" وكالة أخبار المرأة "

 نشرت صحيفة "الغارديان" البريطانية تقريرا سلّطت فيه الضوء على تأثير تحيّز الذكور في التجارب الطبية على الرعاية الصحية المقدمة للنساء.
وقالت الصحيفة، في تقريرها، إن إقصاء المرأة من إنتاج المعرفة الطبية والعلمية طيلة قرون ساهم في التشخيص الخاطئ للأمراض التي تصيب النساء ليبقى أغلبها لغزا غامضا، الأمر الذي أفضى لوضع "نظام رعاية صحي ذكوري يخدم مصالح الرجل بشكل أساسي"، على حد تعبير الباحثة في جامعة موناش الأسترالية، كيت يونغ.
وأشارت الصحيفة إلى أن كيت يونغ كتبت في ورقة بحثية نُشرت في المجلة الأكاديمية "النسوية وعلم النفس" أنه وقع اللجوء للخطاب التاريخي المتعلّق بهستيريا النساء لتفسير الحالات الطبية التي كان يصعب للأطباء معالجتها في ذلك الوقت. كانت هستيريا النساء تشخيصًا طبيًا شائعًا في أوروبا الغربية ويُعتبر مرضا مزمنا. وأوردت يونغ أنه "بدلاً من الاعتراف بالقيود المفروضة على المعرفة الطبية، توقع الطب من النساء أن يتحكمن (بعقولهن) في الأمراض التي تصيب (أجسادهن)، وذلك من خلال تقبّل تلك الأمراض، وإجراء تغييرات على "نمط حياتهن" تتماشى مع الدور الاجتماعي لهن كزوجة وأم.
وأفادت الصحيفة بأن يونغ كشفت في بحثها أن النساء المصابات بالانتباذ البطاني الرحمي غالبا ما ينظر إليهن الأطباء المعالجين على أنهن "كائنات خُلقت للتكاثر وذات ميول هستيرية". وذكرت يونغ أنه على الرغم من أن الأطباء يقرّون بأن  الانتباذ البطاني الرحمي هو مرض حقيقي، بيد أن هناك شعورا عاما في الطب بأن ردة فعل المرأة تجاه هذا المرض عادة ما تكون هستيرية بطريقة أو بأخرى، لا سيما حين تنتشر أعراضه حتى بعد الخضوع للعلاج، وهو أمر شائع.
وقدّمت يونغ مثالا يجسّد النظرة الدونية للمرأة في مجال الطب، حيث كان يعمد علماء التشريح الذكور في الماضي لرسم أرداف المرأة بطريقة تجعلهما يبدوان أعرض في حين تبدو جمجمتها أصغر حجمًا، ولسان حالهم يقول: "هذا هو دليلنا على أن النساء خُلقن للإنجاب فحسب. لذلك، من المهم أن يلازمن المنزل خشية الإصابة بالعقم بسبب التعلّم بشكل مبالغ فيه لا يتناسب مع صغر حجم رؤوسهن".
وأضافت الصحيفة أن الرجال كانوا يهيمنون على مجال الطب والبحث العلمي، وكان الأطباء والعلماء والباحثون في معظمهم من الرجال. ولم يقتصر الأمر على ذلك فحسب، وإنما كانت أغلب التطورات التي شهدها الطب قائمة على دراسات وأبحاث أُجريت على جسم الرجل.
ونوّهت الصحيفة بأن الاختلاف بين المرأة والرجل كان منذ القدم يقوم على الاختلاف في الأعضاء التناسلية بشكل أساسي. ونظرا لوجود مثل هذا الاختلاف، كانت المرأة لغزا غامضا وكائنا مريبا. وتمثلت تداعيات هذا الاختلاف في افتراض أن وجود المرأة ينحصر في الإنجاب، وأي أمر آخر متعلّق بها لا يكتسي أهمية.
وفي أوائل القرن العشرين، اكتُشف جهاز الغدد الصماء المسؤول عن إنتاج  الهرمونات. بالنسبة للأطباء، كان هذا الأمر يمثل اختلافًا آخر بين الرجال والنساء، بالإضافة إلى وجود الرحم الذي كان يُعتبر مصدر جميع الأمراض التي تصيب النساء. ومع ذلك، تواصل الاعتقاد بأن جميع الأجهزة والوظائف الأخرى لدى الرجال والنساء تعمل بنفس الطريقة، لذلك ليس هناك حاجة لإجراء دراسات على جسم النساء.
وأوردت الصحيفة أنه خلال ثمانينيات القرن الماضي، كونت مجموعة من العالمات في الولايات المتحدة جمعية لتنظيم حملات من أجل إجراء أبحاث أفضل على صحة المرأة، والتي تعرف الآن باسم "جمعية أبحاث صحة المرأة"، وتسليط الضوء على التناقضات في البحوث الطبية وتأثير ذلك على صحة المرأة.
