رشا حلوة - " وكالة أخبار المرأة "

قبل أيام أُعلن عن تولي الصحافية اللبنانية البريطانية رولا خلف، رئاسة تحرير صحيفة "فايننشال تايمز"، وهي بذلك تكون أوّل امرأة في هذا المنصب منذ أن بدء إصدار الصحيفة قبل 131 عاماً. وكانت رولا قد كتبت عبر صفحتها الرسمية في موقع تويتر: "إنه لشرف كبير تعييني رئيسة لتحرير فايننشال تايمز أعرق مؤسسة صحافية في العالم".
منذ انضمامها للصحيفة قبل 20 عاماً شغلت خلف مناصب عديدة، منها نائبة رئيس التحرير، ورئيسة الشؤون الخارجية، ورئيسة تحرير شؤون الشرق الأوسط. وكانت قد عملت جاهدة خلال سنوات عديدة على زيادة عدد القراء من النساء وكذلك المحررات في الصحيفة.
في خبر تولي رولا خلف منصب رئاسة تحرير المجلة، جوانب إيجابية عديدة مفرحة. بداية، تلك التي تعود إلى مسار تطوّر طبيعي لمهنتها التي بدأت قبل 20 عاماً، تستند على مهنية واجتهاد وتميّز، وهذه حقيقة تُثلج الصدر في زمن ما زالت النساء تُحارَب فيه من قبل عقليات ذكورية محيطة كي لا تصل إلى مناصب سلطة أو قرار ما.
الجانب الآخر الإيجابي هو حقيقة أن في مناصبها السابقة بالصحيفة، عملت خلف جاهدة على قضية نسوية من الدرجة الأولى، إلّا وهو الاهتمام بأن يزداد عدد القراء من النساء وكذلك المحررات في الصحيفة، وهو مجهود، لا أعتقد أنه مُطالب منها في مناصبها. لكن الهاجس الذاتي كامرأة ونسوية ربما، جعل القضية في أولويات عملها في مناصب تحريرية وإشرافية، لكونها تؤمن غالباً بضرورة أن يعملن النساء من أجل ذلك بجهد، خاصة إن وصلن إلى مناصب مهمّة اجتماعياً ومهنياً، وصاحبة قرار.
من أجل هذين المحورين، أردت أن أكتب مقالي هذا. وصراحة، لم أتابع مسيرة خلف الصحافية والتحريرية عن كثب من أجل أن يكون ذلك محفزاً لكتابة المقال، بل ببساطة قراءة الأخبار عن توليها لهذا المنصب، والتركيز على نقطة زيادة عدد القراء من النساء والمحررات في الصحفية، كان سبباً محركاً كافياً لرغبتي بالتركيز على أهمية أن تكون النسوية في حيواتنا، نساء ورجال بالطبع، بمثابة نهج حياة، وقرارات، وأداء، سواء تجاه أنفسنا أو الأخريات والآخرين.
مع الإدراك الكامل، أن في أحيانٍ عديدة، تختار نساء نسويات كثيرات، أن لا يطبقن فكرهن النسوي في كل شيء، ولهذا اعتبارات شخصية، منها الخوف أيضاً، الخوف الشرعي مما يمكن أن "يهاجم" فكرهن النسوي في سياق عقليات ذكورية، وأن يدفعن ثمنه كنساء، ذاتياً واجتماعياً.
هذا الحذر، إنّ صح التعبير، هو إدراك أيضاً لماهية المجتمعات التي نعيش فيها، والتي تسيطر عليها العقلية الذكورية والأبوية. وبأن تحدي ذلك هو مرهق، ويحتاج أحياناً إلى طاقات بشرية مضاعفة لتحمله أو مقاومته، وبالتالي على المرأة أن تتحمل ذلك وأبعاده، وحدها.
قبل أن أواصل حديثي، من المهم التذكير إلى أن في استخدامي لمصطلح "النسوية"، أرتكز على مبدأ النسوية الأول، والذي يؤمن بالمساواة بين الجنسين، بين المرأة والرجل، في كل شيء. كما أكرر نقطة أنه في حديثي على ضرورة تطبيق النسوية التي نتحدث عنها دوماً على حيواتنا الخاصة ومع الآخرين، لا أطرح ذلك كمطلب. وذلك لأني أؤمن أن للنساء وللنسويات الحقّ بأن يقررن ما يخص حيواتهن واختياراتهن. على أمل، أن لا تمسّ هذه القرارات والاختيارات بأخريات وآخرين.
