حمزة قناوي - " وكالة أخبار المرأة "

في كل مرةٍ نَبحَثُ داخل ألبوم من الصور، والقطع المتراصة من «الحكايات الشعرية» في ديوان مرام المصري «نساء»، نشاهد معالمَ الظلم المتعددة الواقعة على المرأة ، التي تتنوع بتنوع الثقافات والأماكن والأديان، بل بتنوع الأعمار، فالبداية من «ياسمين» ذات الثمانية والعشرين عاماً، مرورا بـ «بيتي» 83 عاماً، حتى نصل لأقل الأعمار مع فلورا 6 أعوام، أو ربما إذا أردنا الحديث عن أكبر الأعمار فهي «غزة» بتاريخ عمر الأرض.
كل واحدةٍ من هؤلاء النساء لها وجعها الخاص، وتتفنن المصري في إظهارِ مقدارِ الظُلمِ الواقع عليها، وتوضيح بعض جوانبه، بدون أن تُصرّح، تبدأ في تقديم مشهد تخاطب به المتلقي، وغالباً ما يكون على لسان المرأة ذاتها، واصفةً شعورها، متخذةً لحظةً مِن لحظاتِ حياتها التي تعاني فيها ذروة الوجع من جرَّاءِ ما وقع عليها من ظلم، ثم تترك القارئ في صدمة مع ما اكتشفته عن هذه الشخصية.
تمارا
الأم: ماريا
الأب: جاك
العمر: 40
المهنة: رسامة ـ
(أنتِ صِفر
أنتِ كيسٌ من الرمل
أنتِ كرةٌ حديديةٌ أجرجرها ورائي
كالمساجين
يا لك من مسكينة
حتى عاملة تنظيفٍ لا تستطعين العمل
أأنظري.. تقولين إنك نظفت البيت
إنه زبالة..
من سيقبل امرأة مثلك؟
لا تعرفين شيئاً
لن تعيشي بعدي يوماً).
……
سمعت هذا طويلاً
حتى
صدّقت)
تضيفُ خاصيةُ ذكرِ اسمِ الأم، واسم الأب، والعمر في بداية المقاطع، تحقيق الصدق، ولفت نظر القارئ، إلى أن ما يقرأه، ليس ضرباً من ضروبِ الخيال، ليس واقعاً افتراضياً يعيشه من خلال ذكرياتِ مؤلفته، أو من خلال رغبة استثارة عاطفة أو شفقة غير حقيقية تجاهَ مآسٍ مُختَلقَة، وإنما تؤكد على أن هذه الحيوات حَقيقيةٌ، وكأننا إزاء حالة توثيقية، تذكرنا بتوثيق الحالة عند الاجتماعيين، الذين يصفون ويفندون المآسي الاجتماعية بطريقةٍ وصفية، لكن هنا يتم القبض على ألمِ الحالة ووجعها، من خلال المنظور الفني، ففي الحالة التي استعرضناها، التي نكتشف في نهاية المقطع أنها هي من تتحدث عن نفسها، تروي لنا ما تتعرض له من رفيقها، ومن وجهة نظره تجاهها، فهو يراها على هذه الصورة، يراها سبيلاً لتعطيل حركته، وقيدًا عليه، لا يستطيع أن يصل بسببها إلى أي مبتغى يريده، ليس من إكراهٍ ماديٍ هُنا يَقعُ على الحالة المذكورة، وإنما الإكراه والأذى الواقع عليها هو معنو- نفسي، وبقدر ما ربما لا نتعاطف مع الأذى المعنوي مقارنة بالأذى المادي، إلا أن المفارقة تأتي في نهاية المقطع، مؤكدةً على الدمار النفسي الذي لحق بـ«تمارا»، بأنها قد صدقت بالفعل هذا الكلام الذي يُقالُ لَهَا، أصبحت في النهاية تنظر لنفسها بهذه النظرة السلبية، هي ترى نفسها كرةً حديديةً تعيقُ أيَ إنسانٍ يقترب منها، ولا يمكنها الاعتماد على نفسها، ولا ترى في نفسها القدرة على تحقيق أي شيء، ماذا يمكن أن تكون الحالة النفسية التي تعيشها مع مثل هذا الشعور الموجع؟
ونلاحظ أن الشاعرة اختارت عُمرَ الأربعين لهذه الحالة، بالطبع كان متاحاً لها أن تختار ما تشاء من الأعمار لأنماطِ النسوةِ اللائي تتحدثُ عنهن، لكنها اختارت لكل نمطٍ عمراً زمنياً معيناً، هذا العمر إذا دققت فيه جيداً تجده يعبر عن ذروة الألم لمثل هذا الوجع، فها هي «تمارا» في عمر الأربعين، وبدلاً مِن شُعورِهَا بالنُضج، تشعر بالعجز، وبعدم القدرة على فعل أي شيء، وفي مثل هذا العمر، يبدو أنه من الصعب أن تُشفى مستقبلاً مِن هذا الجُرح، حياةُ إنسانةٍ كاملة هُنا دُمِّرَت، والسببُ كَلِمَة، أو نظرة، أو رؤية معينة رآها لها الرجل الذي وثقت فيه، كم هي رقيقةٌ المرأة في مجملها، وكم هي ـ مهما حاولت أن تظهر عكس ذلك ـ تتأثر بالرؤية والقالب والمكانة التي يضعها فيها الرجل.
