المحامي علي ابوهلال - فلسطين - " وكالة أخبار المرأة "

للمرأة عيدان في شهر آذار من كل سنة تستحق فيه نساء العالم الاحتفاء بإنجازاتهن، بعد سنوات طويلة من الكفاح دفاعا عن حقوقهن، ويخصص العالم يوم المرأة العالمي في الثامن من آذار ويوم الأم في الحادي والعشرين من ذات الشهر، لتكريم المرأة في المجتمع والاعتراف بدورهن ومساهماتهن في مختلف نواحي الحياة.
ويأتي العيدان في هذه السنة في ظل ظروف صعبة وخطيرة تعيشها البشرية في ظل تفشي فيروس "كورونا"، الذي يفتك بالبشرية جمعاء بدون تمييز بين الناس سواء كان بالعرق أو الدين أو اللون أو الجنس، ويودي الفيروس بحياة الآلاف من البشر ويهدد حياة الملايين منهم في كافة بلدان العالم.
تغيب بهجة الاحتفالات بالنصف الأجمل من الناس، وتتلاشي مظاهر الاحتفالات بعيد الأم وعيد المرأة العالمي، في ظل الخوف من انتقال عدوى فيروس "كورونا" الذي بات يهدد دول العالم، وتسود مشاعر الخوف والقلق، ويفرض الحجر الصحي وحظر التجول، لا زيارات ولا هدايا ولا احتفالات عائلية واجتماعية، التي كانت تشهدها العديد من بلدان العالم والمجتمعات، ويبدو أن فيروس "كورونا" - لعنة العالم الجديدة - فرض واقعا مغايرا، على هذين العيدان التي ينتظرها الناس من عام إلى آخر، ويطل العيدان هذا العام من دون أن يحملا في طياتهما أيّ بهجة أو فرح، وهما اللذان طالما كانا عنواناً للحب والعطاء.
إذا كان هذا واقع المرأة بشكل عام في العالم، فكيف هو حال المرأة الفلسطينية، التي تعيش في ظروف استثنائية ليس في هذا العام فحسب بسبب تفشي فيروس "كورونا"، بل في كل عام كونها تعاني من خطر آخر يتمثل في وجود وظلم وقمع الاحتلال الإسرائيلي، الذي يهدد حياتها ومستقبلها منذ سنوات طويلة.
تأتي مناسبة عيد المرأة وعيد الأم هذا العام في وقت تشهد فيه الأراضي الفلسطينية، تدهورا غير مسبوق في الأوضاع الإنسانية، كما تواجه المرأة العديد من الانتهاكات التي ترتكبها قوات الاحتلال الإسرائيلي جراء عمليات الاستهداف بالقتل والإصابة والاعتقال وتقييد حرية الحركة والتنقل، بالإضافة إلى الانتهاكات الإسرائيلية التي تطال حقها في الحياة، وتقوض أسس الحياة الاقتصادية والاجتماعية في الأراضي الفلسطينية على وجه الخصوص، الأمر الذي تنعكس آثاره على غالبية حقوق المرأة الفلسطينية السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
وفي هذا السياق، أوضحت الهيئات الفلسطينية المعنية بشؤون الأسرى أن سلطات الاحتلال لا زالت تحتجز في سجونها 43 أسيرة من بينهن 17 أمّا لعشرات الأطفال، وتُمارس بحقهن إجراءات قمعية وانتهاكات خطيرة شتى من إهمال طبي أو تعذيب جسدي ونفسي، حيث يتعرضن بين الحين والآخر إلى اعتداءات وحشية، سواء بالإيذاء اللفظي الخادش للحياء، والاعتداء الجسدي والتهديد المتواصل، والحرمان من زيارات الأهل والأحكام والغرامات العالية وكذلك الحرمان من التعليم.
كما يتعرضن أثناء عمليات اعتقالهن إلى الضرب والإهانة والشبح والتعذيب، وتُحرم الأسيرات أيضا من أبسط المتطلبات الإنسانية والأغطية والملابس في الشتاء، بالإضافة لبعض مستلزمات النساء كالفوط الصحية وغيرها، عدا عن الظروف المعيشية الصعبة التي يعشنها داخل معتقل "الدامون" ومراكز التوقيف الإسرائيلية.
