القاص والكاتب: عبد الجبار الحمدي - العراق - خاص بـ " وكالة أخبار المرأة "

قصصت رسالتي الى البحر في زجاجة وظللت أنتظر الرد بقيت.. وبقيت حتى قهقهت دامعا وأنا أمسك بفلينة غطاء الزجاجة وقد أزهقت روحها حتى صرخت يا لخيبتي..
هيه أنت ماذا تفعل بي؟ لقد حطمت أضلعي، أزهقت أنفاسي ماعدت أريد مجاراتك... إنك لمجنون حقا، كم زجاجة لم تغلقها رميت بها وأبقيت غطائها بين يديك تزهقه... من أجل ذلك لا يقبل البحر منك أي رسالة.. أنظر الى افقه أترى ما يشعرك بالأمان، أتحس انه يمكنك أن تسبر اغواره؟ أترجو ان يعطف على رسالتك لينقلها بأمانة الى من تظن أنها تحلم بك... لاشك أنك واهم فالحب لا يطفو على اسطح البحار ولا يوضع في زجاجة محكمة الإغلاق حتى الامنيات او اي كان يدور بخلدك لا يمكن لبحر متقلب الأمواج أن يوصلك غايتك، عليك أن تركبه تمخر عبابه ليختبر جلدك عنادك وصبرك فعاتيه لا يمكن لأي شخص ان يسلكه مالم يكن ربان دون طود نجاة...
كان شاردا هو بعد ان توقف نظر الى قطعة الفلين التي اهلك أطرافها.. همس يا لنفسي!! بت اسمع حديث الأشياء كأني أصبت بلوثة من الهوس... الهوس وهل لي غيره، إنه قريني الذي يتبعني أينما كنت مع الصحب إن وجدوا او في وحدتي التي اصحب، اللعنة عليك... لم قلت إن أردتني حقا حورية ايامك أرسل لي برسائل الحب حيث أقيم إن عالمي، البحر شغفي به لن ينتهي ويدوم الى ما بعد الموت أريد منك ان تلقي بي او برفاتي الى بطنه كي ابقى احيا عنفوان الحياة.... تلك كانت امنيتها الاخيرة وهي تحدثني، لا ادري كيف ومتى جاءت حيث الفنار الذي كنت اعمل فيه، عادة ما أقضي ليلي أقرأ او استمع الى سمفونية قديمة كانت من ضمن الاشياء التي تركها من خلفت مكانه... لقد وجدوه ميتا لأيام دون علم منه غير أن من كان يجلب المؤونة الاسبوعية هو من كشف عن موته... صار نصيبي أن أنام على فراشه بعد ان عدلت فيه... فكلما رميت بجسدي أشعر ان هناك من يزاحمني المكان، يزداد اختناقي أكثر عندما استمع الى السمفونية إن انفاسه وآهات وحدته تشاركني خيالي في الوجع حتى وجدتها، في تلك الليلة نزلت كي استطلع مكان الفنار وقد تلاطم موج البحر معلنا ان شيء ما أثار غضبه، فأخرج يديه ليصفع كل من على سطحه يشق بطنه وصدره دون  هوادة.. يشعر بالإهانة كلما كثرت البواخر والسفن تلك التي تجوب صدره محدثة جلبة لا يرغبها، غير أن قدر شاء فأنصاع لأمره... مع ذلك غالبا ما يُسَخر عاتيات موجه بالعمل على لطم تلك الآفات التي ركبها الإنسان رغبة في تمكين سلطان... كانت ملقاة بين الصخور القريبة للفنار غائبة عن الوعي ضعيفة الأنفاس بالكاد تتحرك... ساعات طويلة بقيت الى جانبها أعمل على محاولة انقاذها، بدا جسمها متجمدا فالبحر والجو لا يتوائمان ابدا كلاهما يتصارعان دون غلبة... الضحية كانت هي، تساءلت وانا افرك وجهها، صدرها ويديها، من أين جاءت؟ وكيف؟ فالمكان يكاد يكون بمعزل إنما هو كذلك، ربما كانت بمركب صغير لم يقوى على مجارات هياج البحر فحطمه ورمى بمن فيه...
