الكاتبة الصحفية: فاطمة المزروعي -الإمارات العربية المتحدة- خاص بـ "وكالة أخبار المرأة"

في التجربة النفسية الشهيرة لعالم النفس الاجتماعي سولومان آش توضيح للطريقة التي يعمل فيها الذهن وسط الجماعات. تضمنت التجربة أن يشارك عدة أشخاص في تحدي جميع هؤلاء المشاركين هم ممثلون إلا مشارك واحد، وسيطلب منهم ملاحظة ما يُعرض على لوح معروض أمامهم، ومن ثم الإجابة على أسئلة واضحة ولا تحتاج لقدر عالي من الذكاء أو لقوة الملاحظة، وسيقوم المشاركين الممثلين بتقديم إجابات خاطئة في كل مرة يُسألون فيها، مما يجعل المشارك الوحيد الذي لا يملك أي فكرة عن التجربة أن يقوم بتقديم نفس الإجابات الخاطئة رغم وضوح ملامح الارتباك وعدم الموافقة عليه.
إن ضغط الأقران والرغبة في الانتماء قد تغير معتقداتنا وآراءنا وتوجهاتنا كليا، وتؤثر على تصرفاتنا كأفراد وحتى كمجتمع، ورغم أن معظم الناس تدعي القوة والتماسك عندما يتعلق الموضوع بتوجهها وفكرها إلا أن هذه التجربة أثبتت أن من الطبيعي إن يذعن ويغير الإنسان فكره تحت الضغط الاجتماعي والنمط السائد.
إن الإذعان لضغط الأقران كصفة اجتماعية، هو أمر طبيعي جدا وضروري في الواقع. ذلك لأن الرغبة الدفينة في الانخراط وسط مجموعة والشعور بالانتماء وعدم الاختلاف، والإحساس الدفين بالربكة والحيرة عند الاختلاف والنشوز، هذه الاحاسيس هي في الواقع وُجِدَت لأجل البقاء على الرتم البشري الاجتماعي.
حيث أن هذه المشاعر اللاإرادية التي تنتاب الفرد، من الناحية الاجتماعية، تقوم بتسهيل مسيرة المجتمع والإبقاء على جريانه وتمدده الطبيعي. أما من الناحية الفردية، فإنها تقوم بدور جرس الإنذار الذي يحذر المرء ويحميه من المخاطر.
على سبيل المثال لو أن مجموعة من الأشخاص ينظرون إلى جهة معينة وقام بشخص بالإعراض عن النظر بسبب فردانيته وعدم شعوره بالرغبة بمواكبة هذا السيل الجماعي الذي ينظر إلى تلك الجهة، فإنه من المحتمل أن يعرض نفسه إلى خطر الإصابة أو الضرر كون أن ذلك الشيء الذي ينظر إليه الجميع كان سيارة مسرعة. إن ادمغتنا تكيفت ونمَت لكي توفر لنا أسس البقاء والعيش. والإذعان تحت ضغط الأقران والمجتمع ليس إلا أحد تلك الغرائز.
تكمن خطورة الرغبة في الإذعان والاندماج مع الأقران عندما تخلق حالة تدعى في علم النفس الاجتماعي بالتنافر المعرفي وهي كما يعرفها ليون فستنغر عالم النفس الشهير، على أنها الحالة العقلية التي تنتاب الفرد عندما يجد نفسه أمام فكرتين متناقضين ومتعاكستين، وهي الفكرة التي يؤمن بها والفكرة السائدة في المجتمع، فيقوم الذهن بمحاولة التبرير والتنسيق بين الفكرتين والانكار وإبعاد مزيد من المعلومات التي قد تزيد من حالة التناقض، وغيرها من المحاولات، كي يصل لحل منطقي أخير ليعيش حالة من الاتساق والسلام الداخلي.
الخطورة الأخرى في الرغبة في الاندماج، هي الإذعان المعلوماتي. وهي الحالة التي تجعل الفرد الذي تنقصه الخبرة والمعرفة في أمر ما أن يبحث عمّا هو سائد ومتعارف عليه ليصبح فكره واعتقاده الشخصي.
من المهم جدا أن يتعلم الإنسان مهارة الإذعان والتميز. وهي أن يعرف متى ينخرط ويساير التيار الاجتماعي وتمدده، ومتى يكبح شعوره الجامح في الاندماج والاختفاء وسط المجتمع وأن يتخذ موقفا صادقا وحقيقيا على الأقل في داخل حالته الذهنية والفكرية. فرغم وجود فوائد اجتماعية وفردية في الرغبة الإنسانية الدفينة في الاندماج
2 / 2
والتطابق مع المجموعات والأقران، إلا أن الوعي عن هذه الرغبة وطريقة عمل الدماغ تجاهها أمر مهم للغاية، لِما تنطوي عليه أيضا من مخاطر قد تجعل الإنسان ضحية للتلاعب والتغييب والتسفيه به وبأفكاره وتوجهاته دون أن يشعر أبدا.