رشا حلوة - " وكالة أخبار المرأة "

صادف السبت، 25 كانون الثاني/ يناير 2019، الذكرى التاسعة للثورة المصرية، والتي عُرفت بـ "ثورة 25 يناير". من الصعب اليوم، وفي ظل الواقع الذي تعيشه مصر تحت حكم السيسي، من ظروف معيشية صعبة، ملاحقة مستمرة للحريات، تقييد لحرية التعبير والرأي والصحافة، في ظلّ اعتقالات واختفاءات عديدة لشباب وشبان، أن نلمس ضوءاً ما وسط هذه العتمة.
لكن، مما لا شكّ فيه، أن الثورة المصرية منحتنا أشكال حياة جديدة، فتحت لنا شبابيك على الأسئلة والبحث والمعرفة، شقّتها سقوط جدران خوف كثيرة، فردية وجماعية. وكأن الألم عليه أن يمشي يداً بيد مع الأمل، بأن يكون الغد أفضل، حنوناً على قلوب الناس وأكثر عدالة مما مضى وما نعيشه اليوم.
مع رغبتي بتناول الثورة المصرية كموضوع لمقالي هذا الأسبوع، وبعد تنهيدة استيعاب مرور 9 أعوام على 25 يناير 2011، ومحاولة رصد كل الأحداث والمحطّات التي مرّت بها مصر والمصريين/ات، فكرت بأمر واحد، ألا وهو النساء المصريات، وكيف أثّرت الثورة على حيواتهن ونضالهن من أجل حياة كريمة، عادلة، وفيها مساواة كاملة، وكيف أثّرن هن على الثورة، كما وعلى حيواتنا، نحن البعيدات والمتابعات.
بداية، من المهم الإشارة إلى أني لست مصرية بالمفهوم التقليدي. أي لم أولد في مصر، وليست لدي أصول مصرية (على قدر ما أعلم)، لكن مصر كانت حاضرة في عكّا، وفي حميمية  البيت. حضرت، وما زالت، في اسم أمّي، واسمي أنا، مروراً بالأغاني التي سمعناها يومياً والأخبار التي تابعناها، المسلسلات والأفلام التي نشاهدها حتّى اليوم، وما إلى ذلك من تفاصيل تُخلق قارباً وهمياً يتحرك بين ميناء عكّا وميناء الإسكندرية… وتجعلني مصرية على مزاجي.
هذه ليست قصتي وحدي، بل قصص كثيرين تربطهم علاقة ما مع مصر، وكانوا حاضرين كل لحظة مع أخبار مظاهراتها وناسها التي وصلت عبر قنوات عديدة، منها غير الرسمية، قبل 9 سنوات.
بالعودة إلى النساء المصريات والثورة المصرية، ولأني أرى اليوم أن كل ما يحدث في المنطقة العربية والعالم، له تأثير ما على الحراك النسوي فيها، وعلى الرغم من المصاعب والتحديات المتواصلة، إلّا أن هنالك أبعاد مهماً وإيجابية، بإمكاننا الحديث عنها، نجحت في خلقها وفرضها، نساء مصريات في حقول حياتية عديدة.
أعتبر أن الثورة المصرية أجرت تحوّلاً على هذا الصعيد، والذي تجسّد بداية في مقاومة كل القمع الممنهج الذي تم ممارسته على النساء من أجل قمع الثورة أيضاً، سواء في جرائم التحرش والاعتداءات الجنسية الجماعية، ملاحقة الناشطات، التنمّر الذي تعرضن له… ورغم ثقل كل هذا، الثقل المستمر، إلا أنه قد قامت نساء بمواجهته، إلى جانب رجال،  من خلال إيجاد حلول وأطر لحماية النساء من القمع الذي يُمارس عليهن من قبل منظومات أبوية حاضرة في النظام السياسي، القانون، والبيت كذلك، ومن جهة أخرى خلق مساحات تواصل رفع أصوات النساء عالياً.
