الكاتب الصحفي : نهاد الحديثي - العراق - خاص بـ " وكالة أخبار المرأة "

يلجأ بعض الأزواج إلى استخدام لغة العنف البدني ضد زوجاتهم والتعدي عليهن بالضرب، وهو ما يؤثر سلباً على الحياة الزوجية التي تقوم بالأساس على الحوار والتفاهم.. ويحذر المتخصصون من التأثير السلبي لهذا السلوك على الأبناء الذين يدفعون ثمن العنف الأسري خلال الطفولة وبعد النضج.
تشير بعض الزوجات ، إلى أن وصول العلاقة بين الزوجين إلى حد استخدام العنف من الدونية الذي يجعل لغة الحوار تتحول إلى ضرب وإهانة من قبل الزوج، يعني فشل هذه العلاقة تماماً. وتضيف دعاء أن أغلبية الأزواج الذين يعتادون على ضرب أزواجهم، دون أن تبدي الزوجة غضبها أو تعترض، تستمر العلاقة بينهما مهما تقدم بهما العمر بنفس هذا السلوك المشين. و ويضفن ، ضرب الأزواج لزوجاتهم إلى بعض النواقص في شخصية الزوج، حيث يرى بعضهم أن هذا السلوك له علاقة بـ"القوامة"، ومن ثم يصبح لغتهم في التعامل مع الزوجة بصرف النظر عن الذنب الذي اقترفته، وهل يستحق أصلاً المناقشة، لا الضرب، أم لا.
ويفسر علماء النفس تلك الحالة  بسبب بعض المشكلات , أن لجوء الزوج لهذا السلوك "المشين" هو نتيجة لفقدان لغة الحوار بين الطرفين، بالإضافة إلى ضعف شخصية الزوج.
وترجع ايضا إلى طريقة التربية التي تربى عليها الرجل منذ الطفولة. إن الطفل الذكر يتعود دائماً أنه الأقوى من خلال لغة البدن وربما يشاهد والده وهو يرتكب نفس الفعل مع والدته فيترسخ في ذهنه هذا السلوك. مؤكدين أن هذا السلوك ينعكس بشكل سلبي على العلاقة بينهما، كما يؤثر بالتبعية على الأطفال الذين يرون والدتهم تهان أمامهم، كما أن الضرب يمثل عجزاً شديداً في مواجهة المشكلة لأنه يعنى ضعف في شخصية الرجل. لكن منسي يقول إن له الكثير من الأصدقاء الذين يلجؤون لضرب زوجاتهم كثيراً، حيث أنهم اعتادوا على هذه السلوك، مشيراً إلى أن تقبل المرأة للإهانة، قد يجعل الرجل يتمادى في هذا الخطأ.كما لا ننسى
 الموروثات الثقافية والاجتماعية "البالية"، التي تكرس لهذه السلوك والذي يتخذه الكثير من الأزواج منهجاً في التعامل مع زوجاتهم، فيلجأ إلى الإيذاء البدني الذي يصل في بعض الأحيان إلى أحداث كسور أو تشوهات فى جسد المرأة. و إحساس الزوج بالدونية في أحيان كثيرة بسبب الوضع الاجتماعي أو العلمي لزوجته يجعله يحاول معالجة هذا النقص عن طريق الاعتداء بالضرب لأتفه الأسباب، مستخدماً قوته الجسدية لتعويض هذا النقص، فضلاَ عن طريقة التربية في الصغر. وتقول إن معظم من كانوا يرون آبائهم يمارسوا هذا السلوك مع أمهاتهم يلجؤون إليه كوسيلة للتعامل مع زوجاتهم. وهناك سبباً أخر وراء تفشي هذه الظاهرة في المجتمع إلى فهم الدين بشكل خاطئ وتفسيره بما يتطابق مع أهوائهم رغم أن الدين برئ من هذه الممارسات اللاإنسانية
ويؤكد مختصون أن خنوع المرأة في كثير من المواقف وتقبلها للغة الضرب قد يشجع الزوج على التمادي في هذا السلوك، رغم أن الزوجة قد تلجأ لتقبل الأمر بدافع إنساني بحت وهو المحافظة على أسرتها وزوجها خاصة إذا كان لديها أطفال، إلا أن هذا الصمت قد يفهمه الرجل على أنه تقبل لما يفعله ومن ثم يكرر ضرب زوجته.
وعن الانعكاسات الاجتماعية لانتشار ظاهرة ضرب الأزواج لزوجاتهم،يشيرون  إلى أن الأطفال يصبحون الخاسر الأكبر في هذه المعركة حيث تشير الكثير من الإحصائيات إلى إن الكثير من الأطفال الذين يشاهدون أمهاتهم يتعرضن للضرب يصابون بالعديد من التشوهات النفسية ويمارسون نفس السلوك في الكبر سواء مع أزواجهم أو أطفالهم أو أقرانهم، وتضيف أن افتقاد لغة الاحترام بين الأزواج تخلق منزلاً مشوهاً تعيساً.
ديننا الإسلامي الحنيف دين يحث على الألفة والمحبة والعشرة بالمعروف والآيات والأحاديث الواردة في ذلك كثيرة ، منها قوله تعالى : ((وَعَاشِرُوهُنَّ بِالمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا )) (النساء:19) .