بيتي
لنتأمل المعاناةَ التي وضعتها المصري لأكبر الحالات عمراً، وهي «بيتي» تقول:
(بيتي
اسم الاب: جورج
الأم: إيما
العمر: 83 عاماً
المهنة: مدرسة ابتدائي متقاعدة
ـــ
بيتي ..
عندها قطة اسمها كاتلين
الجميع يكره كاتلين
قطة بيتي
سوى بيتي التي لا تحب سوى
كاتلين
بيتي لا تفعل شيئاً في نهارها
عدا الجلوس أمام النافذة
تمسد وبر القطة اللعوب
كاتلين
التي تكره الجميع عدا
بيتي
إلا أن بيتي
حريصة كلّ الحرص
أن تكتب يومياتها
وهذا هو الأمر الوحيد الذي يلهيها عن
كاتلين.

السبت: كاتلين لم تأكل جيداَ
الأحد: أكلت كاتلين صحنين
الاثنين: كاتلين تموءُ كثيراَ
الثلاثاء: كاتلين نظرت إليّ بحب هذا الصباح
الأربعاء: كاتلين فقدت قليلاً من وبرها
الخميس: كاتلين … الجمعة ….كاتلين)
نلاحظُ هنا مقدار الوحدة الذي صارت إليه «بيتي»، لم يعد أحدٌ يهتّمُ بهَا، ولم يعد لها من العالم أحدٌ سوى قطتها، هجرها كل من كان يمكن أن تعتمد عليه في مثل هذا العمر، ولا نعلم هل الوحدة لأنها لم تتزوج مثلاً، أم ربما كان لها زوجٌ وتَركَهَا، ماذا عن أقاربها؟ لا نعرف، لكن لا شك أن أثر الوحدة على المرأة في نهاية عمرها، أكبر من أثرها على الرجل – ربما، فالرجل يستطيع في نهاية عمره أن يجد الأصدقاء، أو أن يتفاعل، لكن عندما ينتهي الحال بامرأة في الثالثة والثمانين من عمرها بألا يكون لها ارتباطٌ بهذا العالم سوى بقطة، فهو أمرٌ يوجِعُ القلبَ، ونُلاحِظُ أن المقطَعَ الذي تلاها مباشرةً كانَ عَن «كاتلين»، لكن ليس «كاتلين» القطة، وإنما كاتلين التي توحي مسميات الأم والأب أنها امرأةٌ من أصولٍ آسيوية.
لقد حاولت الشاعرة مِن خلال الأسماء، ومن خلال الإشارات إلى الأماكن أن تُنوِّعَ بين الجنسيات والأديان والثقافات، فهناك الأسماء العربية، والأسماء الأوروبية بتنويعاتها ما بين الفرنسية، والألمانية واليونانية والإنكليزية، وهناك الآسيوية، وكأنها تُريدُ أن تقول لنا إن المعاناة متعددة ومتنوعة عبر العالم، وبكيفياتٍ مُختَلِفَةٍ، أياً كان العمر أو الجنسية أو الدين؛ حتى أننا نجد أقل المُتحدث عنهن عمراً ذات الستة أعوام «فلورا»، التي تتمثلُ معاناتها في أنها تخاف أن تذهب إلى المدرسة، فتعود ولا تجد أمها.
