محمد الحمامصي - القاهرة - " وكالة أخبار المرأة "

 تقدم الناقدة مانيا سويد في كتابها “شكسبير وشوقي مفارقات أنثوية. قراءة في مسرحيتي ترويض الشرسة والبخيلة” قراءة حديثة للحياة الأدبية لشكسبير وشوقي، حيث راجعت المناخين الأدبي والمهني لكليهما، وذلك سعيا إلى تفسير عصري لما تواترت على ترديده المراجع التاريخية والأدبية لتفاصيل العلاقات الإنسانية التي مرت بحياة الشاعرين، وفي الوقت نفسه ناقشت جانباً من المسلمات التي تناقلتها الأجيال من قبل كما هي دون تمحيص ومناقشة.
وتقول سويد إن كتابها يبحث في واحدة من “الشطحات” المسرحية التي قدمها كل من الشاعرين، والشطط الخيالي الذي صاحبهما في تجربتين مسرحيتين فريدتين قياساً على ما اعتاده الناس في أعمالهما، حيث خرجا عن المألوف في تقديم صورة المرأة المعتادة التي تعودنا عليها في أعمالهما والمألوف في المرأة بوجه عام.
محاولة ترويض
ترى سويد أن شكسبير قدم المرأة شرسة مستبدة متسلطة متمردة في مسرحية ترويض الشرسة، وقدمها شوقي بخيلة ضنينة ممسكة في مسرحية البخيلة، هذا بالإضافة إلى نماذج أخرى من المفارقات الأنثوية التي ظهرت في بعض أعمالهما الشعرية والمسرحية.
وتضيف سويد “على سبيل المثال عرض أحد الشاعرين مشهداً تنقلب فيه رقة الطبع إلى استوحاش، هذا هو حال شكسبير مع المرأة في مسرحية ترويض الشرسة، وعرض الآخر مشهداً تنقلب فيه الرفاهية والحياة الناعمة التي تميل إليها المرأة بوجه عام إلى تقشف، هذا هو حال شوقي مع المرأة في مسرحية البخيلة. وبين كاترينا التي ابتدعها شكسبير ونظيفة التي ابتدعها شوقي مساحة زمنية اقتربت من الثلاثة قرون، ومع ذلك فهما متشابهتان، كأن إحداهما تقول للأخرى لا تعيريني بما أصابني فأنت أكثر مني ابتلاء، وكلاهما تمثلان صورة المرأة ضحية خيال الشعراء حين يخرجون عن المألوف قصداً أو من دون قصد”.
وتلفت سويد إلى أن القراءة التي تتوافق مع هدفها من تأليف هذا الكتاب لن تصل إلى القارئ بالصورة المقصودة ما لم يمهد لها بمقتطفات من تاريخ المسرح بوجه عام والكوميديا بوجه خاص، فوضعت مبحثاً تمهيدياً عرضت فيه لبعض ملامح المسرح العامة في اليونان القديم، ثم في عصر النهضة في بريطانيا وفي فرنسا، ثم عرضت موجزا للبدايات الأولى للمسرح العربي الحديث في لبنان وسوريا ومصر، وجميعها مجرد نماذج لتقديم أمثلة على تاريخ المسرح.
وشكسبير في رأي المؤلفة لم يقدم في كاترينا شخصية المرأة المعتدلة، البين بين، القوية لكن لا تنسى أنوثتها، المطيعة لكن تعتز بأن لها رأيا.. كان الهاجس الأول الذي شغل شكسبير بالنسبة إلى كاترينا هو ترويضها حتى وإن انتهى بها المطاف إلى أن تصبح ضعيفة خانعة لا تملك رأيا ولا تفعل سوى ما يراه الرجل.
وتوضح سويد أن “الصورة كانت بالنسبة إليه مختصرة في نقطتين متنافرتين متضادتين. نقطة تقف عندها كاترينا، أو وضعها هو عندها، ونقطة أخرى يريد أن ينقلها إليها، ولا وسط بين النقطتين، فمن النقيض إلى نقيضه، ومن الضد إلى ضده. كان التجويع هو المخرج الذي اختاره لإنجاح خطة تحويل كاترينا من حال إلى حال، كأن فلسفة شكسبير اتجهت إلى الفطرة لفك شفرة كاترينا المستوحشة، فلم يجد إلا الأسلوب نفسه الذي يتم به استئناس الحيوان وتحويله من بري إلى أليف. لذلك لا نعجب من أن بعض التجارب السينمائية التي اقتبست رواية ترويض المستوحشة قد تعمدت أن تكون مهنة بتروشيو بيطرياً، ولا نعلم إن كان هذا مغالاة في الكوميديا أم تعمدا للإساءة إلى المرأة! أم أن المخرجين أساءوا فهم نوايا شكسبير”.
