بيروت - لارا عبود - " وكالة أخبار المرأة "

ضمن محاولة فهم كيف تغيّرت الحياة اليومية والحياة الفكرية في بلدها، قابلت الباحثة العراقية في علم الاجتماع، زهراء علي، مجموعة متنوّعة الخلفيات من النساء الناشطات في مجال حقوق المرأة في العراق، وكان ذلك مادّة دراسة موسّعة صدرت لها عام 2018 بعنوان "النساء والجندر في العراق: بين بناء الأمّة والتشظّي" (منشورات كامبريدج).
حول هذا الكتاب، تحاضر الباحثة في "معهد عصام فارس للسياسات العامة والشؤون الدولية" ببيروت، عند الثالثة من مساء غد الجمعة، حيث تتحدّث عن نتائج الدراسة الإثنوغرافية التاريخية التي قدّمت من خلالها تصوّراً مفصّلاً عن السياقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية منذ تشكيل الدولة العراقية في العشرينيات، كما تتبّعت واقع المرأة خلال الغزو الأميركي، حيث ألقى صعود الطائفية وعسكرة الحياة العامة بظلاله على نساء العراق.
عبر مقاربة نسوية ما بعد كولونيالية، تتناول الباحثة الطرق التي صيغت بها القواعد والممارسات الجنسانية والنشاطات والخطابات النسوية العراقية من خلال سياسات الدولة والقوميات المتنافسة والديناميات الدينية والقبلية والطائفية والحروب و"العقوبات" الاقتصادية، لتخلُص إلى سرد حيّ للحياة اليومية في عراق السنوات الأخيرة، ومنه إلى تحليل لمستقبل النسوية العراقية.
التقطت الأستاذة في "جامعة روتجرز" الأميركية أصوات نساء عراقيات من أجيال وخلفيات دينية وسياسية وعرقية مختلفة للحصول على وصف مباشر للحياة في العراق من وجهة نظر المرأة. ويعتمد كتابها على عامين من العمل الميداني المكثّف في بغداد وأربيل والسليمانية (2010 و2012). كذلك أجرت دراسات ميدانية في النجف والكوفة وكربلاء والناصرية في فترات مختلفة من 2013 و2016 و2017، وقد أشارت إلى أنها لامست شعور النساء العراقيات بأنهن "عالقات" و"يختنقن في مدينة من الجدران والفواصل ونقاط التفتيش".
تستند الباحثة العراقية إلى مقولة المؤرّخ تشارلز تريب، إذ تؤكد أهمية المنظور التاريخي عندما يتعلّق الأمر بفهم الظروف المادية للعراقيّين وتأثيرها المباشر على القيم الاجتماعية، مبيّنة أنه غالباً ما يجرى تجاهُل هذا المنظور، خاصة عند محاولة فهم تصاعد العنف من متطرّفي "داعش"، إذ لا يمكن فهم العنف الذي واجهته النساء على يد التنظيم من دون النظر إلى استمرارية العنف الممنهج الذي عرفه العراق منذ الثمانينيات من خلال الاستبداد والعقوبات الاقتصادية المدمّرة، ثم الغزو العسكري الذي أدى إلى تفاقم التوترات الطائفية والاجتماعية والسياسية.
يمكن النظر إلى العمل كربط بين نقطتين فاصلتين في تاريخ العراق: تاريخ المرأة منذ الاستعمار البريطاني إلى ما بعد الغزو الأميركي، حيث لم يمنح الانتداب جميع الناس نفس الحقوق القانونية، وهو واقع لا يبتعد كثيراً عمّا فرضه الأميركيون؛ حيث يجرى ترسيخ الطائفية أكثر فأكثر، وهو ما تدرسه من خلال النساء تحديداً؛ إذ لم تُمنح المرأة المسلمة والمسيحية نفس الحقوق في ما يتعلّق بالأحوال الشخصية، وكذلك لم تُمنح السنية والشيعية ذات الحقوق، كما كانت الفجوة أكبر بين النساء الريفيات والحضريات، بحسب علي.
تذكر علي أن القانون الموحّد للأسرة، والذي ينطبق على جميع المواطنين بصرف النظر عن دينهم، لم يوضع إلّا خلال عهد عبد الكريم قاسم (1958 - 1963). وعند احتلال العراق عام 2003، فعلت أميركا ما فعلته بريطانيا من قبل من خلال "سلطة الائتلاف المؤقّتة".
ورغم أنّ الكتاب صدر منذ سنتين، أي في وقت كانت فيه الطائفية في العراق أمراً واقعاً، فإن محاضرة زهراء علي حوله في بيروت قد تمدّه بزوايا جديدة في وقت يخرج فيه العراقيون، واللبنانيون أيضاً، في سبيل إسقاط النظام الطائفي.