منى زيدو - مصر - " وكالة أخبار المرأة "

وما زلنا حتى الآن نردد من دون خجل أن المرأة نصف المجتمع أو هكذا قالوا لنا وعلمونا أنه لا حياة من دون احترام المرأة، حتى وصل الأمر بسن قانون في معظم دول العالم ووضعه في دساتيرها على أنَّ حق الحياة والتعليم مصان لكل مواطن وكذلك المساواة بين الجنسين. وهنا مصطلح مواطن بكل تأكيد ينطبق على الرجل والمرأة بحكم أن اللغة العربية لا تفرق بين الجنسين في القانون والكل سواسية.
وأما دينيًا فحدث ولا حرج في أن الدين كرَّم المرأة وأخرجها من الظلام إلى النور وهي المربية والمدرسة والمعلمة وفي آخر المطاف هو أن "الجنة تحت اقدام .....". وهناك الكثير مما قيل وقالوا عن المرأة بين صفحات الكتب والدساتير والكلام. لكن حينما تبحث عن تطبيق هذه المصطلحات والتعابير والقوانين على أرض الواقع نرى كِلا الفريقين من القوميين العلمانيين الذين يتبجحون بأن المرأة نصف المجتمع وأن لا حرية لأي مجتمع من دون حرية المرأة، وكذلك للذين يدَّعون الدين بأنه قد تمّ تكريمها وأن الجنة تحت أقدامهن، وبنظرة سريعة للمجتمع نرى أنه ما زالت المرأة في قاع السلم المجتمعي ويتم استِغلالها من كافة النواحي لتنميطها أكثر ولتكون أداة بيد من يدّعون الفكر والوعي من رجال العلم والكهنة الدينيين.
فشل ثورات الربيع ربما كان سببها الأساسي هو غياب دور المرأة الحقيقي فيها بكل معنى الكلمة. فلم تكن المرأة متواجدة في هذه الثورات إلا من خلال بكائها وحزنها وهجرتها ونواحها على مفقود في أحسن الأحوال. أو أنها بالفعل لم تستطع أن تربي الانسان الحر المقاوم والواعي الذي سيقود ثورة التغيير نحو الأفضل. ففي كِلا الحالتين تم تغييب المرأة بشكل فظ من قبل السلطات الذكورية التي لا يهمها من المجتمع إلا وأن يكون خانعًا ولا يهمه من المرأة أي شيء سوى أن تكون ولاّدة ومفرخة للأطفال، وغير ذلك ليس مطلوب منها أي شيء. وهذه هي الحقيقة المؤلمة التي رأينها من خلال مظاهر التراجيديا المأساوية التي حلّت بنتائج الثورات التي عمّت المنطقة منذ عقد من الزمن.
في كل الثورات كانت المرأة غائبة أو مغيبة ولم يكن لها أي دور سوى بعض المشاهد التي كان مطلوبا منها أن تؤديها وبعد أن ينتهي دورها وتحفيزها للجماهير يتم تغييبها عن الصورة ليبقى المتسلطون هم من يمسكون بزمام
المبادرة وإعادة تعويم السلطة بشخوص وأسماء جديدة ولكن تحمل نفس العقلية الاقصائية التي تنظر بدونية للمرأة لا أكثر، وفي أحسن الأحوال يتم توكيل وزارة أو منصب رسمي آخر لها ويتم التطبيل على أن المرأة أخذت حقوقها وأن الثورة وصلت لمبتغاها. وهكذا يتم وأد المرأة بمنصب أو كرسي وكأننا نعيد الجاهلية الأولى ولكن بثوننتها أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي لا أكثر.
وأدُ المرأة بمنصب هو الشيفرة التي يختفي وراءها فراعين السلطة المستبدون ويروجون للثورة المضادة على أنها حق المواطنة ودولة المستقبل التي نتمناها. هذا ما حصل في سوريا والعراق وليبيا. وحتى تونس التي كانت المرأة هي السبب في ثورات الربيع والتي انتشرت في باقي الدول كبقعة زيت راحت تنتشر وتتمدد إلى أن بدأت الثورة في السودان.
وجلب الحضورالنسائي أنظارالعالم بأسره، لاسيما عندما توجهت الأضواء نحو الطالبة آلاء صلاح التي سحرت الجميع بوقفتهاعلى ظهرسيارة، حيث خاطبت الحشود وغنت والمتظاهرون يرددون وراءها "ثورة".
وتحولت الطالبة ذات الـ22 ربيعا بثوبها الأبيض الطويل وقرطها الذهبي رمزا لهذه الاحتجاجات.
ولا تمثل آلاء صلاح فقط دور النساء في هذا التحرك بل وتحيي، عبر صورة الملكة النوبية "كنداكة"،الثقافة
السودانية التي طمسها نظام الاستبداد.
وبانتهاء الثورة انتهى دور آلاء واختفت المرأة بشكل عام من مسرح الثورات وعادة إلى دورها المنوط بها وتكرار ما كان موجودًا وكأن الثورة قامت فقط لتغيير شخص بعينه وليس نظام.
وهذا ما حصل بكل تفاصيله في سوريا أيضًا حتى تحولت الثورة إلى ثورة مضادة للشعب وتحول الثوار إلى مرتزقة عند أردوغان وبيادق على رقعة شطرنج أجنداته العثمانية. تركوا سوريا بالمستبد الذي قاموا من أجله بالثورة وحولوا وجهتهم إلى ليبيا للحفاظ على الأمن القومي التركي الاردوغاني العثماني. هؤلاء هم المرتزقة الذين أنجبتهم امرأة كانت تبحث عن المساواة وحقها في النصف الآخر من المجتمع أو عن الجنة التي هي تحت أقدامها، والتي لم تكن سوى جحيم على المرأة بحد ذاتها. وما زالت المرأة تبكي وتلطم وتصرخ وتُغتصب حتى تُدرك أنه لن يجلب لها أحدًا حقها إن هي لم تناله بيدها.
ولا يمكن إغفال دور المرأة في هذه الثورات أبدًا وحتى أنها كانت الملهم والحرك لها وما زالت كذلك، لكن يبقى ضعف التنظيم الكلي لمقاومة المرأة هو نقطة الضعف الأساسية في عدم وصولها لأهدافها. وكذلك تقوقع نضال
وتحركات النساء ضمن حدود نمطية سياسية أفقدها في أن تكون رمزًا وأيقونة عامة لكل النساء في المنطقة. فكيف أن المرأة كانت الملهم في التاريخ وكانت الرمز أيضًا، كما عشتار في وادي الرافدين وماعت في مصر القديمة وافروديت عند الاغريق. وحينما تتحول المرأة إلى قوة منظمة تتجاوز قفص الجغرافيا السياسية ربما تتحول حينها إلى رمز للحرية في كل مكان وتقود الثورة الحقة. وليكن شعارنا "يا نساء المشرق اتحدن".