القاص والكاتب: عبد الجبار الحمدي - العراق - خاص بـ " وكالة أخبار المرأة "

كما كل ليلة عندما يأتي المساء متأخرا مثل لوني أنسل بين ازقة الطرق المؤدية الى جحري ذو الفسحة الواحدة، قفا العمر يرفع اعلاما مرة خضراء ومرة حمراء على سكة سير قطار صدأت وعواءه الذي يطلقه عندما يضيق صدره نافثا زفيره الموجع، فما ان ينتهي عملي حتى اعرج على خمارة تعسة شبه نائية لمن يرتادها مثلي، أغمس فيها تعبي وأنا اعب الشراب الأبيض من العرق الذي استرضعه ما بقي لي من زمن بعد أن عثروا علي عند جدار جامع... كثيرا ما أقهقه عاليا حينما تنتابني حالة هستيريا السكر التي تشعرني بأني انتعشت فأقول لنفسي... هذا هو حالك وامك التي تركتك عند جدار جامع، ترى كيف يكون لو تركتك عند باب خمارة ههههه؟ يشاركني الضحك بأطراف الحديث النزق من يجالسني مترنحا، فنحن بتنا شلة مخمورين نشرب حليب السباع ونزأر فيما بيننا على زمن خرج بعيدا عن مساره وهو يلقي بنا في بطون لزمت تمارس الدعر في عالم أسلامي العدالة، هكذا يسميها مظلوم عدالة القدر بينما يقوم بتوزيع الاسماء هذا ابن فلانة وذاك إبن فلان، هكذا يسقطنا من يستفرغ مَنِيَه كأنه قيء فائض من أكلة غير مستساغة.. بعدها يقوم بالضرب على الطاولة ويغني ( مظلوم أنا مظلوم هذا هو حالي يسألني تعبان على اللي جرا لي) ويبقى هكذا حتى يلفظ آخر شهقة يسقط فاقدا وعيه... تعودنا عليه، مظلوم يمثل كل واحد منا رغم أنه ابيض اللون كما اعرفه غير أن الايام حولته الى أسود بعد ان طمرته عاملا في أنابيب المجاري بعيدا عن ضوء الشمس فزاد حنقه على كل شيء... اضحك عندما أجده متأنقا فهو يدرك اني سأقوم بالتعليق والاستهزاء، لذا يسبقني الى القول: تعبان لا تعلق فأنا أعرفك جيدا، فألزم لساني الصمت حتى الكاس الرابع، عندها تبدأ سمفونية النكات خاصة عندما اقول اين ستقيم حفلتك اليوم؟ وبأي جارور وماهو رقم غطاء المنهولة؟ هستيريا الضحك تصيب كل من في الخمارة الخربة حتى هو يرد قائلا: إنه نفس جارور ميلادك ومنهولة الرذيلة التي جئت منها يا تعبان، واقعا لا يهمني ما يقول فأنا من بدات الحرب ويبقى حالنا هكذا حتى تغلق الخمارة ابوابها، بعدها أعود قافلا حيث جحري الأسود كجرذ.. أكره أنارة أعمدة الشوارع العمشاء تلك التي تكشفني للمارة كأني شبح وهم يرمونني بنظرات مزرية، ابتلعها مثل مرارة وحرقة العرق دون مزة ،تلسع كسوط جلاد حاقد... امسك بالجدران ما دامت تساندني، واستعين بخيالي المترنح عندما لا يكون هناك من استند عليه فتجدنا نرقص الفالص دون موسيقى... لا ادري لم تأخذني أقدامي حيث الطريق الذي فيه الجامع حيث وجدوني بجواره، ربما أسأل نفسي كي يريني قدري أني إبن خطيئة، يلزم ذلك علي ليرشدني الى الجحيم الاسود... أسود لكني فعلا أعيش الجحيم فأنا حياتي سوداء كالحة ولوني ايضا اسود، تلك مسألة حيرتني كثيرا حينما استهزأ بي مظلوم مع رفاق الخمارة... سألني مرة ضاحكا... ترى يا تعبان كيف أكتسبت لونك عن طريق أمك؟ أم عن طريق من فسق بها، ثم يضحكون بقهقه رغم مشاركتي لهم دون أن ابين أنها صفعات تنهال على آدميتي النتنة .. فأشرب واشرب حتى لا احس بأي ضربة توجه لي... استغرب نفسي عندما أوجه السؤال لها؟ صحيح!! أأنا اتبع من انجبتني ام من قذف بي الى قعرها المظلم! ام كلاهما من نفس اللون؟ دفع بي فضولي الى معرفة ذلك، لكن أسأل من؟ بحث في ذاكرتي المخمورة عن معلومة سمعتها ربما  قيلت أمامي أو حتى قرأتها في صحيفة ما او عناوين اخبار لكني لم اجد، فقد بليت وتهالكت، ذاك ما قال لي مرة سائق القطار عندما رفعت الراية الحمراء بدل الخضراء، توقف فجأة من يقوده عنفتني الإدراة، أرادو طردي لولا شفاعة من يعلم بحالي، أنذرت لكني لم أنعدل رغم الوعد الذي قطعت... وقالت لي نفسي والمقربين أرأيت أو سمعت أن ذيل كلب أنعدل, عبارة أمررها، فمثلي من الكلاب تملأ الشوارع والازقة والقصور الفارهة أيضا بالفجور حتى بيوت الله لم تسلم من الفساد فالذيول العوجاء لم تنعدل رغم أنها تتقن فن الصلاة والعبادة، فَلِمَ يسقط الحق عنهم وانا يلسعني الباطل، الحرام يلفني بقطعة جريدة أخبارها بائدة، لم يكلف نفسه أن يجعلها من قماش حتى... اللعنة عليك يا حاج راسم، كان حريا بك ان ترميني الى حاوية النفايات لا تعمد الى الرأفة بي وتوكلني الى عائلة جرعت المر منها، بت عبدا في زمن الحرية التي علمتني إياها... قلت لك في كل مرة أهرب من بيت ذلك الرجل الذي يكره أن أناديه بأبي، يأمرني بأن أقول له سيدي فقط لأنه يطعمني ببقايا فضلات طعام مائدتهم، أمراته لسانها لا يمكن ان يكون في فم إنسان حتى الحيوان لا يحتمل زفراته ورائحته الكريهة... لم ينجبا لعنة و وبالا من الله عليهم، لكني كنت الاسود اللئيم الذي أرادوا ان يجلدوه، يعذبوه، ثم ينكلون به ليعلنوا كفرهم المبطن رغم انهم يظهرون الاسلام والورع للمؤذن راسم... هربت بعد ان ضربت ذلك الرجل بحجر فقعت عينه وقظمت يد المرأة حتى قطعت اللحمة عنها، شعرت رغم الضرب أني منتصر ... كان يوما جميلا شعرت بأني سيد نفسي، تحررت من العبودية المقيتة تلك التي حبست بداخلها بفضل لوني وأصلي... اصلي أتحسر على نفسي عندما ادرك أن لا أصل لي .. في ذلك اليوم قلت للمؤذن راسم سأتحول الى العمل في محطة القطار كعامل هناك فقد وجدت من يأخذ بيدي وارجو ان تأتي معي كي تضمنني.. منها تعلمت ان اكون سيد نفسي، انام بداية على مساطب المحطة ومن ثمة في عرباتها الفارغة حتى استأجرت جحري هاته... أحبني العاملين في المحطة كوني سريع التعلم، ساعدوني باستخراج اوراق رسمية سموني فيها تعبان تعبان، اما اسم الام فلا أتذكر ماهو ماذا كتبوه، شكرت كثيرا المؤذن راسم الذي علمني قراءة القرآن والكتابة البدائية، قال لي ستنفعك في حياتك... مسكين مات ولم يرى مدى فائدتها هههه صرت مختصا في شرب العرق وبرفع الأعلام الخضراء والحمراء مع قراءة معلقات الخمارة، عاد ظلي المترنح يدفع بي نحو جدار الجامع الذي ما ان لامسته يدي سرت قشعريرة في بدني كأنه يلفظني بعيدا سارعت برفعها قائلا: اعتذر يا شيخ راسم لم يكن قصدي أن انجسه... فجأة تذكرت المرأة العمياء التي تجلس قبالة الجامع كل يوم منذ بداية الصباح حتى المساء هي سوداء مثلي ربما هي أمي؟! فكرة متلاطمة مخمورة ربما طفحت برميل من العرق دون خلطه بماء، كيف غابت او غاب عني سؤالها!!! تراجعت الى الوراء وأنا اقول: لكنها موجودة منذ زمن بعيد مهنتها الإستجداء، كيف ومن يستحقر لذته ان يترع من هذه المسكينة؟ كما أن لا جمال فيها، يرافقها الذباب والحر وتعرق جسمها وحتى لونها يتغير فطالما وجدته لونها في أيام مغبرة يتحول الى الرمادي يتلطخ وجهها بعافر الاتربة المثار من المركبات المارة.. يعطف عليها اصحاب بيوت في الاكل والشرب... القليل ممن يضربون الصلاة بجباههم يصارعون الفلس الذي يخرجوه من جيوبهم كأنه ينتقص من خزائن البخل الذي يحملونه تقربا الى الله..
