القاص والكاتب: عبد الجبار الحمدي - العراق - خاص بـ " وكالة أخبار المرأة "

يقيس ثواب بقاءه بخطواته... يتسابق مع حفاة الفكر في زمانة بعد ان نهل من طيبات ورع وتصوف فمال الى ان يكون رسولا من طراز خاص، يدرك عقله ما لا يدركه الآخرين فأتزر العقل علما، يملك من طيبة القلب باحة واسعة فلملم حروف سطور معارف عديدة فصار عارفا، يجوب الطرق حافي القدمين كتلك التي تطلب الغفران على شيء لم تقترف به ذنبا سوى أنها لا تريد ان تكشف سرا... يحمل مخاضات أزمان مختلفة عرج على شرفات سلاطين، خلفاء، ملوك، توابع، ماجني الحانات حتى صاحبات العهر الداجن في نفوس من يتوارون تحت دثار خشية من الناس لا خشية من الله.... يطلق لنفسه العنان في كل مرة يستوقفه مشهد من مشاهد الدنيا التي تعرت مرات كثيرة لتغريه بأن يضاجعها حتى يفسد كغيره ممن تعرضت لهم فأطاحت بورعهم وتصوفهم الكاذب، فما ان  تشري عورتها حتى يشرون الدين وقيم الورع بين افخاذها...
كان من يراه يكن له الهيبة رغم أنه لا يمتلك من الثياب إلا ما لبسه وهو مرقع بعدد من الرقع التي سترت عورته، رفيع القالب، له وجه وضاء يزيده هيبة، ذقن اعتاد ان يطلقها حرة في النمو كما يطلق لأقدامة ان تكون حافية تقبل التراب والحجر، الماء والصخر... لم تشتكي يوما حر لهيب الرمال او خشونة حجر او صخر... يمر يعتمر وداعته تحيات وسلام الى من في ذلك الطريق الذي لا مفر منه، فهو الوحيد الذي يقوده حيث يريد... الى الصلاة، يتعبد في ركن يأنف الكثير من الجلوس فيه لوحشته، فحاكم المدينة لا يرحب بالمساجد او إعمارها، فنسبه الفجور، إنه يظن كما أمر هو المتوكل بأمر الرعية، المسيطرالذي يقسم الأرزاق، يحيي ويميت لذا وجب تقديم الطاعة والصلاة عند اعتابه، ومن لم يرى ذلك طوعا يأمر بجلده وإن رأف به دفع الغرامة.. كان أهل المدينة يرضعون الخوف حتى وهم في رحم أمهاتهم، لم يحاولوا ابدا ان ينازعوه الحديث او الجهر بالظلم والاستبداد... فكلامة دستور منزل يسري على الجميع وإلا؟؟ فكانت تلك الزاوية المهمولة التي لا يرتادها إلا من هرم او على شفا من قبر.. يبقى فيها طويلا تصل الى الليل المتصل بالنهار يتعبد فباتت صوعته التي لا ينازعه فيها أحد.. يقتاته الناس خلسة في ظلمة ليل وبعيد عن عيون عسس... حتى همس في إذن الحاكم من يرغب بلعق فُتات برازه عنه، فأمر بجلبه في الحال ليعرض عليه لاستيضاح أمره...
كطنين الذباب حوله فرحين بمسكهم له، يتدافعون في الدخول على الحاكم كل يبين أنه هو من أمسك به سمعا وطاعة لأمر الحاكم... أرغم على ان يُجثوه على ركبتيه بايدي تقمع محاولته الى النهوض، قنع بقضاء الله فتوقف عن المحاولة... تطلع الحاكم اليه وحاله فتعجب!! الى رثة ثيابه وسواد أقدامه وخشونة ما يلبس فاستغرب أكثر!!! الضياء الذي ينعكس عن وجهه، لأول مرة يشعر بالفتور لا يعلم لم؟! فأشار بأن يتركوه سارع في القول: ما الذي جعلك تتعرض لنا ولأوامرنا؟ ألم تسمع بأن لا صلاة في بيوت لم يقم الاذان فيها؟ ألم تعي أن العبادة دوني أمر مستبعد؟ مالكم يا حفاة الزمن تعارضون ولاة الامر منكم؟ ألم تقرؤا القران أطيعوا الله وأطيعوا أولي الأمر منكم... فما بالك أني امثل الأثنين معا، يبدو لي وقد أثر بي ضياء وجهك بأن لا أحكم عليك حتى اسمع دفاعك، ما وراءك؟ يبدو ان الناس تعلم بأمرك وعسسي لا يعلمون، اغريب انت؟ أم وافد بزي ورع تتحسس او تتجسس؟ هيا أجب على اسئلتي؟