بملعقة قرب من شفتيها شراب ساخن كان قد اعده حساء له قائلا:
هيا ساعديني اشربي كي تستعيدي حرارة جسمك إنه ساخن على مهلك لكنه سيترك أثره عليك هيا... كانت تشرب كلما قرب من فمها الحساء حتى جاءت عليه.. فقال يبدو أنك جائعة أيضا حسنا سأضيف على الحساء قطعا من الخبز حتى يمكنك أبتلاعه.. نهض عنها فإذا بصوت دافيء يقول: لا شكرا لك سيدي إني اشعر بالدفئ الآن اما الجوع فمقدور عليه... شكرا لمد يد العون في انقاذي هلا سمحت لي بالراحة الآن؟ لم يكن بد من الانصياع لما قالت، لم يحاول ابدا وقد بهت لونه وهو ينظر الى وجهها المضيء وصدرها الذي يعلو ويخفت، بادره شعور غريب إنه لم يقترب من إمراة بإنوثتها منذ زمن بعيد جدا لكأنه نسي عالم النساء.. تعرق كثير عندما امسكت بيده مكملة حديثها... لاشك ان لديك اسئلة كثيرة؟ دعني الآن وعندما استعيد نفسي اجيب عن كل ما يدور بخلدك.. شعر ولأول مرة بأن شيئا غريبا حقا قد لامس يده الخشنة التي اعتادت الحبال والفأس والاخشاب الاعمال المضنية التي تحتاج الى شدة وقوه ... يا الله إن ملمس يديها كالحرير أما وجهها وصدرها بل هي كلها لاشك انها حورية إنسية رمى بها البحر انتقاما كونها لا ترغب ان تركب معه عاتي موجه... فكم اهلك قبلها مثلها من القرون...
جاء الصباح وقد استيقظت وهي تجوب بمساحة المكان الذي دخلته لكن لا يوجد احد فيه، خاليا نهضت عن الفراش وهي تنادي سيدي هل انت هنا؟ هل هناك احد ما يسمعني؟ لكن لا رد لسؤالها.. كان قد خرج يؤدي ما عليه من واجب يلحظه فالبحر يرومه وفناره الذي اشبه بسكينة خاصرة في بطنه عدة مرات حاول ابتلاعه بمن فيه لكنه يفشل فالامر ليس مناط فيه وحده.. بعد ان اتم عمله عاد ليجدها جالسة قبالة المدفأة الصغيرة وبيدها كأس من الشاي الذي وجدته على النار، جفلت أول وهله وهي ترى هالة ضخمة تطل عليها قائلة: أوه صباح الخير سيدتي ارجو أن تكوني بخير، بالأمس لم يكن بأستطاعتي عمل اكثر ما قدمت لكن إن شئت قبل قليل ابرقت الى الاخوة ليرسلوا قاربا لنقلك الى البر الأخر..
لا شكرا لك سيدي: يبدو اني أشكل عبئا عليك لذا تحاول التخلص مني بسرعة.. ألن ترغب بمعرفة كيف وصلت الى هنا؟ ام إنك لا تحبذ ذلك؟
لا ابدا سيدتي لكني لست فضوليا، كما أعلم جيدا ان من حقي ان أسألك، وربما اعلم جيدا ربما انك لا تقولين الحقيقة او غيرها، لذا اعفي نفسي عن السؤال تحرزا.. على اية حال لقد ابرقت للنقطة المركزية وابلغتهم عنك وقريبا سيأتون لأخذك او ربما بعد الظهر..
حسنا شكرا لك... كان يهم لعمل ما غير أنها قالت: كنت على مركب مع شلة من الاصدقاء لم اكن قد التقيتهم لكن صديقة لي تعرفهم،عرضت علي ان اسايرها فالرحلة مجانية والطعام متوفر إنها متعة لقضاء يوم او اكثر غير انها لا تعلم اني كنت ارغب في الانتحار بعد ان خانني من احب مع اعز صديقة لي وتلك حكاية تتكرر كثيرا.. طوال الرحلة رغم ان العديد من الشباب حاولوا التقرب مني لكني صددتهم وانزويت حتى امتلأت نفسي بالسواد وشيء ما يدفع بي والآخر ينادي علي بتنفيذ ما قررت فعله.. كان البحر واجما ينتظر ردة فعلي كأني أراه يفرك براحتية فرحا بما سأفعله.. دفعني الفضول الى رمي زجاجة خمر كنت اخذتها من الحفل بعد ان ازلت غطائها ورميتها.. بجانب المركب فإذا بها تغطس بسرعة.. تمنيت ذلك لنفسي إذن سيلتهمني البحر بسرعة دون عذاب... سارعت موجه تلطم المركب بالذات المكان الذي