الكاتبة الصحفية: أمان السيد - أستراليا - خاص بـ " وكالة أخبار المرأة "

 جحيم السيطرة، والتسلّط الذي يتسلسل بك من الطفولة حتى مرابع الزوجية حين تُبتلى ببيت تسيطر فيه المرأة على الزوج من خلال رؤية خاصة، أو اعتبارات معينة، أوسلوك قد يكون هو نتاج وراثة أيضا، أو يكون ردة فعل عكسية، وما أكثر تنوّع المؤثرات التي ترافق الشخص حتى في حياته الجديدة، فيغوص تحت ركام من الأعاصير يتخبّط بها، وتتخبّط به، وتمرّ السنون دون أن يتذكر ذاك المصدر الأول، ودون أن يدري ما الذي ألقى به إلى الجحيم الذي يغوص فيه، فيتحول من خلاله إلى مطرقة تروح تهوي على رؤوس الآخرين، أو إلى نيران تستعر في وجوههم دون أن يدرك السّر الذي يدفعه إلى ذلك.
 من أكبر المآسي أن يختلّ ميزان الأسَر، والزّواج، فيتمّ تبادل الأدوار بشكل أهوج، فلا يكون الزوج زوجا، ولا الزوجة زوجة، والأقسى من ذلك هو الاستسلام إلى الخطأ بل الرّكون إليه بأقصى درجات الضعف، والاستذلال.
 حين يُبتلى الرجل بامرأة متسلطة، وهنا الاختلال الأكبر، إذ من المألوف، لا المقبول أن يُنسب التسلّط إلى الرجل عادة، فيغرق ذلك الصّنف من الرّجال في متاهات كثيرة، إذ حين يوقنون أنه لا خلاص من ذلك الوضع إلا بغضّ النظر عن جحيم النّزاعات التي تشبّ في البيت، إلى أن يغدو التغييب شكلا جديدا متطورا لتجاهل ما يصدر عن الزوجة من رعونة التّصرف، وحمقه، ويكون اللاكتراث سبيلا آخر لغرق أفظع للنسيان وللتّغافل عن الوضع، الذي يتفاقم مع مرور الزمن إلى أن يغدو صاحبنا مُستضعفا في بيته، مُستأسِدا خارجه، يصبّ لعناته على المحيطين به، وعلى من يحاولون مواجهته بما تعرض له.
 لكن، لا يخفى أنّ للهروب وجوها مختلفة منها الاستغراق في العمل، والاستعباد المادي الذي يفقد معه ذاك الشخص التّوازن النفسي دون أن يشعر بما يجري له، فيتحوّل إلى آلة تعصر نفسها، وتعتصر الآخرين حولها. الفرار البكر، والمستمرّ من مواجهة المشكلة التي هي في أساسها الابتلاء بشريكة متسلطة، وقبلها أمّ متسلّطة توقع ذاك الرجل بين فكي كلّابة مفترسة، ويظلّ الطفل الذي لا حول له ولا قوة رغم أنه قد يكون في موقع كبير في المجتمع، فتخبو لديه القدرة على الخلاص، ويقنع نفسه بأنه سعيد، لا خاضع، ولكنه لا يشعر مطلقا أنه يفتعل السعادة باستعباد المادة له، ويفتعل السعادة بالسّكوت تجاه الاستشراس الذي يتعرّض له يوميا، ويفتعل السعادة حين يقنع نفسه بأن تلك الزوجة طبيعية، وأن كل ما يجري له طبيعي، ويكون قد تسربل بالوهم وتآكل به العمر، ونحت، فلم يبق على شيء يستحق أن تنسب إليه الحياة.
 ليس هنا الكاتب بواعظ، ولا بحكيم، ولا بمعالج نفسي، إنه عارض لمشكلة دقيقة وحساسة جدا، ويطول فيها الشّرح، والتّشريح، إذ تحتاج على الأقل إلى من يتقن الغوص في تضاعيف النفس البشرية ليستطيع أن يستثير ذاك الرّقاد، والاستسلام، والخنوع، ويقتلعه، لعل صاحبنا ينهض من كابوس السعادة الذي يتهيأ له أنه غارق في بحره لذّة، وانتشاء.