سائد كراجة - " وكالة أخبار المرأة ط

لو كنت تسير في شوارع لندن في العصور الوسطى فقد تصادف امرأة تلبس لجاما على وجهها لأن صوتها وكلامها عورة، وقد تكون ذات المرأة تلبس حزاما حديدياً “للعفة” حول خصرها يحمل زوجها المسافر مفتاحه، وقد يعتذر صديقك الإنجليزي عن استضافتك في بيته لأنه باع زوجته مقابل حصان، والواقع أن حال المرأة في العصور الوسطى ظاهرة تاريخية فهو لا يختلف عن حالها في الحضارة الرومانية ولا اليونانية التي لم تعترف للمرأة بإنسانيتها واعتبرتها نجسٌ في ذاتها وفي جسدها وهو الفكر الذي ورثتْه التوراة التي عاملت المرأة باحتقار وقرف شديدين.
بعد حروب أهلية بيْنية طاحنة وحربين عالميتين شاملتين توجهت أوروبا للسلام وحقوق الانسان – على الأقل بين شعوبها وإن مارست حروبا على شعوب الارض الاخرى- لتقيم حضارة وعمرانا وتكنولوجيا، ورفعت في سياق ذلك شعار المساواة بين المرأة والرجل، ورغم كل ما وضعته اوروبا من تشريعات ومعاهدات إلا ان المرأة لم تأخذ المكانة التي تليق بمنجزاتها العلمية والثقافية والاجتماعية، وعدا عن برلمانات بعض الدول الاسكندنافية مثلاً، فإن المرأة ما تزال على هامش المؤسسات السياسية والاقتصادية والثقافية لا بل إن الحضارة الأوروبية قننت في كثير من السياقات استغلال المرأة جسديا وجنسيا بعنواني الحداثة والمعاصرة.
عربيا لا تختلف المرأة في الحضارة العربية عن أخواتها في حضارات العالم، ورغم بعض الأمثلة المضيئة هنا وهناك مثل الولادة بنت المستكفي والخنساء. إلا أن المرأة العربية وُئدت خوفاً من العار والفقر، الأمر الذي حاربه الإسلام واعترف للمرأة العربية المسلمة بحقوق اقتصادية مهمة مثل استقلال الذمة وحق المنافسة الاقتصادية، إلا أن أغلب الفقه في تصوري غلَب في تفسير آيات القران الكريم والأحاديث الشريفة التي جاءت لدعم حقوق المرأة واستقلالها، العقلية الذكورية العصبية، وخاصة في مجال حقوقها الزوجية وموقعها وعلاقتها بأفراد الأسرة.
الحركة النسوية العربية في تصوري حركة معزولة عن السياق التاريخي العربي وهي في أغلبها حركة “تقليد” او تأثر بالحركات الأوربية التي طالبت بالمساواة بين المرأة والرجل، ويلاحظ أيضا أن الحركة النسوية العربية جاءت معزولة عن تحرك ثقافي فكري فلسفي لحقوق الإنسان في العالم العربي ولعل هذا أحد أهم أسباب نجاح الذهن الذكوري العصبي في تعطيل الحركة النسوية العربية ومهاجمتها. ومن هذا المنطلق أيضا فإن أكثر المهتمين في هذا المجال أشاروا إلى أن الحركة العربية النسوية افتقدت البعد الحضاري العربي الفلسفي اللازم لتجذير موقف أصيل من المرأة.
في يوم مناهضة العنف ضد المرأة الذي صادف الاثنين الفائت أرى أن المرأة في مجتمعاتنا العربية تتعرض لكثير من أنواع العنف وأقدمه العنف النفسي الذي يمارس عليها بمناسبة أنها أنثى وأم وزوجة، فهذا المجتمع يطلب منها أن تتعلم وتعمل وتبني أسرة ولكنه يلقي كل أحماله عليها فهي بعد أن تلد، تربي وتخدم في المنزل وتدرس الأولاد، والرجل بعد ساعات عمل “مصطنعة في أغلبها” يعود للبيت متيقنا أن من حقه أن يُخدم ويدلل ويمارس كل أنواع الفوقية والتسلط التي تمليها عليه عُقَدُ نقصٍ متوارثة ويطلب ويتوقع حقوقًا لم يقدم – في أغلب الاحيان – التزاماته في مقابلها، المرأة العاملة اليوم يمارس عليها عنف نفسي يومي فهي مطالبة بأن تتكيف مع المجتمع “المتحرش” فتلبس ما يقيها التحرش الجسدي واللفظي، وتضطر أن تمارس أعلى درجات ضبط النفس في بيئة العمل “حتى لا يفسر سلوكها تفسيراً مهيناً لها”، وهي أول من تخرج من العمل لأن ولدها نزلت به الحمى وآخر فرد في الأسرة ينام بعد أن يخدم حاجات الجميع، ثم عليها في البيت أن تكون زوجة وأما و”خادمة” ومدرسة للجميع.
العنف الأقدم ضد المرأة هو عدم الاعتراف بها كشخص مستقل عن أدوارها في الحياة كأم أو زوجة أو أخت أو موظفة، الاعتراف بها بعيداً عن صفاتها الجسدية أو الخلقية، الاعتراف بها ككائن ذاتي الصفات ذاتي الطموح ذاتي التقييم، الاعتراف بها كإنسان وهذا يتجاوز أي تطوير تشريعي أو إجرائي يدعي العمل على المساواة بين المرأة والرجل، المطلوب ليس فقط المساواة بين المرأة والرجل المطلوب الاهم هو التكافؤ في الفرص والواجبات بين أفراد المجتمع، فاهم علي جنابك؟؟!