جاء الصباح وقد خرجت بعد أن غسلت وجهي واستحممت بماء البرميل القابع أمام جحري الذي تشاركني فيه الطحالب والبق والنوم ,انا أتجاذب معه اطراف الحديث، فغالبا اجدني نائما الى جانبه بعد ان تستنفذ قدرتي على عدم فتح قفل باب الجحر... في مرة قال لي مظلوم... وهو يشاهدني افتح القفل ضاحكا أنت مجنون او سكران فعلا حتى دون ان تشرب يا تعبان... تضع قفل على باب خربة من يفكر ان يسرقك؟ وماذا عندك ليسرقة يا حيوان؟ اضحك على قوله واجيبه حيوان فعلا فمن يعرف الحيوان إلا الحيوان الذي يشابهه، يبلعها ويعلق تبقى تعبان لكنك سليط اللسان .. المهم حملت نفسي وقد حضرت ما يمكنني ان اعطيه إياها واستغني به عن شراء زجاجة العرق كي اجلس الى جانبها لأسألها أسئلة مجنونة تطرق رأسي بهراوات صارخة إسألها هل أنت أمي؟ لا أعلم كيف أروض ثيران هاجت بداخلي تريد تحطيم قفصي الصدري لتخرج الصرخة من جوفي؟ هل انتِ من رمت بي على ناصية الطريق ثم جلست كي ترى خطيئتها تكبر سوداء مثلها؟ هل عاقبك الله على فعلك فأعماك جراءها؟ هيا قولي لي من هو الخنزير الذي ولغ في وعائك؟ أكان طاهرا حين فعلها أم مخمورا؟ أبيض أم أسود؟ ام كنتِ مجرى لولغ الخنازير؟ تسارعت ضربات قلبي، زاد لهاثي حتى أني تعرقت ربما شمت رائحة عرق جسمي فشعرت بي لتقول: أكيد انت تعبان... كانت لطمة قاضية أطارات كل الصور والكلام الذي حضرت كي اقوله.. يا للجحيم!!!؟ كيف عرفتني وهي عمياء؟ أتراه حدس الأم وقلبها دليلها، فأتراجع بسؤالي... اي حدس؟ وأي ام؟ وأي قلب؟ إني لقيط ابن لقيط ولقيطة أبن حرام... تجرأت ومددت يدي المرتعشة قائلا لها هاك: مدت يدها لتأخذ الحسنة فقالت: (الله ينطيك العافية ويسلمك من كل شر)
الشر هو من جعلني عبدا، الشر هو من سلب مني لوني، الشر هو من أودى بكل احلامي كإنسان، الشر هو من جعل الشيطان يغرز أصبعه في رحم أمي ليخرجني من جوف فاسد اسود مقيت، عليك اللعنة يا سوداء يا عمياء... قلتها في سري لكأني أصرخ وقد اهتزت أعضائي كلها فخررت الى جانبها.. متراخيا واضعا يدي على رأسي وقد استغرب بعض المارة حالي وحالها... ظن البعض أني ولدها كون لوني مثل لونها.. فسمعتها تقول: أنت تعبان الذي حدثني الشيخ راسم عنه، لقد كنت اعرف أمك الله يرحمها... لحظتها دخلت عالما جديدا يا للشيطان!!! ماهذه المصادفة الغريبة؟؟؟ فتلعثمت بسؤالي اننننننت تعرفين أمي.. أجابت نعم، فعندما وجدك الشيخ راسم سألني عما إذا اعرفك كون لونك اسود مثلي، فقلت لا لكني سأسأل... بعد عدة أيام جاءني وقد ارسلت في طلبه وقلت له: ان أمك ماتت أثناء ولادتك، لم يجدوك الى جانبها، كانت يغفر لها الله تمارس الرذيلة، علم الناس عنها أنها لا تحتفظ بأي حمل يطالها تسقطه لكنها احتفظت بك كونها احبت من طرحك فيها... هي حاولت معه ان يعترف بحملها كما سمعت أنه يضربها يعنفها لكنه ولشدة تعلقه بها تزوجها زواج متعة.. سالها البعض وهي في شدتها عن أسمه ومن يكون؟ فلم تخبر أحدا عنه... هذا كل الذي اعرفه عن امك.. وقبل ان تقول كيف عرفتك؟ أنا يا تعبان ليست عمياء كليا فأنا اميز الشخوض بضبابية، واخبرني عنك الشيخ راسم فحفظت شكلك لكثرة ما أراك تمر علي في الصباح وتارة في المساء عندما تعود سكران، احزن لكني اعطيك العذر..
في ليلة ذلك اليوم وبعد ان ترع وأمسك بالناعور ليدور حول صحب الخمارة قائلا: أسمع يا مظلوم يا جماعة لقد عرفت من هي أمي، إنها داعرة سوداء بإمتياز، مارست الرذيلة حتى جئت أنا الى العالم، فأخذت روحها، لكنها أورثتني العار بلقب إبن حرام ولقيط واسود وغيري من هو لونهم أبيض لا تثريب علي بعد اليوم فقد شهد شاهد أني أبن حرام أصلي، فلا حرج من سماع من يرميني بإبن الحرام فكلنا عبيد اللذة المحرمة وإن شرعت بورقة تتيح المتعة بإنجاب اللقطاء، هنيئا لكم و ما تعبدون دينا واسلاما هذا هو ملخص أطراف الحديث حديث الجاهلية الأولى.