حسونة المصباحي - تونس - " وكالة أخبار المرأة "

رغم مشاغل وهموم الحياة إذ أنها متزوجة، وأم لطفلين، ومعلمة في مدرسة ابتدائية بمدينة سيدي بوزيد بالوسط التونسي، فإن الروائية والقاصة التونسية زهرة الظاهري لا تكاد تنقطع عن الكتابة، جاعلة منها وسيلتها المفضلة لسرد ذكريات طفولتها المعذبة، حيث نشأت وسط عائلة بدوية قاسية ومحافظة، ورجالها كارهون للمرأة، ومتطرقة إلى مواضيع تتصل بحياة النساء في منطقتها حيث لا تزال التقاليد صارمة، ومؤثرة بقوة في حياة الأسر من مختلف الفئات.
طفولة قاسية
غالبا ما تكون النساء في هذه المنطقة موظفات صغيرات يعشن حياة رتيبة خالية من المفاجآت.
وهن غالبا ما يكبحن عواطفهن، ويخفين أسرارهن لأن الكشف عنها قد يُعَرّضُهُنّ إلى ما يزيد في تنغيص حياتهن.
في جل قصص زهرة الظاهري المكتوبة بلغة سلسة، نجد جل النساء ضائقات بالحياة الزوجية في منطقة تكاد تكون خالية من وسائل الترفيه، ومن المرافق التي تخفف من رتابة الحياة اليومية. لذا تكثر كوابيسهن، وتتعقد حياتهن لينعكس كل ذلك سلبيا على الجسد والروح.
وأما الرجال فهم غلاظ القلوب والنفوس. وهم قساة تجاه الأطفال والنساء. والرجل الذي يكون رقيق الإحساس، وطيب السريرة يجد نفسه مكروها من قبل الرجال الآخرين، ومعزولا في تلك المنطقة التي لا تزال فيها قيم الرجولة والشرف، تتحكم في حياة الناس.
عن تأثيرات طفولتها، تقول زهرة الظاهري “لا أعتقد أنه يمكن لأحد أن يكون بمنأى عن طفولته بكل ما تحمله تلك الحقبة من حياتنا من ذكريات وعبث طفولي وشقاء أيضا. وقد عشت شقاء لازمني منذ طفولتي الأولى. لذلك لا يمكن أن أتغنى كما كان يتغنى أبوالقاسم الشابي في قصيدته الشهيرة ‘لله ما أحلى الطفولة  إنها حلم الحياة‘ بطفولة مشوبة بالفقر والحرمان والعنف المسلط على طفلة متمردة من لدن أسرة بدوية، منحازة كل الانحياز إلى أخلاقيات المجتمعات المتكلسة”.
وتضيف الكاتبة “تلك العائلة حرمتني من أن أنعم بطفولة هادئة ومتوازنة، وهذا ما ينعكس في جل القصص المستوحاة من طفولتي في الريف، قرب سيدي بوزيد، بالوسط التونسي المعروف بنعراته القبلية، وبتمسكه بالشرف، وبإشادته بالرجولة بمفهومها البدائي”.
وفي سنوات المراهقة، شرعت زهرة الظاهري تكتب خواطرها ومشاعرها لتجد في ذلك ما خفف عنها عذابات الحياة في البيت العائلي، وخارجه.
وهي تقول “ألم يقل كافكا ‘الكتابة انفتاح جرح ما؟‘ ربما لهذا السبب بالذات، كنت منذ طفولتي الأولى المشوبة بالقسوة والحرمان ألوذ بالكتابة التي أصبحت شيئا فشيئا هاجسا يسكنني وإدمانا يرافق شجني ونسجا لكياني المتشظي يرى في الثبات موتا. أما الحياة فهي النظر إلى كل الأقاصي البعيدة والتحليق بخيالي إلى آفاق لا متناهية”.