تترك لنا مرام مساحاتٍ من التخيل لكي نضيف لقالبِ المعاناة ما قد نسقطه عليها من داخل وجداننا، فلا نعرف لماذا تخشى «فلورا» فقدان الأم، هل تخشى أن يطردها أبوها من المنزل مثلاً، أم أن هناكَ مرضاً يتهددُ الأم، لكن من المناسب هنا الإشارة إلى أن الحالات الوحيدة التي استحضر فيها المؤلف ذكوراً كانت لأطفالٍ، فعندما يأتي الحديث عن «سيف» صاحب العشرة أعوام، الذي ينخلعُ قلبُهُ لرؤيةِ أُمهِ تَبكي، ولا يعلم سبب بكائها، أو «بارتروك» ابن الستة أعوام، والذي يأمل في أن يكون ما سمعه ليلاً – كنايةً عن تعرض أمه للأذى ـ هو من التلفاز، لا أن تكون أمه في الحقيقة هي من وقعت ضحيةً لعنف جسدي من الأب ، و«فادي» ابن السبعة أعوام، الذي يتأثر بعالم الأفلام المتحركة فيتناول السبانخ ويتناول الشوربة وكل ما يمكن أن يجعله قوياً، على أمل أن يستطيع أن يدافع عن أمه ضد الوحش، ونلاحظ هنا الكناية المقلوبة عن تسمية الأب بالوحش، وفي مرة أخرى يُسمى بالتمساح، يشير هنا المؤلف بطرق مراوغة إلى الأثر المدمر الذي قد لا ننتبه له عندما نقوم بالاعتداء على المرأة، في ما يتركه ذلك في الأطفال من أثرٍ نفسيٍ مدمر.
المشهدية
على الجانب الشعري، نلاحظ اختفاء الصورة بمعناها التقليدي في تقديم المقاطع الشعرية هنا، حتى في قصيدة النثر، فليس هناك صورةٌ بمعناها المألوف، هناك «مشهدية»، هناك كاميرا التقطت مخزوناً كبيراً من الصور والتوثيقات والوجع، الذي تعرضت له المرأة في محيطات ثقافية مختلفة، ثم ذهبت هذه الكاميرا تعرض أمامنا، لكن بدلاً مِن العرض على شاشةٍ سِينمائيةٍ كَبيرةٍ، تعرض على ورق أبيض، وعبر أحبار سوداء، تعرض بكلمات يتم اختيارها بعناية، وبوصف مشهدي، يجمع بين حس السيناريو، وآليات الخطاب والتلقي، ويضاف إليها تقنيةُ إدخالِ القارئ بخياله وأفكاره المسبقة لإكمال صورة المسكوت عنه، ولم تحاول الشاعرة هنا أن تراود جمالاً فنياً يقوم على تجميل الواقع، وإنما حاولت مُخاطبةَ الروح، ومخاطبةَ الجمال القار في ضمائر النفوس لكي ننتبه، ونتألم، إنها مشهدية توقظ الضمير، توقظه بكل قوةٍ وبشكل مفزعٍ وموجع، حتى ينتبه.
غزة
يصل الأمر إلى ذروته في قصيدة «غزة» التي ختمت بها ديوانها، والتي تستعير لها تعبير الأنثى، فهي في النهاية أنثى واقعٌ عليها ظلم الرجل الصهيوني، وظلم الرجل العالمي الذي يتعاطف مع الصهيوني، وظلم الرجل العربي الذي تخاذل عن نصرتها، تقول:
(غزّة
الأم: فلسطين
الأب: العالم
العمر: قِدم الأرض
الحالة: حصار
المهنة: البقاء
ـــ
هناك
كلّ يوم يسقط طفل من أطفال الأرض
لأمّ من أمهات الأرض
تراه أجمل أطفال الأرض
مضرجاً بالدم
محمولاً على خشبة الموت
بدل
أن يشبّ ويصير رجل الأرض
مثل كلّ اطفال الأرض.
ــ
بدل الهدايا تحت أشجار الصنوبر
في الأعياد
أجسادي ملفوفة بورق هدايا الموت
بدل الأنوار المضيئة في شوارع العالم
شوارعي يضيئُها الموت
صراخي لا يصل لآذان سماء الموت.
وبعد الصدمات المتتالية عن حالاتِ الوجعِ المتنوعة والمتشعبة عبر العالم فيما مرّ سابقاً، إننَا إزاءَ حَالةٍ من حالات الخذلان وضياع الضمير في مواجهة ما تتعرض له «غزة»، فما بال المهتمين بقَضايا المرأة وقضايا النسوية، وحتى قضايا الطفولة، لا يقيمون وزناً لهذه المعاناة، وكأنها ليست موجودة رغم أنها أشد أنواع المعاناة؟ بلدةٌ كاملةٌ تُغتَصَب، وتُكْرَه على ما لا تريد، وأطفالها بدلاً من أن يكونوا شباباً للمستقبل، يصبحون عُدةً للموت، هنا حالة استعارة كبيرة في الموقف، فكل المقاطع السابقة، تقف معادلاً موضوعياً للحَالةِ التي نطالعها هنا، كل ما مرّ من معاناةٍ ومن ألم.