رشا حلوة - " وكالة أخبار المرأة "

لم يمر وقت طويل على إصدار مخرج الإعلانات والفنان المصري، تميم يونس، أغنيته "سالمونيلا"، مع فيديو كليب، حتى أصبحت موضوع الساعة، ليس في مصر فحسب، بل في المنطقة العربية.
أتت أغنية "سالمونيلا" بعد أغنية "إنت أي كلام" (والتي لا تحتوي إلا على هذه الجملة). يبدأ يونس أغنيته الجديدة بأسلوب "رومانسي"، يعبّر عن انجذابه لفتاة، ويقول: "أنا شفتك مرة في حته (مكان)/ وطلبتِ لاتيه (قهوة)/ فهروحلك نفس الحتة لحد ما أقابلك فيه/ ومش همشي أنا قبل ما آخد رقمك فمتكسفنيش".
إلى هنا، بإمكان وصف المقطع على أنه قصة، أو رغبة الشاب القوية بأن يعبّر عن إعجابه بالفتاة، حتى أن الخلفية الموسيقية ملائمة لهذه الأجواء.
 لكن المأساة تبدأ مع المقطع الثاني، الذي يتحوّل فيه كلام الأغنية إلى تهديد وهجوم، فيقول يونس، أثناء تحوّل لحن الأغنية أيضاً إلى موسيقى مهرجانات: "وإن قلتي لأ/ يلعن أبو شكلك/ بكرا يقابلك حد يقولك لأ تلؤ طعامتك تيجي في كرامتك/ ويجيلك سالمونيلا وتصحي فشله (سمينة)/ وتجري ورايا متلحقنيش/ عشان تبقى تقولي لأ".
بعد النقد والهجوم على أغنية "سالمونيلا"، والموجه بالأساس إلى أن الأغنية تحرّض على العنف ضد النساء وعلى ثقافة الاعتداء عليهن من قبل رجال، إن لم تلبي النساء رغباتهن بالدرجة الأولى، كما أنه بعد الدعم الذي حصل عليه ادعاء يونس بأن الأغنية هي "ساخرة" و"ناقدة" للرجال الذين يتصرفون بهذا الشكل، أصدر يونس فيديو "يوضح" فكرة الأغنية، مشيراً إلى أنه لم يرغب بأن يسجل هذا التوضيح، لكنه: "مضطر أعمله"، مشيراً إلى أن المقصود في الأغنية هو مهاجمة من يقوم بهذه التصرفات، ومن يقدّم نفسه للفتاة على أنه رومانسي إلى أن تقول له "لأ"، عندها يتحوّل إلى هجومي وعنيف. وأضاف: "مكنش ينفع اكتب كلام ده في الوصف لأنه كان هايفضح فكرة الأغنية ويبوظ اللي فيها… وأنا بهزر وبحب الهزار ومش هابطل هزار".
بداية، يأخذني ما قاله يونس بشأن "التوضيح كان سيمس بفكرة الأغنية"، إلى عامل المسؤولية تجاه المتلقي، وكشخص مثله يعمل في مجالات الإعلانات، الذي يدرك أنه أثناء عرض أي محتوى قابل للتفسير على أنه عنيف، يجب أن يرافقه توضيح للمتلقي، كي لا يتم تفسيره بعكس هدف الإعلان، مما يتحوّل إلى ضرر. وفي قضايا حساسة، كالتحرّش الجنسي، والتي نعيشها باستمرار وخاصة في مصر، كان الأولى بتميم يونس أن يضيف توضيح ما إلى الأغنية، كأداء مسؤول أمام جمهوره، الذي يعمل يونس جاهداً بأن يتسّع قدر الإمكان، من خلال استخدام أدوات لها امتداد شعبي، الكوميديا (وإن اختلفنا بشأن ما يقدّمه يونس) أو الموسيقى المستخدمة في أغانيه، التي بإمكانها أن تصنّف كفن شعبي. وهذا التنصيف ليس ذماً.