تقول الناقدة “لنا أن نعتبر الشاعر الكبير بداية كان قد وضع كاترينا في غير مكانها الطبيعي، فجعلها شرسة مستوحشة عصية على الإذعان من أجل أن يبدع أحداثاً تثير الضحك، أو لينسج مشروعاً مسرحياً كوميدياً جريئاً، ثم رأى في النهاية إعادتها إلى وضعها الفطري لتصبح على طبيعتها الأنثوية الرقيقة التي خلقت بها بغض النظر عن الوسيلة لتي استعملها في ذلك، ولو لم تكن مقنعة للقارئ، أو كانت مباغتة له، أو أغضبت النساء بصفة خاصة، وبغض النظر أيضاً عن فهمه ورؤيته لمفردات وتفاصيل أنوثة المرأة. لكنه في الحقيقة تجاوز الوضع الفطري الطبيعي ليصل بكاترينا إلى درجة كاريكاتيرية مصطنعة ومبالغ فيها لا تعكس سوى نتيجة واحدة هي خضوع المرأة لسيطرة الرجل.. وإذا كان قد أراد أن تكون الخاتمة سعيدة وسلمية؛ فإنه لم يجد سبيلاً إلى ذلك سوى بتنازل صاغر اضطرت إليه المرأة ليحسم المعركة لصالح الرجل”.
شخصية محببة
تشير سويد إلى أنه “إذا كان شكسبير قد بالغ في وحشية كاترينا ثم بالغ في خضوعها بعد التحول، بحيث أقنع القارئ في البداية بأنه أمام امرأة منفرة بكل ما تحمله الكلمة من معاني، ثم أقنعه بعد تحولها بأنه أمام امرأة مسلوبة الإرادة لا رأي لها، فإن شوقي لم يستطع السيطرة على نظيفته، لقد أفلتت منه، حاول أن يجعل من بخلها عيباً يثير الضحك والفكاهة، لكنه في الحقيقة قدم نموذجاً محبباً من النساء، لم يستطع أن يجعل القارئ يشمئز من بخلها، أو ينفر من تصرفاتها، بل ما حدث كان بعكس التوقعات، أحب القارئ نظيفة كما هي، وتألم لفراقها المفاجئ، وشعر بأنه فقد شخصاً عزيزاً محبباً”.
 وتعلل ذلك بأن أحمد شوقي، الشاعر مرهف الحس رقيق الوجدان، لم يتقن لعبة المسرح مثلما أتقنها شكسبير، لكنه تفوق عليه في جعل شخصيته الرئيسة محببة للجميع، رجالا ونساء، حتى وإن اتصفت بعيب، فلم يطغ عيبها على محاسنها، لم يتجه منذ البداية إلى فكرة الانقسام بين معجبين وغاضبين، بذكاء الشاعر العارف بخبايا النفس البشرية أعلن عن فلسفته: الكثير من المزايا يخفي القليل من العيوب، وهي فلسفة مناقضة لفلسفة الشاعر الإنكليزي الذي رأى أن عيباً واحداً يدحض مزايا كثيرة.
وترى سويد في كتابها أن أمير الشعراء لم يستطع أن يرى المرأة الشرقية إلا بهذه الصورة العطوفة، وإن كانت بخيلة، أراد أن يجسد للمسرح امرأة تحمل المتنافرين معاً، البخل والرفق.. لم يسر على النهج الشكسبيري في السير بالشخصية من النقيض إلى نقيضه، بل جعلها كلا لا يتجزأ، كل يسير في منظومة واحدة.. لم يبدأ بالشخصية عند نقطة ثم يسعى إلى نقلها إلى نقطة أخرى مقابلة دونما اعتبار للوسطية، بل بدأ بها بما تحمله من عيب، وسار معها إلى أن رحلت عن الدنيا كما هي دونما تغيير. وقد عكست المسرحية فلسفة أحمد شوقي تجاه المرأة بوجه عام، فهي جميلة في جميع أحوالها؛ مهما شابها من شوائب أو أصابها من عيوب أو اقترفته من رذائل أو ألمّ بها عارض.
 فحنو الأم ورأفتها يتدفقان من داخلها ولو لم تكن أماً في واقعها. هكذا الأنثى، أم بالفطرة، ولو لم تحمل جنيناً. لا ينضب عطفها، ولا تنقطع ألفتها إلا إذا أصابها خلل نفسي أو لازمتها آفة عقلية. أراد شوقي من بخل نظيفة أن يدخل مسحة فكاهية في قلوب من قرأوا المسرحية أو شاهدوها، لكنه أراد في الوقت نفسه أن يجعل الجميع، من داخل الرواية أو من خارجها، يحبون تلك السيدة الشرقية، فكان له ما سعى إليه، وخرجت الشخصية من بين يديه كما أرادها أن تكون، لا شذوذ فيها ولا مبالغة.