الكاتبة الصحفية: ميساء أنور البشيتي - مملكة البحرين - خاص بـ " وكالة أخبار المرأة "

قررت أن أدعوك اليوم إلى مائدة العشاء... لنهجر قليلًا أحاديث الموت، وطقوس ما قبلَ الموت، وما بعده، ولنتوقف قليلًا عن إحصاء خسائرنا، وعن التفتيش في هزائمنا السابقة، واللاحقة، والتي طرحت على موائد الجوار، ولندَعَ في هذه اللحظة كل الخلق للخالق ونتناول العشاء الأخير!
ربما أنتَ لهذه اللحظة لا تعرف بعد أنني كنتُ ممن يجيدون  فن "النكتة" طبعًا هذا كان فيما مضى _قبل أن ألتقيك بألف عام_  كنتُ لا أعرف إلا السخرية من هذا الواقع الساقط، وكنتُ أتقن جيدًا فن التندر بالمصائب إلى الحد الذي تصبح فيه لينة على الهضم فيتناولها من كُتِبَ عليهم الشقاء والشتات قبل رحلة الهمِّ أو بعدها لتجلب إليهم المسرات والفرح.
هذا لا يعني أنك ثقيل الدم إلى هذا الحد!
لا، لكنك بحالٍ من الأحوال أخذتني إلى طرفك فبدأنا بالتباري أنا وأنت أيُّنا سيصبح دَمُه أثقل، ونسيتُ في خِضَّم النِزال أنني خُلقت للسعادة، للمرح، للسخرية التي تجرُّ في أذيالها مواسمَ الفرح.
أنتَ ساخرٌ، وجدًا، لكنك تعبثُ بجدائل الموت... لا أدري لماذا ترافق الموت في كل تحركاته؟!
كم قلتُ لك: دع الموت ممددًا على سريره، ودعنا نقطف عناقيد العنب قبل أن يغيب الصيف ويغيب معه كل أثر للعنب والسهر.
عصرت إليك العنب، وخبأته في قوارير العسل، ووضعته على رفٍ ليس ببعيدٍ عنك... مسافة أصبع أو أكثر.
تجمد العنب فوق الشهد وأصبح يحتاج فصولًا من الحرَّ الشديد حتى يسيل شهد العنب على شفتيك فتلعق منه مذاقًا لا يشبه مذاق الموت الذي تتناوله بانتظام   كل مساء قبيل النوم، وكل صباح قبيل الضحى!
لا أقرأ الطالع... أخبرتك بذلك، لكنِّي أقرأ العيون جيدًا، وأنا قرأت عينيك في أول لقاء فوجدتها تبحث عن اسمي في كل الأسماء، وجدتها تنتظر حضوري قبل أن ألج هذه الحياة، قبل أن يُدرج اسمي مع المواليد الجدد، قبل أن يُقبِّل جبيني أيلول ويقول: أهلًا بك في حدائق الدنيا المشرعة الأبواب.
نعم قرأتُ كل هذا في عينيك ولكنِّي لم أخبرك! تركتك لفراستك ولحدسك القوي كي يحدثاك عني طويلًا، وعمن تكون الغازية الجديدة لعناقيد العنب قبل أن تجف عروقها في قلبك ويلفظها على أبواب الخريف!
أنا لا أستخدم عصا القصص السحرية فأضربك على رأسك مرة فتراني السندريلا الهاربة بعد الثانية عشرة ليلًا، وأضربك مرة أخرى فتراني فتاة الغابة اليتيمة التي يهبط إليها أمير الأمراء من سابع قصر، أو
 " سنو وايت " في بلاد العجائب... لا، لا، لا.
أنا أحبُّ جدًا أن أراك وأنتَ تذوب في داخلك إلى أن تتحول إلى كرة من الشهد فأقوم بتشكيلك كما أشتهي... ولا يهمُّ فيما بعد إن سال من بين يدي كل الشهد فأنا ما زلت أحتفظ ببعض القطرات التي علقت في أطراف أصابع يدي اليمين، وعلى وسائد كفيَّ،  وبين سطور هذا الورق... وأنتَ لا تدري!
أنتَ الذي يدري... ألم تكن بانتظاري قبل الميلاد بألف عام، وجاءتك البشرى، وهبَطتُ إليك قبل أن تهبط من قصرك السابع خلف المحيطات في قارة تكاد الشمس لا تزورها ويكاد البشر لا يعرفون لها أي عنوان.
ومع ذلك فأنا قرأت في عينيك ومنذ أول لقاء أنك كنتَ في انتظاري! ولن يطول بك الانتظار، لن يطول بك الانتظار... أنا على موعدي الآن، أعددت إليك العشاء الأخير ، وموسيقى تنساب من بين الأهداب، وشموعًا تعزف لحن اللحظة، وخاصرة  طال بها  أمد الانتظار لرقصة تختتم بها هذا المساء!
لا بدَّ أن تثبت أناملك جيدًا على خاصرة الرقص وإلا فقد تفلت منك الأميرة، وتفرُّ من ساحة الرقص، وقد تدُق الساعة الثانية عشرة ليلًا،  وتهيمُ الفتاة على وجهها في غابة الذئاب، ويذوب الثلج عن أميرته فتلعقه ألسنة ونصال.
وتصحو أنتَ لتجد نفسك تحلم برقصة المساء في عشاء كان هو الأخير لأنك ما استطعت تثبيت أناملك الخائفة على خاصرة الرقص! فكان عشاؤك الأخير... كان هذا هو العشاء الأخير.