ايناس البدران - " وكالة أخبار المرأة "

ترى هل بالغ الشاعر الفرنسي اراغون وركب بخياله متن الشطط حين ردد مقولته الشهيرة (المرأة لا الملوك مستقبل العالم ) ؟ هل امتد ببصيرته الى ما وراء المنظور مستمدا من موهبته الفذة القدرة على استشراف المستقبل ورؤية اللامرئي؟
 كيف لا وهو القائل”لو وقف جميع رجال الارض لمدة خمسين عاما متصلة يعتذرون للنساء عمّا فعلوه بحقهن على مدى التاريخ البشري لما كان هذا كافيا “.
لعله استشعر بإحساس الشاعر المرهف هول معاناة المرأة من ظلم وتعسف واستغلال قديم وحديث يتناقض مع ابسط القيم والمباديء الانسانية الارضية والسماوية .
مخطيء من يظن ان المرأة نصف المجتمع انها المجتمع كله ومقياس تقدمه وتحضره وازدهاره ،هي معزوفة الحياة بكل تجددها وألقها ،وهي المعمل الثقافي الذي يخرّج الأجيال ورفيقة الدرب الى جانب الرجل في خدمة المجتمع وبناء الوطن فهي شقيقة الرجال وهي نبع الحنان التي جعلت الجنّة تحت قدميها . بدونها وبدون مشاركتها الفعلية على كافة الصعد لا تستقيم حياة ولا تتحقق نهضة ولا تنمية مستدامة فكيف لمجتمع ان يسير ونصفه مشلول ؟! لذا فان النهوض بواقعها والاهتمام بمعاناتها والسعي لايجاد الحلول الجذرية لمشكلاتها عبر وضع الخطط الاستراتيجية–طويلة الامد وآليات التنفيذ ،كل هذا يشكل تحولا كبيرا ونوعيا على طريق التقدم .
 ولعل من اهم الاسس لتحقيق التنمية البشرية في اي مجتمع هو ضمان تمكين المرأة ووصولها الى الموارد (الارض الدخل القروض)والتي يبدو بشكل جلي عدم التكافؤ في حصولها عليها مقارنة بالرجل .
ومع ارتفاع نسبة البطالة بشكل غير مسبوق في بلدنا وتزايد عدد الارامل والايتام الذي قدر بحسب اخر احصائية لمنظمة هيومن رايتس ووج عن السنوات الاربعة عشرة الاخيرة اكثر من مليوني امرأة تتراوح اعمارهن بين 15  الى 52 عاما .وأيتام زاد عددهم عن خمسة ملايين ونصف . اضافة الى اربعة ملايين فتاة عانس وجلهن بلا مورد.وقدرت نسبتهن بــ 70  بالمئة كما نجد ان 76 بالمئة من الارامل لم يتقاضين فعليا رواتب اعانة اجتماعية من الدولة علاوة على ضآلة وهزال هذه المعونة وعجزها عن سد خانة بسيطة من احتياجاتهن . في الوقت ذاته تعلن وزارة التخطيط ان نسبة الفقر في بلدنا البترولي بلغت 20 بالمئة عام 2018  او حسبما افاد تقرير لصندوق النقد الدولي من ان ثمانية ملايين عراقي يعيشون تحت مستوى خط الفقر ،اي ان شخصا واحدا من بين كل خمسة يعاني فقرا مدقعا .وبالتأكيد فان للنساء الحصة الكبرى في هذه القسمة الضيزى .
 وعلى الرغم من ان الدستور العراقي يكفل لكل عراقي حق التملك دون اي تمييز على اساس الجنس او غيره الا ان اعرافا مخالفة لاتزال قائمة وتحد من تمتع النساء بهذا الحق لاسيما في الاراضي الزراعية حيث يتجاوز عدد النساء العاملات في المجال الزراعي الثلث .ومما تجدر الاشارة اليه ان الدستور العراقي لم يرق في تعامله مع مسألة الملكية الى تعامل دول عربية اخرى مثل تونس والمغرب حيث اقرت كل منهما مبدأ اللكية التشاركية للاسرة اذ يعتبر منزل الاسرة ملكا مشتركا للزوجين . كذلك تكفل قوانين العمل في العراق مبدأ المساواة غير انها غير مطبّقة بصورة عادلة .
 ولعل من المفيد الاشارة الى ان بلدنا بصدد التحول نحو اقتصاد السوق وهو ما يضع النساء امام بيئة متغيرة الفرص وفي الوقت ذاته تحوي الكثير من التحديات اذ يسود مبدأ التنافس وتتراجع فرص العمل التي تتيحها الدولة اي القطاع العام الذي كانت تشكل فيه النساء النسبة الأعلى ناهيك عن الضمانات التي توفرها والتي غالبا ما يفتقر اليها القطاع الخاص والمختلط .
 وتعد الاعمال والمشاريع الصغيرة والمتوسطة الصناعية والخدمية من ابرز استراتيجيات تنمية الاعمال والنهوض بها التي اخذت تسود بشكل لافت اقتصادات الدول الغربية فيما تحذو حذوها الدول النامية التي وجدت في هذا التوجه تناغما مع مع ما تعانيه من افتقار لرؤوس الاموال الكبيرة وهشاشة البنى التحيتة،وعدم التكامل اضافة الى ارتفاع معدلات البطالة وعدم استقرار سوق العمالة .
 ان دعم مثل هذه المشاريع الصغيرة والمتوسطة ورعايتها من قبل الدولة يعدّ استراتيجية فعالة في بناء الاقتصاد الحر ووسيلة ناعمة للمساواة والعدالة والنهوض بواقع شريحة كبيرة ومهمة وبخاصة اذا ما تم توفير السلف (بدون فائدة )والتجاوز عن الضمانات العقارية وإحاطة المشاريع التي تملكها وتديرها النساء داخل او خارج بيوتهن برعاية ومزايا خاصة كتوفير الدعم والمنافذ التسويقية لضمان تدفق موارد طيبة للمرأة التي اصبحت المعيل لأكثر من45  بالمئة من الاسر العراقية ،كما ان اعادة تشغيل 13328 معملا ومصنعا ومؤسسة انتاجية كل هذا من شأنه امتصاص اعداد هائلة من العاطلين عن العمل .
  ان المستقبل للمراة لترمم بأناملها الحنون خرائبه وترأب صدوعه وتلم شعثه وتداوي جراحه وتردم الهوة التاريخية التي اوجدتها المصالح السياسية والاقتصادية وهو ما يلتقي مع دراسة لمعهد بحوث بريطاني تفيد بأن العالم سيصبح بأيد أمينة اذا ما آلت اموره الى النساء .