أميرة فكري - القاهرة - " وكالة أخبار المرأة "

إلى أي درجة يمكن للتجارب الشخصية أن تؤثر على دور الإعلامي؟ وهل كل من يقف أمام الشاشة من حقه مخاطبة الناس بتلقائية وعفوية إنسانية لا أحد يعلم عواقبها غير المباشرة؟ وهل الجرأة ميزة أم يمكن أن تكون لها عواقب وخيمة؟ أسئلة كثيرة تدور في ذهن المتابع لبرنامج “هي وبس” الذي تقدمه المذيعة المصرية رضوى الشربيني، على قناة “سي بي- سفرة”، ويتحدث عن كل ما يتعلق بالمرأة بلا حساسية، الأمر الذي جذب قطاعا عريضا من السيدات والرجال، ووضعوه في مقدمة البرامج الأعلى مشاهدة.
بدأت تتوالد إجابات حرجة ومتنوعة، البعض منها صحيح والغالبية خاطئة، ما أحدث دويا في المجتمع، وأفضى إلى وجود فريقين، أحدهما من المؤيدين، والآخر من المعارضين، للدور الذي تقوم به الشربيني، وتعدى حدود مذيعة جريئة ومجتهدة تحاول لفت انتباه الجمهور إليها، وتحوّل إلى حالة مثيرة وصاخبة تعبر عن عمق التغيرات في المجتمع.
نموذج المذيعة الجميلة الشربيني، لا يجب التعامل معه على أن هناك مذيعة خطت لنفسها طريقا مختلفا وواضحا في الحديث عن قضايا المرأة وعلاقتها بالرجل، بل يجب النظر إليه من زاوية تصاعد الرفض للمحرمات وفسخ القيود المفروضة عند تناول العلاقات الشخصية بين الجانبين، وضرورة معالجتها بأريحية.
يحسب لرضوى، أنها حركت المياه الراكدة في واحدة من “التابوهات” العربية التي ساهم الهروب من مناقشتها علنا إلى زيادة المشكلات، ما جعل ما تقدمه يتجاوز حدود تجارب أو عقد شخصية تمارسها مع جمهورها الذي يتفاعل معها بكثافة، كما يحاول البعض تصويرها، فهي في النهاية فتحت الباب لعدم دفن الرؤوس في الرمال.
تحظى بجمهور واسع من مختلف الفئات النسائية، بحكم تركيزها على أن تكون اللسان المدافع عن المرأة، حتى أصبحت عاجزة عن تبرئة نفسها من الاتهامات التي تحاك ضدها بعد كل حلقة، على شاكلة أنها سبب رئيسي في “خراب البيوت”، والصوت الإعلامي المعادي للرجال، لدرجة بلغت حد اعتبارها المذيعة التي تحرض الفتيات على رفض الزواج.
حرب على الرجل
يصنفها معارضوها، أنها نقمة على استقرار الأسرة وتتقمص دور المرشد الاجتماعي للنساء وتحث كل زوجة على الطلاق إذا شعرت بأقل إهانة، بينما يراها المناصرون والمدافعون عن دورها، نموذجا للسيدة المتحررة التي أخذت على عاتقها مهمة تحرير المرأة من القيود البالية، بالتركيز على حقوقها ومطالبها وتوصيل صوتها ومساندتها ضد الحط من شأنها، وتشجيعها على التصدي للمتربصين، ولو كانوا من أقرب الناس إليها.
أزمة الشربيني أنها لم تنجح في إقناع المشاهد بأنها مذيعة محايدة، ولم تعد أسيرة علاقة زوجية شخصية انتهت بالطلاق بعد إنجاب طفلين، فهي كثيرا ما تُذكّر الناس أنها مطلقة ولم تجد الحياة المثالية، ما جعلها تتناول العلاقات الزوجية القائمة والمستقبلية بطريقة تشاؤمية.
ما ساعدها على أن تكون ضمن صدارة الأكثر مشاهدة ووضع برنامجها ضمن الفئة الأولى في الإعلانات الأكثر سعرا، أنها اختارت لنفسها طريقة غير مألوفة من خلال التركيز على إنصاف النساء، في حين أن أغلب البرامج متهمة بالتحامل عليهن، وتصوّر المرأة على أنها العنصر المتمرد الذي يتحمل وحده تشققات الأسرة.
