الدكتورة : سناء أبو شرار - الأردن - " خاص بـ " وكالة أخبار المرأة "

عشرات القوانين تم سنها لمنح الحقوق للمرأة؛ مئات المؤتمرات تم عقدها لتحرير المرأة؛ آلاف الروايات والمقالات تم نشرها تكتب عن معاناة المرأة مع الرجل القاسي والظالم والمستبد؛ آلاف المنظمات والجمعيات تتضامن مع المرأة وتدافع عنها وعن حقوقها ومشاعرها وأفكارها، عشرات المقاعد السياسية تم منحها بصورة إجبارية أو شبة إجبارية لمنح المرأة حقوق سياسية موازية لحقوق الرجل في البرلمانات وفي الوزارات والمؤسسات.
ولكن هل ساهم ذلك بتخليص المرأة من عبوديتها الذاتية تجاه الرجل؟ هل ساهم ذلك بألا تشعر المرأة بأنها في صراع لا يهدأ لإرضاء الرجل؟ بدءاً بإرضائه بمظهرها عبر الأزياء والمكياج والبدانة التي كان يرغب بها في السابق ثم النحافة التي يريدها الآن، ثم عمليات التجميل التي تكلفها مبالغ طائلة والأكثر تكلفة من المال هو المجازفة بالصحة وربما المجازفة بالحياة كلها عبر موتها على سرير عمليات التنحيف والنفخ والترقيع أو التكبير والتصغير.
سباق محموم لا يهدأ لإرضاء الرجل، رغبة جارفة لا تبرد لأجل نظراته وكلماته وعبراته؛ عطش لا يرتوي لإعجابه، ومجازفات لا تنتهي ليبقي قلبه خافقاً وكلماته رومانسية مليئة بالأعجاب والشغف لتلك التي تضحي بكل شيء لأجله.
ويقف الرجل أمام كل تلك التضحيات الظاهر منها والخافي، بارداً لامبالياً، بل قد تجذبه تلك الأخرى التي لا تهتم به، تثيره تلك الأخرى التي لا تحاول إرضاءه أو استجداء نظراته.
لم تتوقف محاولات المرأة الدؤوبة للاحتفاظ بالرجل، ولإرضاء الرجل، ولإبقاء حبه، ولإبقاء حتى ولو ظله في حياتها، على المكياج والعمليات والأزياء والشعر والنثر والتجسس على مكالماته، أو مراقبة تصرفاته ونظراته، فكل هذا يمكن احتماله ويمكن ألا يؤدي لنتائج كارثية لأنها تصرفات يقبلها المجتمع بصفتها محاولات مقبولة بل ويتم تشجيعها للاحتفاظ بالرجل.
ولكن حين يمتد الصراع المحموم إلى أن تقوم المرأة بتوقيع الشيكات على بياض لأجل الرجل، وبالاقتراض من الجمعيات والبنوك لأجل الرجل، وأن تقوم بعمليات الاحتيال أيضاً لأجله ولكي تحميه أو لكي يستمر الزواج المتعثر والذي تحاول ضخ الحياة به ولو عبر تدمير حياتها وكرامتها وسمعتها.
فلماذا لم تُدرس المؤتمرات والقوانين وجمعيات حقوق المرأة والروايات والمقالات المرأة أدنى قواعد التمسك بالكرامة؟ لماذا لم تعلمها ألا تكون عبدة للرجل رغم كونها تلبس أفخر الثياب وتمارس أرقى المهن؟ لماذا لم تعلمها أن السعي الحثيث لإرضاء الرجل هو امتهان للكرامة؟
لماذا لم تخبرها بأن الرجل يعشق المرأة التي ترفض أن تُرضيه بأي ثمن وبأية طريقة؟ لماذا لا تستطيع المرأة أن تكون كيان مستقل بدون رجل أو على الأقل ألا تقبل على نفسها أن تكون إلا مع رجل حقيقي الرجولة ومسؤول عنها بكامل صفاته الرجولية بحيث لا يقبل أن تدخل السجن لأجله ولا يقبل حتى مجرد وضعها ولو بخطر بسيط لتدخل السجن ولا يقوم هو بنفسه بإيصالها بسيارته إلى مراكز الشرطة والمدعي العام ثم المحكمة؟ أي نوع من الرجال ذلك الذي يقبل أن تقوم زوجته بالاحتيال وتوقيع العقود والشيكات بغاية النصب؟ أي نوع من الرجال من يدفع بزوجته لتقترض ثم تقضي بقية حياتها معه تحت رعب القسط الذي سوف تسدده إلى البنك؟
نحن لسنا أمام أزمة نقص الرجولة ولكن أمام أزمة تضخم الأنوثة، وشعور المرأة بأنها لا يمكن أن تحيا بدون رجل حتى ولو كان دون رجولة. نحن أمام أزمة ليست ذكورية أو انثوية بل أزمة اجتماعية عميقة فحين تدخل الزوجة الأم السجن تسبب شرخ لا يمكن ترميمه في البناء الأسري، وتدمر صورتها كأم أمام ابناءها وتكون سبب بشعورهم بالخجل والعار أمام الآخرين.
في زمننا المعاصر، لابد أن تفكر المرأة ملياً قبل أن تتزوج، وأن تمتنع عن الزواج إن لم يتوفر العنصر المادي الذي يوفر الحد الأدنى من الحياة الكريمة لأن أول من يدفع ثمن الزواج الهش هي المرأة ثم الأبناء، فالزوج ينسحب بأي وقت ويبدأ حياة أخرى مع امرأة أخرى وفي أي بلد آخر؛ من تلتصق به المأساة والمعاناة والمشاكل هي المرأة.
في زمننا المعاصر، لم يعد الرجل يحمل الإعجاب لم تحاول إرضاءه، ولمن تضحي لأجله، بل الإعجاب لم لا تحاول ذلك ولا تضحي لأجله، لأنه بطبيعته وبفطرته التي خلقها الله بها يحب أن يضحي لأجل المرأة، يحب أن يسعى إليها، يحب أن يثبت لها نجاحه وحمايته لها، فكل تلك المحاولات اليائسة والدائمة لا تزيد على أن تجعله يشعر بالمزيد من البرود تجاه تلك التي تضحي بكل ما لديها لأجله بأي ثمن وبأية طريقة. لذلك تنتهي قصص الحب الحديثة بالدموع والإهانات ثم المحاكم ثم دهاليز السجون.