عاطف بشاي - مصر - " وكالة أخبار المرأة "

«أنا رجل.. الآمر الناهى.. لا أقبل على سلوكى أى ملاحظة.. وما عليك إلا الطاعة.. فاحذرى أن تدفعينى إلى تأديبك».
هذه العبارة الحازمة الباترة كانت هى رد الفعل الدامغ «للسيد أحمد عبدالجواد» فى رواية «بين القصرين» لـ«نجيب محفوظ» حينما خطر لأمينة فى العام الأول من زواجهما أن تعترض بأدب على سهره المتواصل كل ليلة.. والموقف حيال المرأة الذى يصور فيه نجيب محفوظ الحياة الاجتماعية (1917- 1944) مجسدة فى علاقة المرأة بالرجل.. وكيف يصفها «قاسم أمين» فى كتابه «المرأة الجديدة» بأن نظرة الرجل إلى المرأة يمكن تلخيصها- فى ذلك الوقت- أن الرجل يرى المرأة كائناً أدنى منه وجدت فى الحياة كسلعة تباع وتشترى.. لا كائن إنسانى مساوٍ له فى الحقوق.. والزوجة المثالية هى تلك المطيعة المستسلمة التى تعيش فى كنفه كجارية مقهورة.. تكون فى خدمته حينما يعود إلى المنزل للأكل والنوم.. فتقف فى قفصها خلف المشربية تلقى نظراتها من الثقوب المستديرة التى تملأ أضلافها المغلقة إلى الطريق.. ويقول قاسم أمين فى ذلك إن المرأة كانت تلتزم بستر أطرافها والأعضاء الظاهرة من بدنها بحيث لا تتمكن من المشى.. ولا من الركوب.. بل لا تتنفس ولا تنظر ولا تتكلم إلا بعد مشقة.. يعكس نجيب محفوظ صورة المرأة إذًا فى ثلاثيته خلال تلك الحقبة كخادمة فى ظل وجود الرجل الذكورى الطاغية.
لكن الصورة السلبية للمرأة كما صورها نجيب محفوظ لم تخرج إلا قليلاً فى رواياته عن كونها إما هامشية تابعة للرجل أو عاهرة بائسة فى مجتمع ظالم يفرض عليها أيضاً هذه التبعية.. حتى لو كانت تعول أسرة وبفضلها أصبح أخوها ضابطًا ذا شأن كما هو الحال فى رواية «بداية ونهاية».. إن «نفيسة» تخضع لإرادته الذكورية بالانتحار بعد ضبطها وهى تمارس الدعارة.. بينما هو فى نظرته للمرأة لا تتجاوز فكرة استغلالها لصعود طبقى مأمول.. فحينما طمع فى الزواج من ابنة باشا عبر عن هذه الأمنية وهو يردد لنفسه: هذه امرأة إن ركبتها لركبت طبقة بأكملها..
وفى رواية «السمان والخريف» فإن «ريرى» العاهرة التى التقطها «عيسى الدباغ» من الشارع لعبت دورها بلباقة وهو دور فوق مرتبة الخادمة (إلا قليلاً) لكنه دون مرتبة السيدة.. فتجنبت أن تثقل عليه بأى صورة من الصور وهو يذكرها دائماً بأنه.. عندما يأتى الربيع سيذهب كلانا إلى سبيله.. فترد بذلة: «أنا لن أنجب حتى تأمر بطردى».. وبالفعل فإنه يطردها بقسوة بالغة حينما تخبره أنها حامل صائحاً فيها: «أهذا جزاء إيوائى لك؟!.. لا ترينى وجهك من الآن.. وإلى الأبد..».
و«قدرية» فى رواية «حضرة المحترم» هى أيضاً عاهرة ورفيقة عثمان بيومى فى درب الدعارة تماثله فى السن وتتسم بالترهل والبدانة.. نصف سوداء فى ضخامة بقرة مكتنزة تحمل فوق كاهلها نصف قرن من الابتذال والفحش كما يصفها «نجيب محفوظ».. وعثمان بيومى وعلاقته بـ«قدرية» التى تتطور بينهما إلى صداقة ويلزمها بالنقاب باسم الحشمة فى الظاهر وفى الحقيقة خوفاً من أن تقع عليها عين زبون قديم أو حديث.. ويطلب منها تجنب الاختلاط بالجيران.. وكان يخشى أن يقع خلاف بينها وبين إحدى الجارات فتنسى تحفظها وتتفجر براكين الفحش الكامنة فى أعماقها. أى أن الصورة السلبية للمرأة- فى أغلب أدب نجيب محفوظ- تتأرجح بين «ست البيت» المقهورة اجتماعياً.. وبين العاهرة المقهورة اجتماعياً أيضاً.. وهى فى كل الاحوال تتبع رجلاً هو سيدها المطاع.