لا يحتاج الأمر كثيرا لفهم أسباب شهرة الشربيني، إذ يكفي اسم البرنامج “هي وبس” لمعرفة الفئة المستهدفة التي تشكل قرابة نصف قوام المجتمع، كما أنها اعتادت مشاركة جمهورها تجاربها الشخصية بكل جرأة دون خجل، وتحكي عن مآسيها وقصة انفصالها عن زوجها، وكيف وصل بها الحال لأن تعيش حياة بائسة ماديا ونفسيا.
لم تكن الشربيني المذيعة الأولى التي يهتم خطابها بالهجوم على الرجال لصالح المرأة، لكنها  ركزت على وتر حساس لدى الأغلبية النسائية، وهو شعورهن بالقهر والظلم والتقليل من شأنهن، بل إن التهمة التي تطارد أغلبهن هي أنهن السبب في ارتفاع نسب الطلاق.
بدأت تنتشر في مصر ظاهرة البرامج النسائية، فهناك “كلام ستات” الذي يبث على فضائية “أون تي في” ويركز على المرأة وحقوقها ويقدم الحلول لمشكلات النساء، لكنه لم يحظ بذات الشعبية التي أصبح عليها برنامج الشربيني، وسبق ذلك برنامج “انتباه” للإعلامية منى عراقي على فضائية “القاهرة والناس” واعتادت إظهار العداء للرجل.
تُصنّف المذيعة مفيدة شيحة مثلا، عضو فريق برنامج “الستات ما يعرفوش يكذبوا” على فضائية “سي بي سي”، على أنها من أكثر الإعلاميات معاداة للرجل، وانضمت المذيعة اللبنانية راغدة شلهوب مؤخرا إلى قائمة المهاجمات للرجال، بتقديمها “قطعوا الرجالة” على فضائية النهار، قبل أن يتغير اسمه، بضغوط من المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، ويسمى “تحيا الستات”.
لا أحد ينكر ارتفاع نسبة مشاهدة البرامج النسائية المنافسة للشربيني، لكنها تبدو نمطية وتقليدية في مناقشة قضايا المرأة والهجوم على الرجال، وتتّبع أسلوبا رائجا في الإعلام المصري، بأن تتم استضافة شخصيات بعينها للحديث في شؤون النساء ومشكلاتهن، لكن رضوى تعتبر المشاهد الضيف الذي يدير الحلقة وفق رغبته، ويتحدث كيفما يشاء.
يظل أسلوب الفضفضة العائلية التي تستخدمه في مخاطبة جمهورها أكثر ما يؤهلها لأن تكون قريبة من المشاهدين، فهي تتحدث بلسان الصديقة والأخت والأم دون تكلٌّف، وترفض أيّ لقب يُطلق عليها سوى رضوى، وتبرر ذلك بأنها جزء من العائلة التي تشاهد البرنامج وعلى أفرادها التحدث معها بأريحية بعيدا عن الرسميات، لذلك نجحت في توصيل رسائلها بسهولة.
تبدو ذكية في اختيار جمهورها، ويظهر ذلك في إصرارها على أن تكون الصوت المعبّر عن النساء في كل الأعمار، وتتحدث للفتاة الصغيرة التي تعيش علاقة عاطفية مأزومة، والمتزوجة والمطلقة والعانس، وتتطرق إلى كل القضايا، ولا تهمل الموضة والجمال وكيفية الاعتناء بالبشرة، وطريقة ارتداء الملابس، وكيفية خفض الوزن لتحقيق الرشاقة المطلوبة، لكن تظل نصائحها الزوجية للعنصر النسائي في صدارة الاهتمام.