عندما أفكر بالثورة المصرية وما تعرضت له نساء كثيرات، أفكر في الصديقة الموسيقية ياسمين البرماوي، التي نشرت قصّة التحرش الجنسي الجماعي بها بالقرب من ميدان التحرير عام 2013. مع كل الألم الذي بإمكاننا تخيّله، خرجت ياسمين إلى الإعلام تحكي جريمة التحرش بها التي كادت أن تؤدي بحياتها… بالتأكيد لم يكن سهلاً عليها أن تروي أصعب ما مرّت به، إلا أنها لربما عرفت أن هذا هو أحد الطرق الذي سيجعلها "تنتصر" على كل متحرّش، كما وسيفتح أبواب الأمان لنساء أخريات بأن يروين قصصهن، وهذا ما حصل آنذاك، قبل حملات "me too"، وقبل أن ندرك كلنا أهمية هذه الخطوة في أن لا تشعر النساء بأنهن وحدهن في مواجهة محاولات قتل أرواحهن وأجسادهن، كنساء أولاً ومتظاهرات في الثورة المصرية ما زلن يصرخن: "عيش، حرية، كرامة إنسانية".
مع زياراتي لمصر بعد انطلاق الثورة، شاهدت مظاهرات نسائية في الشوارع، استمعت إلى صديقات يسردن حكاياتهن وذكرياتهن كما وأحلامهن بمصر التي في خاطرهن… فيها لا يُقمع أحد بسبب رأيه، فيها تلبس النساء ما يرغبن من ثياب، وفيها لا يُضربن بالشوارع لمجرد أنهن يمشين فيها.
لم تقتصر علاقتي مع الحكايات بأن أسمعها فقط وأنا جالسة مع صديقات في مقاهي القاهرة أو بيوت الأصدقاء في الإسكندرية، بل كانت قائمة على أحاديث دائمة عبر رسائل فيسبوك أو مكالمات السكايب، وبالتأكيد، حاجتي الدائمة لمتابعة قصصهن من بعيد، والتي جميعها كان لها تأثير ما على حياتي وبلوّرت علاقتي مع هويّتي كامرأة، وبالتأكيد ساهمت في كسر حواجز خوف عديدة، ألمسها اليوم أكثر.
هذا مع الإدراك، أن في لحظات تاريخية ما، وعندما نقوم بفعل ثوري، لا نفكر كثيراً في أبعاده "العميقة"، هي أشياء تحدث أو نفعلها لأننا نريد أو نحتاج، ولربما عندها لا نشعر بتأثيرها على حيواتنا، يحتاج ذلك إلى مساحة من الوقت، نبتعد فيها عن الحدث بلحظته المباشرة، ونرى كم غيّرنا وبلوّر صورتنا وأصواتنا فيما بعد.
بالعودة إلى النساء المصريات، من الجدير بالذكر أن حضور المرأة المصرية في الثورة، لم يقتصر فقط على مواجهة كل الانتهاكات التي تُمارس بحقّها، بل كان لها دوراً أساسياً في مسار الثورة وحتى يومنا هذا. نساء كثيرات دفعن أثماناً باهظة، منهن من اغتُصبت، منهن من قُتلت، ومنهن من اعتقلت ومنهن ما زالت خلف القضبان تنتظر أن تحضن ابنها من جديد، منهن من اضطرت إلى الهجرة بحثاً عن مكانٍ أكثر آمناً لها ولعائلتها، ومنهن من قررت أن تحاول عيش حياتها قدر المستطاع، بعيداً عن المعارك، وهذا حقّها تماماً.
على الرغم من دور الوقت في أن يُبعدنا عن الماضي، إلا أن هنالك محطّات في التاريخ، نعيشها مباشرة أو من خلال تجارب آخرين، تبقينا قريبين منها بفعل تأثيرها المستمر علينا، وأتمسك هنا بتأثيرها الإيجابي علينا.
وهذا ما يحدث مع الثورة المصرية،  التي لم تحقق حتى الآن أهدافها، ولم تجعل من مصر بلداً يطيب العيش فيه، ليس لأن المجهود لم يكن كافياً، بل لأننا نعيش في بلاد حكّامها لا يأبهون بحياة كريمة لمواطنيها، لكن، هل يمكن أن نتجاهل، بأننا نحن الذين كنا في العشرينيات عام 2011، نعيش آنذاك حريتنا خلف الشاشات وعبر رسائل الهواتف النقّالة، كبرنا منذ تلك اللحظة، ونحن متأكدين ومتأكدات، وما زلنأ، بأن الحياة الكريمة قابلة للتحقيق رغم كل شيء؟
ختاماً، ومن خلال هذا الكلمات، أريد أن أوجه تحية ومحبة للنساء المصريات، اللاتي دفعن حياتهن ثمناً إيماناً بأحقية الحياة العادلة، واللاتي ما زلن يدفعن هذا الثمن من خلف القضبان… شكراً لكن، فنحن ما زلنا نتعلم منكن كل يوم، وأنتن ضوء هذه العتمة.