القاص والكاتب: عبد الجبار الحمدي - العراق - خاص بـ " وكالة أخبار المرأة "

يعتريها اليأس رغم دهشتها! ها هي تقبع كل صباح على شرفة منزلها تستنطق القدر لم هي بالذات؟ لم أختارها أن تكون نقطة السكون في قاموسه المتحرك؟ لكنها في كل مرة تتسائل تتلقى نفس الجواب، إنه نصيبك، تمسك كعادتها برواية لمؤلفها الذي تعشق كتاباته كونه يجعلها تعيش في عالم الأمل خاصة تلك الرواية التي بطلتها يقين كما إسمها الفتاة التي عاقبها قدرها فخطف من تحب أولا ومن ثمة أشاح عنها رونقها في الحياة، باتت كالورس.. من يراها يظن أنها ستموت اللحظة... ابتلاءها أنها تعيش حالتها لحظة بلحظة... ساهمت بالكثير خاصة مفي ساعدة المنكوبين نتيجة الحرب.. نساء مشردات أطفال يتامى أمراض أوبئة جميعها ساهمت مغررة نفسها بأن تكون ضحية لكل المخاطر بغية اللحاق بحبيبها... لكن قدرها وبرغم قسوة جلاديه أبقاها حية... حتى لما سألتها زميلة لها... أتراك مجنونة يقين!!؟ إنك ترمين بنفسك الى الهلكة! تضحك حين تسمعها تسأل، فتجيبها ببساطة أوليس هذا أمنيتي؟ تتوقف شذى عن سؤالها لأنها تعلم بعد ان دخلت معها في حوارات عقيمة تحولت الى جدال كادت تفقدها كصديقة حتم قدرها ان يجردها عن كل من تحب لذا لا تحاول ان تُري شذى حبها خوف ان القدر يسلط عليها زبانيته ليخطفها من بين يديها، لذا تهمس لها احيانا في خلسة... إني احبك حقا شذى كأخت لي، لكني انصحك بأن لا تقتربي مني ولا تظهري حبك او تعاطفك، إني اخاف عليك من قدري المشؤوم أن ينال منك.. تستغرب شذى لما تسمع!! فتجيب حسنا يقين حسنا كما تحبين... في يوم ما استيقظت بطلتها على صوت صراخ صبي جاء مع الذين هربوا بعيدا عن مجرمي الحرب، تلك النفوس التي تقتات الموت كأوصاب وبائية لا تعيل قيمة لحرمة إنسانية او دين، يتباهون أنه ملاذ افعالهم الدنيئة... هكذا هم أوبئة زمانية يخبئها القدر تحت ابطية وفي لحظة غير محسوبة يرفع يده لينسلون الى الارض يعيثون نتاتة وخراب.. امسكت به يقين مسرعة وهو يصرخ باكيا هناك...إنها هناك فتجيبه حسنا حبيبي حسنا سأرسل أحد ليجلبها هنا لتكون معك... فيزداد بكائه لا أريد ان اكون معها لقد دفعت بي بعيدا عنها رغم أني ممسك بأصابعها... قالت: اذهب سألحق بك، لكنها لم تفعل، كيف تفعل وقد تطايرت!!!؟
لا عليك حبيبي إهدأ استرخي، كف عن البكاء قليلا تعال معي هي خذ بيدي كما تفعل مع اختك، لكن الصبي مطبق كفيه بشدة، مدت يدها كي تفتحهما، لكنه يصرخ كلما فعلت.. حملته رغم وهنها حيث البقية.. اجلسته قائلة: أنا أسمي يقين وأنت ما اسمك؟ تقرفص وقد دس رأسه بين ركبتيه أسمي شهاب... ألله ما أجمل اسمك أن له معنى عظيم ستكون شهابا ساطعا إن انصت لي وعملت الذي اطلبه منك، هيا أنت بخير الآن، انظر حولك إنهم بالمئات مثلك الذين فقدوا من يحبون وانا احدهم صدقني شهاب لقد فقدت زوجي حبيبي هنا، لا ادري إن كنت تفهم ما اقول ام لا لكن وجهك يدفع بي الى الراحة يا الله!! إنك تحمل السلام بين جنبيك رغم بكاءك، اعتبرني اختك الكبيرة او مثل والدتك هيا استرخي لا تتشنج... هيا عزيزي
كان شهاب يشهق لحظة ويصمت ثم  يعود للبكاء... فترة من زمن هدأ عندما سمع صراخ الذين حوله، العديد منهم بلا اطراف واكثرهم مصابين دونه... شعر بالآمان سارعت يقين بمسك يديه وما ان فتحتها حتى وجدت ا اصابع اخته التي تطايرت اشلاءها بيده، صدمت!!! لكنها سرعان ما ابتلعت صدمتها وهي تأخذ الاصبع من باطن يده الذي حاول ان لا يفرط به لكنها عالجت الموقف بقولها سأحتفظ به لك عندي.. انظر
ولفت الاصبع بقطعة شاش ثم دستها الى جيبها..  في ذلك اليوم تغير قدر يقين وتغير قدر شهاب، صار ملاذها الذي تحب ان يكون الى جوارها دائما استعادت نضارتها وبقيت تعمل بشكل لا يضاهيه الآخرين، حتى أنها طلبت تبني شهاب بعد ان علمت منه أن لا أهل له، قتلوا جميعهم على يد الراية السوداء، اما شهاب فقد شعر أن حياته الى جانبها هي السكينة فقلبها مليء بالحنان والحب، شعر بذلك مرات كثيرة عندما تتحدث معه وتحضنه، غالبا ما كان يناديها بأسم أخته التي فقدها... كان بوابة الأمل بالنسبة ليقين وكانت يقين بالنسبة له عالمه الجديد...