قنابل ونصائح
يحسب لها أنها صريحة إلى أقصى درجة، ولم تخف عن جمهورها أنها مذيعة فشلت في كل تجاربها الإعلامية السابقة، مع بداية عملها في برنامج “بروباغندا” على شبكة تليفزيون “إيه آر تي” قبل 15 عاما، أو قناة الحياة، أو حتى عند تقديمها برنامج “أنا مصر” على شاشة التلفزيون المصري، وبررت إخفاقها المستمر بأنها كانت قبل كل حلقة تحفظ مصطلحات بالعربية الفصحى كي تبدو مذيعة مثقفة، ولم تتحدث بتلقائية كانت ترغب فيها.
تشير الشربيني إلى أنها مذيعة لا تجيد التمثيل، ولا تختار كلماتها بعناية، وتقول ما يخطر على بالها في حينه، وباتت من العناصر النادرة التي تذيع برنامجها دون إعداد مسبق، فلا تملك فريقا للإعداد، ولا تخطط ماذا ستقول، وبأيّ طريقة تخاطب الجمهور.
ترفض وصمها بالممثلة، وعندما تلقت العديد من العروض لدخول عالم التمثيل رفضتها، بذريعة أنها لا تجيد التظاهر بالحب مع شخص تكرهه، ومشاعرها تجاه الآخرين تظهر على وجهها مباشرة، واشترطت للمشاركة في أيّ عمل فني ألا يكون هناك سيناريو أو حوار وتظهر بشخصيتها مع عدد ساعات تصوير قليلة.
تمسّك الشربيني بالعفوية والصراحة عند مخاطبة جمهورها النسائي يفسر جزءا من شعبيتها، لكن الوقوف قليلا أمام هذه السمات يكشف بوضوح أسباب العزوف عن متابعة البرامج الأخرى، لأن شعور المشاهد بأن المذيع محكوم بطريقة ولغة وعبارات بعينها، أو العمل وفق دائرة مليئة بالخطوط الحمراء كفيل لأن يعاقبه الجمهور بعدم المتابعة والتفاعل معه.
تقدم النصيحة للفتيات والزوجات وفق تجربتها المريرة التي عاشتها قبل انفصالها، وتحكم على كل أزمة تقصّها امرأة، من وجهة نظرها الشخصية، وتنتصر لهان ظالمة أو مظلومة، وتغض النظر عن رواية الطرف الآخر “الرجل”، ما تسبب في مشكلات أسرية كثيرة، لدرجة أن إحدى متابعات البرنامج أعلنت أنها انفصلت عن زوجها بعد أن اقتنعت بالنصائح التي تستمع إليها في برنامج “هي وبس”.
يكفي للحكم على طبيعة نصائح الشربيني أن تشاهدها وهي تستمع إلى مشكلة امرأة متصلة بالبرنامج تحكي مأساتها مع زوجها أو عائلتها، فقد تجد ملامح وجهها استشاطت غضبا، وتتعامل وكأن الموضوع المثار يخصها، والإهانة التي تتحدث عنها الشاكية موجهة لها.
يُنظر لها على أنها مذيعة تحمل قنابل موقوتة في شكل نصائح نسائية مفخخة، لأنها تصبغها برؤية شخصية نابعة من تجربة قاسية، ولا تدرك أنها تخاطب المرأة في مجتمع يعج بالأمية، أي أن الكثير من الجمهور لا يستطيع انتقاء النصيحة وتوظيفها وفق ظروفه ومستوى تعليمه، وبعض النساء يطبقن النصيحة بحذافيرها ودون وعي.
في نظر البعض من الحقوقيين، لو كان المجتمع منصفا للمرأة، لما ظهرت الشربيني على الشاشة، لكن الحالة المصرية هي من صنعت البرنامج وجعلته ناجحا بمقياس المشاهدة، ما يعكس حجم المعاناة التي تعيشها المرأة، ومع كل زيادة في جماهيرية “هي وبس”، فإن ذلك يعني ارتفاعا في معدل المشكلات.
تظل طريقة دفاع الشربيني عن قضايا المرأة وحقوقها انعكاسا للحالة المجتمعية التي تتصاعد فيها نسبة التشدد، فهي صاحبة عقلية لا تلين تجاه الرجل، ولا تختلف كثيرا عن الداعية الأزهري والسلفي في نظرته للنساء، وإنصافه المطلق للرجل حتى لو كان على خطأ.
