهذا الأمر علاقة بانتمائها وجذورها؟ أم لأنّها اتّخذت من القناع سبيلاً للتعبير عمّا يعتمل في داخلها من مرارة وأسى.
    إنّ الالتباس بدأ منذ عنوان المجموعة: آخر ما قالَه لي الله، ما يجعل المتلقّي في حالة ترقّب دائمة، إذ بقيت كلّ قصيدة تنتظر الأخرى.
والمعنى في هذه المجموعة يحضُرُ في فراغ مقلق يُنتجه الغياب: غياب الصورة حينًا، وغياب الذّاكرة أحيانًا. إذ تقول "والذاكرة مِحرَقة". المعنى يقيم في ظلال التعبير، في خلفيّاته، ومع ذلك، وبقدر ما يبدو التوالي الدلالي منظّمًا، نستشف حضور الاستسلام للمصادفات إذ تقول: "مصابةٌ بالحبّ"، "مصابةٌ بالحرب".
فنشعر أحيانًا أنّنا إزاء حضور يراوح بين اللّحظة والعدم. اللّحظة الحافلة، لكن بانتظار العبور:
"ما عاد يُجدي
أن تعبُر النّهر
أو تغادر اتّساقَ الطريق..."
    إنّه الزمن الذي يعبرنا، ولا نُشفى من لحظاته التي اجتازتنا. وكأنّ الوقت يقطع خيط الانتظار قبل حلول الموعد.
"ها أنا أعود سريعا
أقف على مرتفع خيباتي
    إنّها أحوال الغياب الذي به وبحضوره يسطع كلُّ شيء، هو الصدى والظلّ أثرٌ وذكرى:
"أرصفة المدينة
ما عادت تشبه وجه حبيبي"
إيفون تكتب نصوصَها بحبر الوجع، فتختصر كلّ المآسي بعبارة: "كلُّ نساء الأرض أنا"، إلاّ أنّها لا تستسلم للألم بل تعبُر بالقصيدة فوق فوّهات الجمر: "أنا العاشقة المستبدّة حدّ التّعب"، "في دفق القصيدة ترتعش النوايا"، "أنا القابضةُ قهرًا على قلبي، أملِكُ مُتّسعًا من الضوء".
وكأنّ هذا الضوء جاءها في غفلةٍ منها، لأنّ التواصل مع هذا العالم صار بحاجة إلى كيمياء جديدة. أمّا الحبّ في تجربة الشّاعرة، فيبدو في صور تجلّياته المتعدّدة مزيجًا من التبجيل والاشتهاء، الفقدان في عالم ما، ثمّ التعويض بالكتابة، إذ تقول: "أمدّ الليل سجّادة لفارس بلا حصان"، "ليست ليلة سعيدة يا قلبي"، "فكلّ الأحلام القديمة المغتصبة نضجت"، "لا تعنّفوا القصيدة، دعوها تسيل على مهل"....
وتصير الشاعرة والقصيدة صوتًا واحدًا إذ تقول: "صرتُ القصيدة". وَسْط هذا الالتباس تبدو "الأنا" جامعة لما سواها وما حولها. والقبض عليها ليس بالمهمّة السهلة، ولكن حضورها يبدو متعدّدًا في الآخر، والأشياء والطبيعة:
"الريح صوتٌ مثقوبٌ في متاهِ الضوء
الفجر ولادة"
"أفرك قلبي المثقوبَ بحفنة شمس"
"أسير والنهر يتبعني"
    ولا بدّ لنا في هذا السياق حيث تدفّق المعاني، من دراسة بعض الظواهر الأسلوبيّة اللافتة في غرابتها حيث يظهر الاختلاف الشّعري في مختلف المستويات البنائيّة للنّصّ، فعلى مستوى التركيب تظهر الجمل على عجل، فهي غير مؤسّسة على سابق، فالشّاعرة تعيش التجربة لحظة كتابة القصيدة ولا شيء قبلها. فهي تكثّف اللغة وتعِزلها أحيانًا عن سياقاتها الخارجيّة لتوحّدَها بالتجربة وسياق النّصّ.
    كما نتساءل عن الصيغ المكرّرة للعبارات، ما غايتها؟ هل هو مجرّد التعبير بالإيقاع؟ تقول الشّاعرة:
لم يحدثْ من قبل أن هزمتني الأقنعة
لم يحدثْ من قبل أن سافرتُ في الأساطير
لن يحدث أبدًا
لكن...
يحدث أحيانًا
    إنّها تخضع لإيقاع للحالة... تتفاجأ بها، فتفاجئنا بتوقيعات مموسقة جديدة... تتردّد في: لم يحدثْ، لم يحدثْ... وأقنعة... وأساطي، تنفي أن... تؤكّد الحدث فتموج النفس بين القبول والرّفض. 
    والموسيقى هنا ضربات تتوالى على مقياس واحد لترتدّ فجأة عكس مسارها، كأنّ الشّاعرة ترسم بألوان تتكرّر لتنقلب الفرشاة في اللحظة الأخيرة وتغيّر الدّرب نحو المعنى.
    لهذا يمكن القول إنّ المسار في هذه النّصوص، هو الذي يدير المضمون، ويستدعي العلامات والإشارات. مفاجأةً تلو مفاجأة، حيث نبلغ مرحلة القبض على الزمن في القصيدة، لكن سرعان ما نكتشف نفيًا جديدًا يعيدُنا من حيث بدأنا.
    لذلك، إنّ الشّاعرة لا تصوّر حالة واقعة بل تُلمح إلى ظلّ، إلى وضعيّة، فتبقى الصورة زائفة. وفي هذا الغياب تعبُر القصيدة، فكيف تقيم الأشياء في ظلّها وصداها، كيف تقيم في وعدها وتملأ بغيابِها الحضور؟

الفنّ والطّبيعة
على حائط الرواق، قُبالة  المقعد، صوّر لنا بعض الدّهّانين زهرةً من الورد الأحمر، لا ينقُصها إلاّ العبق! فنحن من وردتنا الحمراء، في غنى عن الرقّة، والملاحة، والخجل الأحمر، حتّى يذهب الشّتاء، وتجيء أيّام الورد، فندير وجوهنا عن ربيع الحائط، ونُقْبل على تلك الشجرات الصّغيرة المبثوثة في زاوية الحديقة، وهي من كلّ لون، وأرَج!
ويا للورد الأحمر، يا "لحاتم" الطّيب، من مضيف، تنزل عليه، فيبَشّ وجهُه، وتترنَّح أعطافه، ويجود عليك من مادّة حياته بما يملأ يديك، وأثوابك، ومكانك! فليتّقِ الله سائلُه..
وعلى شجرات الورد يلقاك ألف فم مدوّر!! كأنّ الخجل قد خلع شيمته، وعاف انكماشه؛ فهو يجمع أطرافه، ويزمّها، ليلقي بنفسه على شفتيك، في شمّة عميقة، مستطيلة، الله أعلم ما أواخرها!
على أنّ زهرة الورد الحمراء كأخواتها زهرات الورد الأحمر، في اللون، والشّكل والعبق. ومن هنا يدبّ إلى نفسك، من فرط المشاكلة، شيء كالملل، وتلحظ أنّ الزهرة الحبيبة، التي صبّت روحها بين يديك، لها ألف أخت من مثلها، تلقي بنفسها بين يدي غيرك!!
أمّا وردةُ الدهّان، على حائط رواقنا، فهي الفريدة في ملك الله، لا تشبهها وردة.....
أمين نخلة