الكاتب الصحفي : حسن بولهويشات - المغرب - خاص بـ " وكالة أخبار المرأة "

     هذا ليس عنوان رسالة الماجستير أو الدكتوراه في التاريخ كما يتبادر إلى الذهن للوهلة الأولى، وإنما نافذة بدفتين أردتُ أن أطل منها على نساءٍ من بلادي برتبة «قائد» خلقن الحدث بالصوت والصورة هذه الأيام، عندما خرجن إلى شوارع المغرب للإشراف بحزم على تطبيق الحجر الصحي للحد من فيروس كورونا.
    في الحقيقة، نحن المواطنين (أتحدث عن نفسي وعن من يريد أن ينظم إلى صفي) هم الذين خلقوا الحدث عندما لم نستسغ مشاهد فراشات بزيّ عسكري يمشين في ممرات الأسواق، ويفرقن تجمعات السكان أمام كاميرات مرافقة أو متلصصة. دائمًا في مخيلتنا المرأة هي هذا الكائن المكتنز الذي يقشر البطاطس في مطبخ عامر بالرطوبة أو يبيع البقول الذابلة عند مدخل سوقٍ أسبوعي. وفي أحسن الأحوال تشرح المرأة درس الصرف والتحويل في مدرسة بلا نوافذ ولا أبواب مرمية على جبل حزين. ودائمًا «القايد» هو ذلك الرجل المقيت، المتوسط القامة في الغالب وبندفٍ الثلج جهة الفودين، أحمر البشرة وبلون الطين العالق بحواف دلاء سوداء، تسبقه بطنه ويسير خلفه عسكري متجهم، ينزل غاضبًا من السيارة ويركبها مغادرًا بالغضب نفسه. لا يلقي التحية ولا يردها. ولم يحدث في حياتي أن رأيتُ قائدًا يبتسم في الوقت الذي رأيت الأسد مبتسمًا في قصيدة المتنبي.
  وقد ارتبطت أسماء بعض المدن المغربيّة وبلدات وقرى بعينها بأسماء القواد الذين حكموها بقبضة من حديد. وأيضًا بقبضة الاستغلال والنهب جنبًا لجنب مع إقطاعيين يمصّون دم السكّان مقابل أجور زهيدة، وأحيانًا بلا أجورٍ. القواد والإقطاعيون وأبناؤهم ومن يجري في فلكهم من شيوخ وأعوان يأكلون من سنابل القمح الطويلة ومن أشجار البرتقال كل حسب رتبته، بينما يكتفي أهل الأرض وأولادهم بالخبز والشاي، وبإطلالة من نوافذ بيوت الطين على مرور القائد المتسلط، وبسمرٍ حزين في ليالي الشتاء حول نار ألسنتها طويلة وبحجم غضبهم. لماذا أيها الأجداد والآباء لم تحتجوا ولو برفّة حاجب؟ لماذا لم تشهروا غضبكم في وجه قواد جبابرة وشيوخ مرتشين بدلا من جداتنا وأمهاتنا حتّى إذا مُتم سريعًا من فرط القسوة جلسنا نحن الأحفاد نرعى الجدات والأمهات بعيون حزينة؟ هكذا يرمي حفيد ثائر بالسؤال في وجه ألبوم الصّور.
   ومن جهته يكتظ التاريخ الشفهي بالمغرب بقصص قوّاد تسبقهم أسماؤهم الخشنة فنتبول نحن في سراويلنا فبالأحرى الذين عاشوا المرحلة، بما في ذلك قصّة «القايدة طامو» والتي يُحكى بأنها تنحدر من شرق المغرب حيث كانت تركب الخيل فتنطلق محتمية بمسدس، ترتدي ثياب الرجال ولا تخالط النساء ولا تأكل معهن حول طاولة. ابنها هو مبارك البكاي رئيس أول حكومة مغربية. وقد امتنعت عن الزواج بعد موت زوجها القائد هو الآخر. ومن يتجرأ أن يكون رديفًا للقائد فينكح زوجته في مغرب زمان؟ أو على الأصح من يستطيع أن يقترب من جناب «قايدة» اختلط الواقعي بالخيالي بخصوص قسوتها حدّ أنّ شباب الثمانينيات والتسعينيات بالمغرب قد أطلقوا على سيارة «الأمن الوطني» لقب «القايدة طامو» تيمنّا بالرعب الذي كانت تزرعه هذه الأخيرة في القرى التي كانت تمرّ منها، وتعبيرًا بصدق عن المقاربة الأمنية التي كان وزير الداخلية إدريس البصري يحّرك بها هراوات رجالاته لدرجة أن اسم إدريس البصري يسبق اسم إدريس الأول في محرك غوغل.   