رفع رأسه الى الحاكم ومن ثم دفع بيده الأرض ليقف ثم قال: الحمد لله على كل حال وكل مصيبة أثني على الله واكثر شكره أن اكون بين يدي من قطع رحم العبادة بسلطانه، حسبه نفسه ربا، يُعَبد أو يحيي او يميت وهو مخلوق من مَني يُمنى كما الحيوان.. سألتني وقد اكثرت وحالي يُبَين حالتي، إني يا بني آدم من الناس الذين انتعلوا الحياة بهذيان، من قبل كانت تطوف بي بعيدا عن اماكن النور، طَمَست الحقيقة، غَدت تبقيني بين أرداف فتيات ودفوف غلمان حتى صرت في حال بعيد كل البعد عن العالم الذي ابغي، الى ان كنت يوما في وضعك هذا طرق علي بابي سائل يسألني: لك في رقبتي أمانة أدليها لك وهي من رجل كان لوالدك في يوم ما فضل عليه... وحالي كما ترى لا يمكنني ان ارد فضله إلا بنصيحة فإن أذنت قلتها وإلا اعفيني من الفضل ودُعني ارحل بما جئت وأكون قد وفيت بوعدي لوالدك بأن وصلتك.. شدني الفضول الى معرفة الفضل لكنه أبى ان يفصح عنه، فقلت هات النصيحة إذن لأرى قيمتها ومن ثم أعرف حجم الفضل الذي مَنّ عليك به أبي وكان من الوارثين من نعم الله، أما أنا الملهاة قيامي وقعودي مع صحبة رامت ان تكون ورُمتها تدوم، لكنها زالت بمحض إرادتي من ذلك اليوم فقد قال: إنك إبن من وثق الله به فأعطاه، اسكنه جنة مناه وهداه، فرد فضل الله عليه برعاية عباده عن سواه، أثمر عطائه، دحر البؤس والفقر عن الكثير، زاد في وهب اكثر من اليسير حتى على ذكره بين الناس بالخير والنصير... الى ان جاءت منيته فأورثك ماله لا فعله وخصاله، سكنت الدنيا وبعدت عن الآخرة، سفحت أموال عمالك حتى نسيت أيامك، فبات نهارك ليل وليلك نهار، وُلدنا يا فتى حفاة عراة، لا حول لنا ولا قوة، سخر لنا الله من يطعمنا ويسقينا، يرعى ضعفنا في قوته، أكتنفنا برحمته وعطفه، حتى بلغنا أشدنا، فظننا أن لنا القوة والحول بما تحت ايدينا من نعم، صرنا نتحكم برقاب العباد غير مبالين بالعالم الآخر والحياة الآخر،ة فساقت الدنيا عاهراتها وغوانيها لهو ولعب، أما غلمناها فقد ورثوا الخنث صفة يتحلون بها بعد ان اذاقوها من هم على شاكلة بعض رعيتك وحاشيتك بعد أن أخصوا .. أني يا ابن آدم هائم في ملكوت الله زاهد عن دنيا المجون فلما بلغت النصيحة مني مأخذها صرت كما قلت لك، آليت أن اكون حافيا في دنيا الله عابدا له راجيا آملا ان يغفر لي وقد تركت مالي وكل ما أملك الى من هو أنصح مني في ادارتها، وما وقوفي بين يديك إلا هبة من الله إليك فكن اسأله أن يعطيني الإشارة بالرضا عني بنصيحة من هو افسد مني وها هي البشارة أني بين يديك... فما سمعت عنك يجعلني حبة خردك تضيع بين افعالك وخصالك.. فنصيحتي لك ان تعود الى ربك وتهتدي وترأف برعيتك فكل شيء زائل فقد جئت دنياك حافيا عاريا وستعود الى حافيا عاريا... فما ملكته بيمينك صائر الى غيرك.. إن الملك لعنة لا يمكن ان تجعلك بشرا عادلا فالعدالة لا يمتلكها إلا الأرباب وما أنت برب كما تسمي نفسك او تتدعيه عليك الروج عما انت فيه واخلي سبيل رعيتك دعهم يدنون الى الله بإعلاك كلمته الحق لا بدلسك ومجالتستك الشياطين.. انت وأنا والملك هذا وغيره عن الحكام زائل الى غير رجعة فالملك انصت جيدا الملك لله وحده..
ثار حنق الحاكم فرد صه يا أمعة الناس فما انت سوى نكرة تدعي انك إبن ملوك وتهذي هذيان مجانين ما هكذا تصرف اولاد الملوك، يبدو انك ممن يريدون ان يخيطوا ما فتق من الدين برقع كثيابك حتى تنزوي بركن مظلم تجتهد وتُفتي ألا لعنتي عليك وعلى من هم على شاكلتك تتخذون الدين غطاء لوشاية، لا لن أعطيك الفرصة ستنال عقابك وستكون عبرة لغيرك.. هيا خذوه اطيحوا برأسه
لحظة يا هذا لا تستطيع فعلها إلا أن يشاء الله ولا أظن الله سيمكنك ذلك، لكني تمنيتها ان تكون منيتي على يد أقذر خلقه وأحقرهم شكرا لله ولك فيما قلت النصيحة وسيكون صوتي في رأسك ما حييت أنا الحافي .