الدكتورة : سناء أبو شرار - الأردن - " خاص بـ " وكالة أخبار المرأة "

يكرس الأهل كل طاقاتهم الجسدية والمعنوية والمادية كي يتابع أولادهم تعليمهم بدايةً في المدارس ثم في الجامعات، يقولون لهم كلمات مُشجعة مليئة بالأمل والحماسة ليرى أولادهم المستقبل بمنظار مشرق. ولكن الآباء وحين تنطفئ الأضواء في البيت وينام الأولاد ويبقى الزوج مع زوجته وحدهما قبل أن ينطفئ الضوء الأخير في المنزل في غرفة نومهما يعترفان لبعضهما البعض بالحقيقية وبأن الواقع يخالف الصورة الجميلة التي رسماها لأولادهما. ولكنهما وبكل إصرار يتابعان تشجيع أولادهما ويحملان الأمل في مستقبل أفضل.
هذه المحاولات الدائمة والثابتة من قبل الأهل لدفع أولادهم للأمام رغم كل الظروف ورغم قلة فرص العمل ورغم الإحباط وقسوة الظروف المعيشية، هذه المحاولات تأخذ من طاقتهم النفسية والمعنوية أضعاف ما يأخذه العبء المادي من وجودهم، لأنهم وفي حالة دائمة من البحث عن الأمل، من انتقاء الكلمات، من محاولة جعل الأبناء لا يرون الواقع بالعدسة المكبرة، محاولات دائمة متراكمة عبر السنوات إلى أن يتخرج الابن من الجامعة ويواجه الواقع بنفسه؛ ولكن لولا تشجيع الأهل ولولا تلك الكلمات البراقة والأمل المشرق، لن يتمكن الابن من التخرج، فالإحباط من أهم عوامل الفشل، والنظرة السوداوية لا تقود إلا إلى ضعف القدرات العقلية والنفسية، ولقد أدرك الآباء والأمهات ذلك، فيحاولوا بسعيٍ حثيث تجنب وقوع ابناءهم في مصيدة اليأس والإحباط، على الأقل إلى أن يتخرجوا من الجامعات.
ولكن هناك من يدمر ما بناه الأهل بحرص وعناية، وهو تدمير غير مُتعمد ولكنه هادم؛ فحين يتحدث أستاذ في الجامعة إلى الطالب حول عدم جدوى هذه الدراسة وأن الطالب لن يجد العمل المناسب، وأن ظروف السوق لا تساعد على تطوير الذات، وأنه كان من الخطأ اختيار هذه المجال أو ذلك المجال؛ فماذا سوف يعتري الطالب؟ ماذا سوف يشعر تجاه نفسه وتجاه دراسته وأستاذه القدوة يتحدث معه حول الإحباط وحول فشل هذه الدارسة وأنه لن تقود الطالب إلى شيء له جدوى، وأن الأستاذ الجامعي نفسه يعاني في عمله وأنه ندم لأنه اختار هذا المجال أو ذاك.
في السابق لم توجد حوارات مع الأساتذة والطلاب وكانت آراء الأساتذة يحتفظون بها لأنفسهم ولا يعرف الطالب عن أستاذة سوى موعد محاضرته وأي نمط من الأسئلة سوف يكتبها في الامتحان؛ ولكننا الآن في عصر أصبحت العلاقة بين الطلاب والأساتذة أكثر انفتاحاً وأكثر تطوراً بدأ الأساتذة يمنحون أنفسهم مساحة من الحرية للحديث مع الطلاب وتبادل لآراء.
ورسالة الآباء لبعض الأساتذة هي أن تبقى مساحة الأمل لدى ابناءنا على الأقل إلى أن يتخرجوا، أن يفرحوا بأنهم سيكونون أطباء أو مهندسين ومدرسين حتى ولو لم يجدوا فرصة العمل التي يحلمون بها. رسالتهم أن لا يهدموا ذلك البناء العالي الذي أسسه الآباء لأبنائهم حتى ولو كان بناءاً كرتونياً هشاً، فغاية الآباء القصوى هي أن يتخرج أبناءهم، وحين يقول أحد الأساتذة بأن اختيار هذا المجال كان خطأ جسيم هذا يعني أن يعود الطالب لأهله ليقول لهم أنه لا يريد أن يتابع الدارسة بهذا المجال لأنه مجال عقيم ولا فائدة منه. هذه ليست رسالة فقط بل رجاء حار وانساني بأن نترك حيز من الأمل، بصيص من النور لشبابنا، أن نقول لهم كلمات جميلة مُشجعه أن نقول لهم لقد أحسنتم الاختيار خصوصاً حين تكون عيونهم متعطشة لتشجيع يمنحهم قيمة اجتماعية واكاديمية، وحين تصدمهم الحياة بالواقع الصعب، على الأقل يكون لديهم مخزون معنوي وعاطفي ونفسي لمواجهة تلك الصعوبات، وهو مخزون لن يتوفر بكلمات الإحباط واليأس. ورجاء لنا جميعاً بأن نتذكر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تفاءلوا بالخير تجدوه).