الأمر الثاني الذي أوّد الإشارة إليه، هو تبرير كل شيء باسم السخرية و"الهزار"، خاصة بما يتعلّق بأداءات ذكورية تتجسّد في أشكال فنية، كالأغاني والدراما والسينما... وهذا يختلف عن حضور الذكورية في الأعمال الفنية بعيداً عن التعامل الساخر معها، مثلاً وليس حصراً، أغنية "جمهورية قلبي" لمحمد إسكندر، والتي يقول مقطع منها: "إحنا ما عنا بنات تتوظّف في شهادتها"، حيث هزّت الأغنية ساحات الأعراس العربية، مع الانتقاد المتواصل لها، إلا أن البعض قد واصل الرقص عليها، مع تجاهل ما يمكن أن تبلوره شعبية هذه الأغنية من قمع للنساء على يد أقرب الناس إليها: أبيها، أخيها، زوجها، إلخ…
بالعودة إلى تميم يونس واستخدام أحقية السخرية في تبرير أفعال. لكل منا ذاكرة لمواقف تصرّف فيها رجل معنا، سواء كان من دائرة العائلة أو الأصدقاء أو العمل، وأزعجنا هذا التصرف أو الحديث معنا، وكان رد الرجل على امتعاضنا أو مساءلة الآخرين: "ما أنا عم بمزح معها!". مما وضعنا، كنساء في مثل هذه المواقف، في مواضع خجل أو "أقل حكمة" في إدراك أن تعامل الرجل الذي أزعجنا، كان "مجرد مزحة"!، وكبتنا لسنوات طويلة شعورنا الحقيقي، الذي لم نتجرأ أحياناً على البوح فيه، والذي مفاده: "بس هالمزحة جرحتني". خوفاً من أن يأتي من يطلب منا دليلاً مادياً لتفسير الأذى الذي سببته تلك المزحة.
من حقّ يونس الادعاء أن الأغنية هي "هزار"، لكن من حقّنا المطالبة من يونس، وغيره من مناصري السخرية كغطاء لأداءات ذكورية، أن يتحملوا ولو لمرة أبعاد هذه السخرية على شرائح عديدة من الناس، وأن يختاروا مواضيع أخرى ليسخروا منها، بعيداً عن أجساد النساء، أرواحهن وحقّهن بحياة كريمة وعادلة.
في تعليق على أحد منشورات تميم يونس "الساخرة" والتي كتبها في صفحته على فيسبوك، قالت إحدى المعقّبات: "الموضوع مهم ومش موضوع هسترة ودم تقيل… مش عارفة شفت شوية الميمز (لا أعلم لو رأيت الرسومات الساخرة) اللي طلعت ولا لأ؟ اكيد شفت صور بنات المنصورة والميم مكتوب فيه "عشان تبقي تقولي لاً").
وهنا تستند المعقبة إلى حادثة التحرّش الجماعي بفتاة في المنصورة، حيث استُخدمت من قبل البعض جملة "عشان تبقي تقولي لأ" في إحدى المنشورات تعليقاً على الجريمة، كتبرير للتحرّش، والأبشع، للوم الضحية على ما تعرّضت له من اعتداء جنسي.
هذا التعقيب هو نموذج لأبعاد محتوى فنّي كما أغنية "سالمونيلا"، سواء كان "ساخراً" أم لا، على عدد من المتلقين/ات. وهنا أريد الإشارة إلى أنني لست ضد السخرية، ولا الضحك، لكنني أحبّ كل هذا عندما يأتي من مكان مسؤول، من عدم استهتار في عقل المتلقي، من عدم التذاكي على حساب الوعي بما يمكن لهذا المضمون من أن يلعب من أدوار قد تكون سيئة - على أقل تقدير. المسؤولية التي أتحدث عنها، هي تلك القادرة على إدراك أن العالم مليء بمواضيع يمكن أن نسخر منها… وليتركوا أوجاع النساء وأجسادهن وشأنها، وليدركوا أن جملة "كلا يعني كلا"،  والتي تستند عليها قوانين عديدة بالدفاع عن النساء، هي ليست للسخرية، وبالتأكيد، ليس على لسان رجال.