    وقد جرت مياه كثيرة تحت الجسر، وشهد المغرب تحوّلات سياسية، بدءًا بمرحلة «الانتقال الديمقراطي» ثمّ «الإنصاف والمصالحة» وأخيرًا جملة عبد الإله بنكيران الشهيرة «عفا الله عما سلف» فضلا عن الصحف المستقلة التي وفرّت هامش حرية التعبير والاحتجاج ولو بمنسوب ضعيف تحكمت فيه وزارة الداخلية دائمًا. وانخرطنا من جهتنا في أجندة الإعلام الرسمي باعتبارنا مستهلكين أوفياء، فأحببنا بقلوبنا رجالا ونساءً من عالم الغناء والفن والسينما والرقص وسهرات السبت في التلفزيون الحكومي حدّ أننا نسينا القسوة القديمة، ونسينا «القايدة طامو» وقوادًا آخرين إلى أن خرج فيروس كورونا من درس  الطب البشري، فسقط كثيرون في بلدان بعيدة ومجاورة ولزمنا بيوتنا. وخرجت ظلال رشيقة لتحرس أزقة وشوارع الوطن بحسّ وطني عالٍ، فاستشاط بعضنا نحن الرجال الذين لا نبتسم إلا إذا مشينا بأوامر رجل آخر.
      ظهرت أول الأمر «القايدة حورية» في شوارع مدينة أسفي، عندما رصدتها كاميرا أحد الهواة وهي تحثّ الباعة في سوق الخضر على إخلاء المكان وتنظيفه قبل المغادرة. تبدو متقدمة في السن، ضئيلة وبزّي عسكري أكبر من مقاسها، صفراء وبلون المرق غير أن صوتها يخرج من قلبها فتتخلله بحّة خفيفة من كثرة السهر، على راحة المواطنين طبعًا. أحببتها حين توجهت بالكلام عبر مكبّر الصوت إلى النساء الواقفات خلف النوافذ ودعتهن إلى الإبقاء على الأطفال في البيوت مشيرة إلى أن ظروف المرحلة تتطلب منهن الصبر، ومعبرةّ عن تفهمها لأوضاع بعض الأسر المزرية التي تعيش في غرفة واحدة. يا للقسوة ويا للحنان في صوت واحدٍ يخرج مندفعًا من ميكرفون وزارة الداخلية!   
    وبعد يومين، طلعت علينا من العاصمة الرباط فيديوهات «القايدة إلهام» والتي ظهرت تمشي بقامتها في ممرات سوق الخضر، يسبقها صوتها الجهوري الخارج من خلف كمامة متصنعة القسوة أمام الكاميرا. ويبدو من حركات الأيدي أنها استفادت من التدريب المسرحي في طفولتها. دائما أقول في نفسي إن للعاصمة شوارعها وأناسها وموظفيها وللهامش أناسه ولغته وبؤسه.  
 ولكن لأسباب نفسية أو رومانسية راقتني تحركات «القايدة كريمة» في شوارع مدينة وجدة وهي تنفث أوامرها وسط موكبٍ مهيب لا يضارعه إلا موكب الملك، لدرجة تمنيت في داخلي لو كانت زوجتي «قايدة» وأن أكون أنا هو المضاف وتكون هي المضاف إليه في الدرب الطويل. أن تكون مثل القايدة كريمة بالتحديد، بسنابلَ صفراء مرمية فوق توأم حجل يهتز تحت البزّة العسكرية. القبعة الخضراء فظلال القبعة فعيون المها جلبن الهوى من حيث لا أدري. واستدارة خَصر لا تماثله إلا أصفارٌ كبيرة موضوعة بغضب مقصود على حواف دفتر كسول. وهذا الشموخ في عنق الغزال البري، وهذا الفيضان الأنثوي أو السلطوي. ولا يهم، بعد ذلك، أن تخرج القسوة من فم «القايدة كريمة» وتصطدم بأناس مستعدين دومًا للارتماء أمام العجلة وإدّعاء المسكنة والإصابة بجروح، في الوقت الذي يفتح آخرون هواتفهم ويشرعوا في التصوير وتحريف الحقائق.
      شخصيًا، إذا كان لا بدّ من النضال ومن الاعتقال في الوقت الراهن، فأفضل أن تعتقلني القايد كريمة هي بالذات والصفات. أن تضعني في زنزانة انفرادية، فأنفرد بنفسي وبظل القايدة. أن تبصق عليّ من ثقوب الشباك بنظرة طائشة، فأنتعش. أن تتجرأ وتفتح الزنزانة بمفتاح فأسمع صرير الباب وصرير أنفاسها الصاعدة من ضلوع الحنان. أن تغضب كريمة وتحصد قامتي بحذائها العسكري فأسقط على ظهري من دون أن يغمى عليّ، وأن تنزلق هي بقشرة موز متروكة هناك وتسقط بالخطأ فوق صدري العامر بالقصائد العمودية. أن يستمر المشهد السوريالي عشر ثوان فقط قبل أن تنهض كريمة وتقف عند رأسي مثل عزرائيل فيما أصير أنا هشّا فأعترف بجرائمي التي ارتكبتها والتي لم أرتكبها. أن تغلق القايدة الملف ويغلق عليّ أنا في السجن. أن أخرج بعد مدة إما كاتبًا يتطلع بإصرار إلى جائزة نوبل وإمّا مشردّا يخيط الأزقة بهذيانه.
«كريمة .. نموت عليك» تقول أغنية شعبيّة. وأقول أنا: أموت في صفّ كريمة وحورية وإلهام وأخريات من نساءٍ بلادي يصنعن الحدث والفخر.