ويرى البعض أن الفريقين، الشربيني كمذيعة تعادي الرجل، والداعية الذي يقلل من شأن المرأة، ربما يكون خروجهما من حلبة الإعلام بداية للمساواة بين الجنسين.
حدود الخطر
مشكلة الشربيني أنها لم تقتنع بعد، كم من السيدات يتخذن منها مثلا أعلى في طريقة الحصول على حقوقهن وإجبار الجنس الآخر على احترامهن، ويظهر ذلك في حجم التواصل معها عبر البرنامج وعلى حسابها الشخصي فيسبوك، لكن أمام هذه المسؤولية لا تتعامل بحنكة لدرجة أنها أطلقت ذات مرة حملة بعنوان “بلوك بلوك بلوك”، في إشارة لإنهاء العلاقة كليّا، إذا أرادت المرأة حل المشكلة مع الرجل.
خطورة نصائح القطيعة التامة التي تروّج لها الشربيني، أن التركيبة النفسية لدى أغلب الزوجات أصبحت مهيأة لتطبيق نظرية إنهاء العلاقة مع الزوج في أقرب وقت ممكن، ولأسباب تبدو واهية، بحكم الضغوط الأسرية المرتبطة بالنواحي الاقتصادية والاجتماعية وأحلام الحياة المثالية والصدمة التي تتلقاها بعض السيدات بعد الزواج، ما جعل مذيعة “هي وبس” تُتّهم بتحريض النساء على الطلاق، وعدم الصبر والتحمل، أو حتى تعرّفهن طرقا جديدة لتغيير سلوكيات أزواجهن.
في مرات نادرة وضعت نصائح للزوجات لتجنب الشجار مع أزواجهن، مثل اختيار توقيت الحديث في أيّ مشكلة، وتدليك قدميه بعد العودة من العمل، لكن البعض ينظر إلى هذا الخطاب، كأنه جاء لإنكار تهمة العداء للأزواج، ومناصرة النساء طوال الوقت.
عند الكلام مع الفتيات اللاتي يتابعن البرنامج باستمرار، تشعر وكأنهن يعشن في حالة صراع مع الذات من شدة الكراهية التي تكنها كل واحدة منهن لفكرة الزواج نفسها، ومنهن من أصيبت بعقدة الكراهية لإقامة علاقة عاطفية مع شاب، لأن الصورة الذهنية التي أخذتها من المذيعة والنساء اللاتي يتواصلن معها لعرض مشكلاتهن ومعاناتهن، أصبحت سلبية وخالية من المميزات التي تُغري الفتاة بالارتباط وتكوين أسرة مستقرة.
يؤخذ على الشربيني أنها لا تستطيع إخفاء ازدواجيتها عند الحديث عن الرجال، فهي ترفض التطرق إلى زوجها السابق بأيّ سوء لأنه والد طفليها، في حين أنها بثت فيديو لإحدى بناتها تعرّف فيه نفسها أن اسمها تمارا رضوى الشربيني، وكانت الأم في الخلفية تبتسم وكأنها تتباهى بابنتها، وهي ثقافة غير مألوفة، ما أثار ضدها موجة من الغضب، جعلت البعض يستخدمون الواقعة دليلا على كراهيتها للرجال.
من أكثر المخاطر التي تحملها هذه النوعية من البرامج النسائية أنها تزرع في عقلية المرأة فكرة أن النساء يجب أن يكنّ قويات ويتعاملن مع الرجال بالقوة، كما أنها تروّج لمعان تحض على الانسحاب وإنهاء العلاقة الزوجية سريعا.
وفي النهاية، يرى البعض أنه وبحكم تقديس أغلب الرجال في المجتمعات المحافظة لفكرة السيطرة على مقاليد الأمور، فإن استمرار تثقيف النساء وتعليمهن أن القوة والنديّة تساوي الكرامة والكبرياء وضمان الاستقرار العائلي قد يقود إلى مزيد من الانهيار الأسري، طالما قدمت هذه المنصات الإعلامية نصائحها على أنها الحل الأمثل لعلاقة ناجحة.