وبالتالي، فإن طرحي لضرورة العلاقة بين الفكرة/ المبدأ وبين التطبيق، هي علاقة ستغيّر الواقع القامع الذي نعيشه، هذا من جهة، ومن جهة ثانية، أردت تسليط ضوء على فئة معينة من النساء والنسويات، صاحبات مناصب ذي قرارات، وكيف يمكن أن تعود هذه المناصب بالفائدة على دائرة أوسع من النساء، في حال كانت النسوية نهج حياة وعمل فعلاً.
لم أولد امرأة نسوية، وكما عدد كبير من النساء، خفت من المصطلح بداية، أو تم تخويفي، ليس من رجال فقط، بل من نساء أيضاً. لكن مع العمر والتجربة والمعرفة، عرفت أن من أجمل ما يمكن للمرء أن يكونه، هو نسوياً، كان امرأة أم رجلاً. في النسوية وجدت اتساعاً واحتضاناً وتحدياً، يمنحون لهذه الحياة معنى في أحيان كثيرة. لكن ليست هذه النقطة الأساسية، إنما السؤال المحوري حول كيف نحوّل ما نؤمن به - النسوية في هذه الحال - إلى نهج حياة فردي بالدرجة الأولى قبل التنظير به؟
مع إدراكي الكامل بأني كنسوية، كنت أغضب أحياناً مما يدعي ذلك ولا يطبقه على نفسه أوّلاً، في تعامله مع الآخرين ثانياً. رأيت أن تسمية الفكر/ المبدأ غير مهم بقدر ما التصرّف به مهماً، والأداء ليس بالضرورة أن يكون علنياً ومعلناً وواضح المعالم، بقدر ما يمكن أن تكون النسوية ببساطة بمثابة مساحة مريحة لطرح الأسئلة على الذات والآخرين/ الأخريات.
بموازاة لذلك، رأيت أن النسوية هي أداء قديم للنساء، وأن التحضر الذي نعيشه لم يخترع النسوية بالتأكيد، فجدّاتنا، وأمهاتهن، والمزارعات، والعاملات وغيرهن، لا يقلن نسوية عن ما نسميه بالنسوية اليوم، بأشكالها العديدة. وهن، مقارنة فينا، لم يتحدثن عن النسوية في محافل متنوعة وفي الفضاءات العامّة… بل كل ما قمنَ به، هو الفعل، لا الحديث عن رغبتهن بأن يقمنَ به.
بالطبع، جدّاتنا عشن في واقع وزمن مختلفين عنّا اليوم. وأن المقارنة هي ليست عادلة تماماً. وهي ليست عادلة بحقهن أكثر أوّلاً. لكن المقارنة هي إضاءة على مسألة الحديث عن الشيء والقيام به. وأنهن بالأساس أوّل معلماتنا للنسوية، بلا الحديث عنها.
بالعودة إلى رولا خلف، وإلى تولي نساء مناصب مهمّة، إنّ صحّ التعبير. وبالإضافة إلى ما أشرت له من أهمية أن يرافق هذا المنصب أيضاً أداءً نسوياً جوهرياً وعملياً. مع العلم أن المسألة ليست بالضرورة أن تكون سهلة، وهذا يعيدنا إلى المجهود المضاعف الذي تحمله النساء.
لكني أريد أن أسلط الضوء على جانب آخر من هذه المعادلة، ولا أتحدث هنا عن خلف أبداً، إنما عن كيف تصوّر المجتمعات الذكورية النساء اللاتي وصلن إلى مناصب مهمّة اجتماعياً وسياسياً ومهنياً وغيرها. وفي تفادي التعميم، لكن، كم مرة سمعنا أحاديث جانبية، "وتساؤلات" حول الأسباب التي جعلت من امرأة ما تصل إلى منصب مهمّ وصاحب قرار؟ وهي "تساؤلات" تصبّ بالأساس في "دهاليز الشرف" والجسد، والأعضاء التناسلية النسائية، وما إلى ذلك…
وكأن في هذه التساؤلات يقين بشع وقامع وذكوري، بأن طريق المرأة لنجاحها هو فرجها. وهذا اليقين البشع هو صلب الفكرة القامعة التي ترتكز عليها العقليات الذكورية. من جهة أخرى، هنالك يقين آخر تواصل النساء إثباته: "لا يهم ماذا تقولون… نحن، سنواصل المشي، النضال والتغيير والعيش كما نشاء"... كل، بطريقتها الخاصة.