د.نيرمين ماجد البورنو - فلسطين - خاص بـ " وكالة أخبار المرأة "

بين ردهات البلاء والحزن الشديد والاختناق والاكتئاب شرفة من نور تشع بالأمل والفرج والسرور واللطف فيما اختاره الله تعالي لعباده من خير دائم, فقد يبتلي الانسان في حياته فتكدُر لحظاتها في نظره, ويتأذى من الابتلاء وقوارصه ويشعر أن جميع الدروب مغلقة أمامه وتمتلكه أفكار سوداوية مؤلمة تحاول تصفيته, ولكنها نعمة من السنن الكونية على المخلوقين في هذه الدنيا وذلك اختبارا لهم وتمحيصا لذنوبهم, وتمييزا بين الصادق والكاذب منهم, وامتحان وابتلاء يمتحن فيها الانسان بالمصائب والأقدار المؤلمة, لذا يجب أن نسأل أنفسنا دائما: هل في هذه الحياة ما يستحق العيش لأجله؟ وهل فيها ما يستدعي الاستسلام والانجراف مع تيار اليأس والوهن والحزن؟
مسيرة المرء في هذا العالم مليئة بالمفاجئات والإخفاقات وخيبات الأمل الأليمة، والغصة في القلب والتي قد تستمر لفترة طويلة ولأيام بسبب الحزن والضغوط اليومية والذكريات الأليمة وصور ومشاهد للحروب والمجاعات التي يشاهدها في حياته والتهكمات التي تنشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي عن خيبات الأمل والفَقد والخُذلان, لكنه لم تمعن في مقولة لروبرت نيتين الجميلة والتي يقول فيها "أشكر الحزن لأنه ارانا الجمال، وأشكر الألم لأنه اعطانا الدافع، واشكر الغموض لأنه لا يزال غامضا", لفكر وتمعن وراجع جميع أحزانه التي آلمت به وشكرها لأنها قدمت له الكثير من الدروس والعبر وجعلته أكثر صلابة وقوة, وعلمته من هو الصديق الحقيقي والسند الذي يتكأ عليه وقت المحن والبلاء, ومن يحبه حقا بدون مصلحه ولا رياء ولا تلون, وعلمته ان لا حياة بلا ألم, فالحياة مليئة بالمشاكل والمتاعب والصعوبات كما أن النهار لا ذوق له بلا ليل، والفرح بلا ألم، والنجاح بلا التضحية, فهل يوجد في العالم أحد بلا ألم  وحزن وقهر يشغل رأسه؟ يجب على الإنسان أن لا يستسلم للفشل ولا يرضخ للعقبات, فالإرادة هي السلاح الوحيد الذي يمكنه من القضاء على التشاؤم في هذه الدنيا, ومن هذا المنطلق يؤكد الكاتب الأمريكي أنتوني روبينز بقوله المأثور "أيقظ قواك الخفية", ليبين لنا أن هناك مارد بداخل كل انسان ولكن يجب عليه أن يطلق له العنان ويمنحه مساحة من الحرية والإرادة والعزيمة والاصرار والروح الرياضية لان الحياة مليئة بالمعارك والمنافسات, فلا حياة من دون طموح ولا بقاء للدنيا من غير أهداف نبيلة وغايات سامية.
 بتنا نتجرع الكثير من الأوجاع والأسقام, مثل ارتفاع مهول في نسبة الانتحار بين الشباب بالعالم والذي لم نكن نراه ولا نسمع به في الماضي الا نادرا, مما يعني أن هناك خلل ما في ان الانسان ذاق الويلات والآلام والغصص الكثيرة فمل من التمثيل على مسرح الحياة وضاق درعا بأيامها مما أفقده شهية العيش فيها, وسيطرة اليأس على الإنسان مما يجعله يعتقد أن عجزه وإحباطه وفشله في أمر من الأمور الدنيوية يعني نهاية الحياة, ويصنّف مرض الاكتئاب كثاني أخطر مرض في العالم, يقول علماء الاجتماع والطب النفسي إن الكثيرين من الناس تراودهم فكرة حلم الموت والخلاص من حياتهم؛ عندما لا يستطيعون مواصلة الحياة في ظل المعوقات والملمات التي تصاحبهم، وخاصة عندما تنتابهم حالات الاكتئاب النفسي الذي يفقد فيه الإنسان أي رابطة بالحياة من خلال الظلمة التي يعيش بها في تلك اللحظة، فلا يرى حلا ومخرجا لمعاناته وعذاباته سوى إنهاء حياته طوعا بيده, ولكن القلة من هؤلاء من يجرؤ ويمتلك القوة والإصرار على تنفيذ هذه الفكرة وتصفية نفسه جسديا, وهناك من يقدم على الانتحار الجزئي، أي لا يكون في تفكيره وتصميمه على وضع حد لحياته حتى الموت، وإنما يسعى من وراء ذلك إلى تفريغ ما في نفسه وروحه من شحنات الألم، حتى يستعطف من حوله، ليشعروا به، وبمعاناته والإحساس به، وبالتالي ليحوز على اهتمامهم ومشاركته أحزانه والتخفيف عنه ومساعدته بالخروج من هذه الأزمة التي ألمت به، ولم يستطع التغلب عليها لوحده, وارتفاع عال في نسبة حالات الطلاق والتفكك الأسري والتنمر والعنف والبطالة والفقر والحزبية والطائفية والإدمان الإلكتروني, وطغيان الجانب المادي على الحياة, والانانية و الجشع وغيرهم من الأوجاع.
تدور الدائرة علينا ونصادف بحياتنا الصالح والطالح وتلعب ظروف الحياة وما نتعرّض له يوميًا من ضغوطات وعراقيل دورا كبيرا في أن تحرمنا طعم راحة البال والسعادة و الطمأنينة ونعيش في لوعة, وبالتالي ينعكس على بعض سلوكياتنا فتمضي الأيام ونعتاد على التعايش مع هذه الأفكار والسلوكيات السلبية دون أن ندرك, ويصعب علينا بعد ذلك تجاوز الصعوبات للعيش  بحياة رغيدة سعيدة هانئة الى الأبد, فلا تتجول في ذكريات الماضي الأليمة ولا تبكي ولا تحزن مهما تكالب الناس ضدك ولا تبك على خير قدمته وما جنيت من ورائه سوى الجحود والنكران ولا تندم على رقي وخلق تعاملت به مع الآخرين وما كان ثمرته سوي الصدود والجحود, ولا تحزن مهما تكالبت عليك الظروف, وفقدت أناس يحبونك, ومهما ضاعت سنوات من عمرك, وثق أن هناك ربٌ يقضي كل الحوائج، وانه ما ابتلاك الا لحكمة عنده وفيها خير لك لذا تماسك وأصبر وأفتح نوافذ الأمل فثمة ضوء ولا تشغل قلبك بهم غد فلعلك لا تعيش له ولا تملأ قلبك بغبار الماضي وافتح نوافذ قلبك في ربيع تشرق فيه شمس المحبة واستقبل نسمات الرياح التي تحمل عطر الياسمين في كل صباح وأرو عطش القلب بالدعاء, ودع نوره يلامس قلبك وروحك ويحيي فطرتك فالقلوب على أشباهها تتعارف وتتألف, وابن جسرا لأحلامك عماده الأمل والعمل, وأنهض واتبع نور الأمل ليرحل الخذلان وأهله, فالقادم أجمل .