اقف عنده كأنها تخبرني وتوعدني بأنها ستفعل ذلك... هاجس غريب، صوت سرى بداخلي جعلني ادخل عالم من الغيبوبة كتلك التي يمارسها اصحاب التنويم المغناطيس... لا أدري لحظات كنت في جوفه يبتلعي ثم يعيد فيتقيأني الى خارج جوفه... هكذا بقيت كأني لحمة غير مستساغة بالنسبة له فرمى بي حيث وجدتني، لم يعلم أصحاب المركب ما الذي حصل لي.. ربما هم الآن يتلاومون بينهم او ربما ابتلعهم بدلا عني لا أدري.. تلك هي حكايتي سيدي حسبت نفسي زجاجة او رسالة في بطنها قد تصل الى من بيده القدر ليعيد صفحة حياتي الى الوراء قبل الخيانة... لكن لا مناص من القدر... حقيقة لم اصدق ان رسالة ما ستدوم اكثر من حادثتي علها تصفع من احببت كي يشعر بفعلته الشنيعة فالخيانة شيء مرير مقيت أليس كذلك؟
سيدتي إنك تسألين الرجل الخطأ، فأنا لا أعرف ما تتحدثين عنه، ولا اتذكر اني مررت بعلاقة مع امرأة ابدا حتى اشعر بمضاضتك لكن تأثيرها باد عليك، وعلِ حين اقول لك الحياة فيها الكثير والامل يحدو من ينشده إن أراد كذلك اليأس ينال من يروم افتراسه لبؤسه ورغبته في ان يكون مسحوقا تعسا... إن عالمنا كالبحر متلاطم لا يبقى عليه إلا من أجاد ركوبه وما الفنار إلا خير دليل فهو كالزجاجة المحكمة الأغلاق تحمل رسالة النجاة لكل تائه في عالم الظلمات هذا رأيي حسب ما اعلم من معرفة..
صورة جميلة وإن كانت خشنة المعالم... عموما شكرا لمساعدتك سأنتظر المركب القادم، لأخذي ارجو ان تتحملني قليلا...
لاشك يا سيدتي فالمقام مكانك حللت أهلا
اقترب المساء وقد تأخر المركب كانت هي تتجاذب الحديث معه طويلا خاصة ان عمله قد اقتصره مبكرا كي ينال من جاملها شذا، فعالم الانوثة جميل إذا ما عرفت كيف تسايره..
امسكت بالزجاجة التي كان نصف ممتلئة وقالت ما رأيك نشرب أنا وإياك نخب المصادفة والمعرفة الجديدة... لا ترفض ارجوك..
ابدا على العكس سيدتي بل ارحب بذلك...
سكبت له ولنفسها حتى افرغاها، بعدها وضعت شفاهها على فم الزجاجة ومن ثم احكمت إغلاقها وقالت له... انظر سأرميها بعيدا حيث لا ادري ان كانت ستصل الى من عنيته، قلت امنيتي بداخلها إن رغبت اسمعتك إياه؟ فإن لم ترغب سأتركها الى البحر ربما يعيدها اليك وتعيد فتحها لتسمعها بعد ذهابي....
سيدتي كيف يكون ذلك إنها مجرد زجاجة في بحر هائج، فليس كل حكايا البحر او أحلام مجانين البحر صحيحة.. عموما حسنا ارمي بها ربما ستعود بعد ان تذهبي وأعدك بأن افتحها واسمع ما بحتي به اليها..
أيامت قفت بظهرها لا عمل له سوى صورتها وحديثها واستغرابه!! كيف سمح لنفسه بأن يتركها تضيع من بين يديه... كثيرا ما يجلس بنفس المكان يتذكرها وضحكتها.. يا إلهي ما هذا إنا زجاجة!! لا شك ان اتخيل نعم إنها نفس الزجاجة سارع إلى تناولها ودون تردد فتح الغطاء وقربه من أذنه... شعر ان صوتا يقول له: ساكون معك الى الابد وستندم انك فرطت بي لقد شعرت بدفئك وطيبتك كم تمنيت ان تطلب مني البقاء لكنك لم تفعل.. سارحل كما قلت حيث بطن البحر الذي وعد،ي قبل لفظي من بطنه إن وجدت من يرغب بي للعيش معه سيبقي على حياتي وإلا سينشد دعوتي لأكون في جوفه والى الابد... صرخ بأعلى صوته لا ارجوك لقد كنت خجلا أن ابين مشاعري لك، لقد خانتني نفسي هذه المرة سامحيني... أمسك بالزجاجة وحدثها طويلا ثم رمى بها دون ان يغلقها كي تدخل اعماق البحر علها تصادف وتعيد من اهمل رغبتها بخجله وفقدها الى الابد.