في ظل انتشار فيروس "كورونا" لدى دولة الاحتلال، تزداد أوضاع الأسيرات صعوبة وقسوة، وهناك قلق دائم على حياتهن ومصيرهن، فهنّ كحال غيرهم من الأسرى يقبعن داخل أقسام تفتقر إلى أدنى الشروط الصحية، وإدارة معتقلات الاحتلال لا تكترث لهن وتمعن بانتهاكهن، وذلك بحرمانهن من وسائل الوقاية والسلامة العامة كالمطهرات ومواد التنظيف والتعقيم، التي من شأنها أن تمنع وتحد إصابة الأسيرات بهذا الفيروس وبالتالي إنقاذ حياتهن.
وينص القانون الدولي في عدة اتفاقيات على وجوب معاملة الأسرى بكرامة، خاصة بالنسبة للأسيرات. ومن أبرز هذه الاتفاقيات: اتفاقيات جنيف، واتفاقية مناهضة التعذيب، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، إلا أن إسرائيل كانت وما تزال تنتهك هذه الحقوق، وتعامل النساء الأسيرات معاملة مهينة وقاسية، وتحتجزهن في ظروف صعبة، وتحرمهن في أغلب الأحيان من الرعاية الصحية، ومن الغذاء الكافي، ومن حقهن في حضانة أولادهن، أو حتى رؤيتهم، بالإضافة إلى أساليب التحقيق والتعذيب المهينة.
كما يأتي آذار هذا العام في ظل تفاقم قسوة الظروف الاقتصادية، وغياب الفعل التنموي وتوفير فرص العمل للمرأة، مما فاقم من مشكلات البطالة والفقر، حيث تعاظمت معاناة المرأة الفلسطينية كونها تتحمل تبعات هذه الظواهر.
وتشير بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني أن الفجوة لا تزال كبيرة أمام مشاركة الإناث في القوى العاملة، وبلغ معدل البطالة بين الإناث المشاركات في القوى العاملة 47.4%، وزادت معدلات البطالة بين النساء الحاصلات على 13 سنة دراسية فأكثر إلى 53.8 من مجموع هذه الفئة من النساء. وفي قطاع غزة ارتفعت نسبة النساء اللواتي يترأسن الأسر بواقع 9.5% في قطاع غزة.
إن هذه التحديات التي تواجه المرأة في المجتمع الفلسطيني، تعوّق من قدرة المرأة على لعب دورها على الصعيد الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، بل ووضعت المرأة الفلسطينية تحت وطأة ظروف بالغة القسوة، وأصبح اهتمامها ينصب على توفير الاحتياجات الأساسية، وبات التمتع بحقوقها الإنسانية كالصحة والتعليم وتولي المناصب العامة التي تستحقها عن جدارة، بعيدة المنال بالنسبة للمرأة الفلسطينية عموما وفي قطاع غزة على وجه الخصوص.
قضية المرأة هي قضية سياسية واقتصادية واجتماعية وفكرية وأخلاقية وثقافية، تهدف إلى تحرير طاقات وابداعات النساء التي تعد نصف المجتمع لإثراء حياتهن وحياة شعوبهن.
قضية المرأة هي قضية الوطن والمجتمع الذي يستوجب إلغاء تحيزه الذكوري، ويكف عن كل ممارسات العنف الذي يمارس ضدها سواء كان عنفا ماديا أو عنفا معنويا.
واعترافا منها بما تعانيه المرأة الفلسطينية من عذابات تحت الاحتلال، اعتمدت الأمم المتحدة المعنية بوضع المرأة مشروع قرار بعنوان "حالة المرأة الفلسطينية وتقديم المساعدة إليها" في آذار 2013.
ويؤكد القرار أن الاحتلال الإسرائيلي لا يزال يشكل العقبة الرئيسية التي تحول بين النساء الفلسطينيات وتقدمهن واعتمادهن على النفس ومشاركتهن في تنمية مجتمعهن.