وفي الواقع، تتجاوز نتيجة هذا التحيز الذكوري في الأبحاث الممارسات السريرية، إذ من بين 10 أدوية طبية موصوفة قامت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية بسحبها من الأسواق بين سنتي 1997 و2000 نظرا لما تسببه من آثار جانبية خطيرة؛ تتسبب ثمانية منها في مخاطر صحية كبيرة على النساء بالتحديد. وخلُصت دراسة أُجريت عام 2018 إلى أن هذا حدث نتيجة "تحيزات ذكورية خطيرة في البحوث الأساسية، المتعلقة بالأبحاث ما قبل السريرية والأبحاث السريرية".
وبيّنت الصحيفة أن الحملة كان لها تأثير مدوِي في الولايات المتحدة، حيث أنه في سنة 1993، فرضت إدارة الغذاء والدواء ومعاهد الصحة الوطنية دمج النساء في التجارب السريرية التي يقع إجراؤها. وبين سبعينيات وتسعينيات القرن الماضي، اضطلعت هذه المنظمات والعديد من الهيئات التنظيمية الوطنية والدولية الأخرى بسياسة تستبعد النساء اللاتي يتمتعن بالخصوبة ولديهن القدرة على الإنجاب، على غرار تجريب الأدوية في مراحلها المبكرة.
في هذا السياق، وقع انتهاج المنطق التالي: بما أن النساء يُولدن مع كل البويضات التي يمكنهن إنتاجها على امتداد الفترة التي من المحتمل أن يعشنها على الإطلاق، فإنه ينبغي استبعادهن من تجربة الأدوية في مراحلها المبكرة في حال ثبت أن هذا الدواء سام وقد يعوق قدرتهن على التكاثر في المستقبل. وكانت النتيجة استبعاد جميع النساء من التجارب، بغض النظر عن سنهن أو وضعهن الجنساني أو ميولاتهن الجنسية أو رغبتهن وقدرتهن على الحمل والإنجاب.
من جهة أخرى، يعيد الرجال إنتاج الحيوانات المنوية بشكل مستمر، مما يعني أنهم يمثلون خطرا أقل. تبدو هذه السياسة وكأنها سياسة منطقية، باستثناء أنها تعامل جميع النساء على أساس أنهن "أرحام متنقلة" أو مجرد "آلات للحمل والإنجاب"، كما قامت بتقديم تحيز هام على مستوى صحة الجنس البشري.
وأوردت الصحيفة أنه في كتابهنَّ الصادر سنة 1994 بعنوان "الممارسات الشنيعة"، كتبت ليسلي لورانس وبيث وينهاوس أنه "من الصعب على الباحثين الإقرار بوجود فروقات بين الجنسين من حيث تأثير الهرمونات الأنثوية على نتائج الدراسات. ولتجنب هذه الاختلافات، يقع التركيز على دراسة الرجال فقط واستقراء النتائج بناء على ذلك للنساء".
ومنذ التسعينيات، وقع دمج عدد أكبر من النساء في التجارب السريرية، لكن نتائج تحليل الباحثين لم ترتكز دائما على أساس الجنس و/أو النوع الاجتماعي. وعلى الرغم من أن الدراسات السريرية قد تغيرت إلى درجة كبيرة، ظل تركيز الدراسات قبل السريرية على خطوط الخلايا الذكرية وكذلك الذكور من الحيوانات.
وأفادت الصحيفة بأن المعاهد الوطنية للصحة بدأت في سنة 2014 في الاعتراف بمشكلة التحيز إلى الذكور في التجارب قبل السريرية. وفي سنة 2016 وقع التفويض بأن أي أموال تُمنح بهدف إجراء أبحاث في هذا المجال، ينبغي أن تتضمن الإناث من الحيوانات.
وختمت الصحيفة بأنه وقع تصور هذه السياسات والممارسات على أساس أنها أبوية وذات طابع ذكوري، ومصممة لحماية النساء من الآثار الجانبية للأبحاث الطبية. لكن التاريخ دحض هذه الفكرة، حيث جعلت ممارسة التجارب القاسية لبعض العلاجات الطبية على النساء عبر التاريخ تبدو وكأن الطب ليس على استعداد لإدماج النساء في الدراسات العلمية، ليبدو، حين تسنح الفرصة، أشبه برحابة صدر أو تكرم تمنحه السلطة الأبوية للنساء. عوضا عن ذلك، يبقى لدينا انطباع بأن النساء لسن على قدر من الأهمية بما فيه الكفاية للبحث العلمي ولكنهن جيدات بما يكفي للتجارب السريرية.