وتتابع الظاهري “كنت منذ طفولتي مُتخمة بأسئلة تقض مضجعي فتراني أقوم في آخر الليل والجميع نيام أعدو خلف تلك الأشياء الممنوعة من المجاهرة بها أو التلميح إليها أو حتى مجرد التفكير فيها لتكون شغلي الشاغل الذي يكبله الخوف فترتد داخل أعماقي لتتمظهر في شكل أسئلة حائرة أدونها خلسة، أعود إليها كلما انتابني شعور بضيق الأماكن”.
تعبير إنساني
تقول الكاتبة التونسية “لاحقا اكتشفت أن كل ما بيني وبين الكتابة حكاية عشق، عشق مشوب بالأرق والضجر حين أكون قد ضقت ذرعا بكل ما يجري من حولي فأهجر الجميع وألوذ بعزلتي أمارس لعبة التخفي والمشي في الطريق وحيدة أتأمل العالم من حولي وأدَوّنُ خربشاتي الصغيرة التي بدأت بخواطر مراهقة لتتحول إلى نصوص أدبية لامرأة ناضجة تحاول أن تكون مواكبة رغم عزلتها لكل ما هو جديد في عالم الأدب والكتابة”.
إلاّ أن هذا الإقبال المبكر على الكتابة، رافقته أيضا رغبة محمومة في قراءة مؤلفات كتاب تونسيين وعرب.
عن ذلك تقول زهرة الظاهري “في الحقيقة، كنت مغرمة منذ طفولتي بقراءة كل ما تقع عليه يدي حتى تلك الصفحات المتناثرة التي أجدها صدفة على حافة الطريق. وبما أن الكتاب لم يكن متاحا لي بتلك السهولة المتوقعة فقد كنت أكتفي بقراءة ما ينشر في الصحف التي كان أخي الأكبر  يقتنيها. وحين لاحظ شغفي بالقراءة أصبح يقتني لي بعض المجلات وبعض القصص”.
وتتابع الظاهري “بدأت رحلتي مع مجلة عرفان وبعض قصص الأطفال التي ما زلت أذكرها حتى اليوم. ثم في مرحلة ثانية، عقدت اشتراكا مع مكتبة المعهد والمكتبة العمومية فقرأت لكتاب كثيرين تونسيين كمحمد العروسي المطوي والبشير خريف وعبدالقادر بن الحاج نصر وعلي الدوعاجي ومحمود المسعدي وغيرهم. وعرب كإحسان عبدالقدوس والمنفلوطي ومحمود تيمور ونجيب محفوظ وتوفيق الحكيم وطه حسين وحنا مينه الذي أثرت فيّ كتاباته كثيرا”.
أما الكتاب الأجانب فقد كان لفكتور هوغوو والبير كامي وساراماغو وفلوبير وغيرهم ممن قرأت لهم تأثير كبير على كتاباتي في ما بعد.
وبسبب مشاغلها، وبعدها عن العاصمة، تجد زهرة الظاهري نفسها مجبرة في غالب الأحيان على العيش في شبه عزلة تقريبا عن الحياة الثقافية في تونس إذ نادرا ما تواكب فعاليات الملتقيات الأدبية. مع ذلك هي تبذل كل ما في وسعها لمواكبتها عن بعد، والتعرف على  كل ما هو جديد في المشهد الثقافي والفني والإبداعي إذ أن الفضاء الرقمي يكسر عزلتها ويقربها من العالم حتى البعيد عنها.
ولا تعتقد زهرة الظاهري أن هناك كتابة رجالية وأخرى نسوية، وهي تقول: بما أن المتداول عن الأدب أنه شكل من أشكال التعبير الإنساني عن مجمل شواغل الإنسان وهواجسه وأفكاره فمن المفترض أنه لا مجال للحديث عن كتابات رجالية وكتابات نسوية. فالمرأة المبدعة  مثلها مثل الرجل من المفترض أن ننظر إلى نصها بكونه إبداعا بمنأى عن الفوارق الجنسية إلا أن الحقيقة في الكثير من الأحيان تكون عكس ذلك فالمرأة المبدعة ما زالت لم تتحرر بعد من أخلاقيات المجتمع الذكوري وهو ما أراه نوعا آخر من العنف المسلط ضد المرأة المثقفة وهو عنف اللغة وعنف الفكر.