وقوله عز وجل :(( وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالمَعْرُوفِ )) ( البقرة:228)
وقد أوصانا النبي صلى الله عليه وسلم بالرفق بالنساء والإحسان إليهن ، والصبر على عوجهن فقال في الحديث الذي رواه الشيخان عن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه : " اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا فَإِنَّهُنَّ خُلِقْنَ من ضِلَعٍ وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ في الضِّلَعِ أَعْلَاهُ فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ وَإِنْ تَرَكْتَهُ لم يَزَلْ أَعْوَجَ فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا " [ البخاري : 4890 - مسلم : 1468]
وروى مسلم عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال : قال رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : " لَا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مؤمنة إن كَرِهَ منها خُلُقًا رضي منها آخَرَ " [ مسلم : 1469 ] .
وفي حجة الوداع قال صلى الله عليه وسلم : " اتَّقُوا اللَّهَ في النِّسَاءِ فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللَّهِ وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ فَإِنْ فَعَلْنَ ذلك فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غير مُبَرِّحٍ وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ " [ مسلم : 1218]
وقال صلى الله عليه وسلم : " خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي".
وقال ابن عباس رضي الله عنهما " إني لأحب أن أتزين للمرأة كما أحب أن تزين لي لأن الله عز وجل يقول : (( وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالمَعْرُوفِ )) وما أحب أن أستوفي جميع حقي عليها لأن الله عز وجل يقول : (( وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ )) " . [ رواه البيهقي 7/295].
ولكن في ظل غياب التوجيهات الإسلامية عن واقع المسلمين ، وانتشار مفاهيم خاطئة عن معنى الرجولة والقوامة نسمع ونقرأ بين الفينة والأخرى عن ضرب الأزواج لزوجاتهم بل وضرب الزوجات لأزواجهن ، ولا حول ولا قوة إلا بالله .
لقد شرع الله سبحانه وتعالى للزوج أن يقوم بتأديب زوجته الناشز بوسائل تأديب محدودة ومحددة من أجل تهذيبها وإصلاحها، وقد سلك القرآن الكريم في علاج نشوز المرأة طريقًا حكيمًا مستورًا، فلم يكن ضرب الأزواج لزوجاتهم كل العلاج ولا أوله، وإنما كان واحدًا من طرق العلاج بل كان آخرها ، قال تعالى : (( واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن الله كان علياً كبيراً )) [النساء: ---34]
ففي الآية الكريمة نص ٌصريح على أنه في حالة نُشُوز الزوجة وعدم طاعتها لزوجها وأداء حقوقه يحق للزوج تأديبها حتى تطيعه ، والتأديب كما حددته الآية الكريمة يتم على ثلاث مراحل الوعظ، ثم هجر المضجع، ثم الضرب ؛ فعلى الزوج أن يبدأ في وعظ زوجته بالرفق واللين وذلك بأن يذكرها بما أوجبه الله عليها من حقوق ، ويخوفها من عقاب الله تعالى في حالة أنها عصته ولم تؤد حقوقه ؛ فإن لم تستجب الزوجة فللزوج الحق في أن يعظها بشيء التعنيف والتهديد
". وقد جعل القرآن الكريم الضربَ آخر الوسائل الإصلاحية التي يملكها الرجل وبذلك كان كالدواء الأخير الذي لا يلجأ إليه إلا عند الضرورة ، ويجب ألا يكون الضرب مبرحاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم : " فاضربوهن إذا عصينكم في المعروف ضرباً غير مبرح"، وذلك بأن يضربها بسواك أو منديل أو نحوه ، وقد سُئل ابن عباس : ما الضرب غير المبرح ؟ قال : السواك وشبهه يضربها به . رواه ابن جرير
ولا شك أن الترفع عن الضرب أفضل وأكمل إبقاء للمودة والألفة بين الزوجين ، فخيار الرجال لا يضربون نساءهم ، ويحضرني هنا قول شريح القاضي رحمه الله تعالى وقد تزوج من امرأة من بني تميم يقال لها زينب :
رأيت رجالا يضربون نساءهم --- فشلَّـت يميني حين أضرب زينبـا
أأضربها من غير ذنب أتت به فما العدل مني ضرب من ليس مذنبا
وقد روي أن رجلا جاء إلى عمر رضي الله عنه يشكو خلق زوجته فوقف على باب عمر ينتظر خروجه فسمع امرأة عمر تستطيل عليه بلسانها وتخاصمه وعمر ساكت لا يرد عليها فانصرف الرجل راجعا وقال : إن كان هذا حال عمر مع شدته وصلابته ـ وهو أمير المؤمنين ـ فكيف حالي ؟ فخرج عمر فرآه مولياً عن بابه فناداه وقال : ما حاجتك يا رجل ؟ فقال يا أمير المؤمنين جئت أشكو إليك سوء خلق امرأتي واستطالتها علي فسمعت زوجتك كذلك فرجعت وقلت : إذا كان حال أمير المؤمنين مع زوجته فكيف حالي ؟ فقال عمر : يا أخي إني احتملتها لحقوق لها علي : إنها طباخة لطعامي خبازة لخبزي غسالة لثيابي مرضعة لولدي وليس ذلك كله بواجب عليها ويسكن قلبي بها عن الحرام فأنا احتملتها لذلك ، فقال الرجل : يا أمير المؤمنين وكذلك زوجتي قال عمر : فاحتملها يا أخي فإنما هي مدة يسيرة
فنصيحتي للأزواج : أن يتقوا الله في زوجاتهم ، ويرفقن بهن ، فإنهن شقائق الرجال ،وأمهات الأجيال ، ما أكرمهن إلا كريم ، وما أهانهن إلا لئيم ، فلنتغاضى ونتغافل أحياناً حتى تستمر الحياة في سعادة هانئة لا تكدرها صغائر الأمور ، ولله در القائل :
ليس الغبي بسيد في قومه --- لكن سيد قومه المتغابي