علي قاسم - تونس - " وكالة أخبار المرأة "

في الحقل أو في المصنع، في المنزل أو خارجه، المرأة التونسية امرأة ونصف. “كتبت، كتبت.. فلم يبق حرفُ. وصفت وصفتُ.. فلم يبق وصفُ. أقول إذن، باختصار وأمضي: نساءُ بلادي نساء.. ونصفُ”. ومضى الشاعر، الصغير أولاد أحمد، الذي أحب تونس كما لم يحبها أحد، بعد أن ترك شهادته عن نساء تونس، تاركا للأيام أن تثبت صحتها.
عاشت تونس في الأيام الأخيرة على وقع جدل شمل التونسيين الذين تابعوا جميعا اختيار أعضاء الحكومة التي كلف بها إلياس الفخفاخ، ليعلن عنها في الدقائق الأخيرة من المهلة المحددة لها. ويتوقع المراقبون أن تحظى التشكيلة على موافقة البرلمان الذي سيصوت عليها الأربعاء القادم.
ضمت القائمة 32 اسما، من بينها ستة أسماء لنساء، ورغم أن ذلك يعتبر إنجازا إذا ما قورن مع دول عربية أخرى، إلا أنه يبقى مجحفا بالمقارنة مع الوضع التعليمي والثقافي الذي تحتله المرأة في المجتمع التونسي.
الإنجاز الأهم هو إسناد منصب وزاري سيادي لامرأة، هو وزارة العدل، الأمر الذي اعتبر “نقطة مضيئة تحسب لحكومة الفخفاخ”، ليس فقط لكفاءة ثريا الجريبي الخميري، القاضية التي اختيرت للمنصب، بل أيضا لأن هذا الاختيار يحصل للمرة الأولى في تونس.
المنصب الوزاري الثاني الذي أسند إلى امرأة، هو وزارة الثقافة، وسواء مرّر مجلس النواب يوم الأربعاء الحكومة، أو حال دون مرورها، سيبقى هذا الاختيار نقطة مضيئة أخرى في سجل إلياس الفخفاخ.
شيراز العتيري، المرأة التي اختارها الفخفاخ للمنصب، تحوّلت منذ أشهر إلى شخصية للجدل، بعد أن طرح اسمها لتخلف، محمد زين العابدين، وزير الثقافة الذي كان قد أقالها من منصبها كمديرة عامة للمركز الوطني للسينما والصورة.
وكانت حركة الشعب التونسية قد اتهمتها بالتطبيع مع إسرائيل، ورغم تراجع الحركة عن التهمة بعد طلب التدقيق في ملفها، لم يتوقف الجدل وهو ما جعل السفير الفلسطيني في تونس يدلي بشهادته وينزّهها من التهمة بل ينوّه بجهودها في الساحة الثقافية. قائلا “من خلال تجربتي معها كنت فخورا بتبادل الخبرات التي كانت تدعمها، ولا أنسى دعمها للحضور والمشاركة الفلسطينية في مهرجان ‘كان’ وفي الساحة الأوروبية عموما”.
السينمائية هند بوجمعة التي انتقدت بشدة حملة التشويه التي تعرضت لها شيراز وكتبت تقول “شرف لنا ترشيحك”. وعلّق المخرج أمين بوخريص هو الآخر على صفحته قائلا “ما يحصل مع شيراز العتيري فيلم هوليوودي”. أما السينمائية، أنيسة داود، فدعت شيراز إلى “المضي قدما في مشروعها الفني”.
من هي شيراز العتيري التي “أسالت الكثير من الحبر” وتحولت إلى ظاهرة؟
عرفت شيراز النجومية في وقت قصير، إثر كلمة لها حول السينما التونسية، ظهرت خلالها كصاحبة مشروع ثقافي، بعد أن كانت جنديا يعمل في الخفاء، ولم يعرفها الجمهور الثقافي إلا بعد وفاة السينمائي، نجيب عياد، لتصبح مديرة أيام قرطاج السينمائية.
وشيراز هي أستاذة جامعية، وباحثة في علوم الإعلامية بجامعة “منوبة” في تونس، تحصّلت على شهادة الدكتوراه في الإعلاميّة من المدرسة الوطنيّة لعلوم الإعلاميّة عام 2004، تبعتها بشهادة في التّأهيل الجامعي، من جامعة لوران بفرنسا، وبأخرى من جامعة منوبة عام 2013.
تولت العتيري مهام مديرة المعهد العالي لفنون الملتيميديا بجامعة منوبة، بداية من عام 2006، حيث ساهمت في توطيد علاقات التعاون والشراكة مع جامعات ومؤسسات بين ضفّتي المتوسّط، في مجال السينما والإنتاج السّمعي البصري والملتيميديا والحقيقة الافتراضية وألعاب الفيديو.
وهي من الناشطات في الجمعيات الوطنية، وعضو في المؤسّسة الأفريقية للحوكمة الرقمية من أجل تنمية شاملة. وساهمت في العديد من البرامج الدّوليّة لتنمية المشاريع السينمائية الأفريقية والعربيّة، وكذلك مشاريع الإنتاج السينمائي المشترك مع الضّفّة الشّماليّة للبحر المتوسّط. ونشرت العديد من المقالات العلميّة والإصدارات في الندوات والمجلات العلميّة الدولية.
هذا ليس كل شيء، فالمتابع لنشاطاتها لن يستطيع أن يخفي إعجابه بقدراتها التنظيمية التي كان من بينها أيضا المشاركة في بعث مكتبة وطنية للسينما التونسية.
نشاط شيراز العتيري، وإن بقي مجهولا مثيرا للجدل داخل تونس، جرى تقديره خارج تونس حيث تم اختيارها، في بداية فبراير، من قبل مركز السينما العربية لتنال جائزة ”شخصية العام للسينما العربية” اعترافا “بمساهمتها في تطوير صناعة السينما في تونس”.
وتتسلّم العتيري الجائزة في حفل يقيمه المركز خلال فعاليات مهرجان برلين السينمائي الذي افتتح الخميس 20 فبراير.
وسواء أعلن الأربعاء عن مرور حكومة الفخفاخ، أو لم تنجح في المرور، ستبقى شيراز العتيري، في نظر التونسيين ونظر العالم، وزيرة ونصف. وستبقى نساء تونس نساء ونصف.