ما ان انتهت من قراءة الرواية ورفعت عيناها حتى رأت أمامها من تحاشت ان يراها وهي تدولب نفسها على كرسي متحرك، دون ان تعي نفسها فقالت: ماذا تفعل هنا؟ من الذي سمح لك بالدخول؟ أرجوك اخرج
لكنه وقف مكانه سمعته يقول: وقد رآها مرتبكة هشة... هوني عليك يقين إهدأي، حاولت مرات كثيرة الاتصال بك لكنك لم ترد على اتصالاتي، سألت والدك أكثر من مرة عنك ورغبتي في ان آتي كي أراك لكنه في كل مرة يقول إنك ترفضين رؤيتي... حتى عماد أخاك سألته وتعرفين علاقتي به كم هي متينة خاف ان يفاتحك بشأن زيارتي لك.. أخيرا وجدت من والدتك الباب الذي استطعت ان اراك من خلالها، صدقيني يا يقين الحياة لا تحتاج الى أرجل كي تكمليها، نعم يمكن ان تعيقك عن كثير من الرغبات لكنها ليست مستحيلة بان تقومي بما تحبين وتتغلبي على عوقك.. أعتذر لكنها الحقيقة فالدكتور سامح شرح لي التفاصيل إنك تشعرين بصدمة نفسية شديدة خاصة بعد أن فقدتي صديقتك سلوى في ذلك الحادث، هي سبب عوقك لم يكن خطأك ابدا لست السبب في موتها إنه حتفها وقدرها...
كان لكلمة قدرها الدافع لأن تصرخ في وجهه... قدرها وقدري... من أين لك ان تعرف ماهية مشاعري أحاسيسي؟ لماذا يتدخل القدر ويعترض طريقي وسلوى، يخطفها لمجرد انه قادر ويستطيع؟  لم عليه ان يكتب في اجندة الموت ملاحظة أسمها وأسمي؟ من يكون حتى يقرر مصيري وحياتي؟ اوليس لي الحق في ان أقرر واقدر ما أريد؟ أو ليس من حقي كإنسان أعن اعيش كما أخطط لحياتي وسلوى كذلك؟ إننا بهذا الشكل نستسلم لأقدارنا رغم أننا نصنعها، إذن ما الداعي من الحياة؟ إذا كان هناك من يغتصبها دون علم منا، او ليس هذه جريمة دون عقاب او حساب؟
كان فؤاد مصدوما هو الآخر بما يسمع منها... ابتلع هلعه وثورتها وجلس الى جانبها وقد امسك بيدها... يقين... تعلمين جيدا كم أحبك؟ بل أني اتنفسك حياة، ارجوك لا تفزعيني بما تقولين وبيأسك الذي تسربلتيه، لقد سمحت لنفسك ان تدخلي هذا العالم الاسود دوني، استغرب منك!! كيف ترضين ان تحمليني معك الى هذا المكان الموحش؟ ألست حبيبك؟؟ كيف تمنيتي ان اعيش معك نعم معك عالما متشظي.. لن اسمح لك ان تقتلي حبي وتدفنيه حيث تودين ان يموت، لا ابدا يقين ستكونين كما عهدتك إشراقة الأمل التي استيقظ عليها عمري، أنت عطري الذي ارتديه في كل لحظة... لا يمكن ابدا ان تتركيني أذبل بعيدا عن الامل الذي رسمنا....
فؤاد.. امجنون انت؟؟ أي حياة وأي أمل لك مع معوقة كسيحة مثلي؟
يقين اسمعي.. أنت أنت يقين لم تتغيري، ربما ما تعانيه هو تأثير الحادث وجعل نفسك متهمة وقاضية وجلاد عليها... اتركي محلفي الحياة هم من ينطقون بالحكم، فالدفاع عنك يبدأ منك... هيا حبيبتي أهدئي وتذكري أن هناك أمل كبير في ان تعودي كما كنت المهم أن تؤمني بما تحبين... سأسالك صادقا أتحبينني يقين..
تطلعت الى وجهه وهي تزيح بزفيرها الغيوم السوداء التي تجمعت فوق قلبها لتمطر بالسواد.. عصرت يديه بقوة، اجهشت بالبكاء... فؤاد إني معوقة وخوفي من فقدك يدفعني كي ارفضك، لا أريد ان اعرضك لحياة بلا حياة... لا اريد ان افقدك فأخسر ما أنا متمسكة به في أمل البقاء معك... هل فعلا لا زلت تحبني؟ هل انت متمسك بي الى هذا الحد؟
مجنونة من قبل هذا وأكثر جنونا الآن.. تذكري ما اقول... أنا احبك.. والله احبك ستعودين يقيني التي أعشق وكوني على يقين يا يقين سنتجاوز هذه المحنة،  نصارع قدرنا معا بما نستطيع.