جنى نخال - بيروت - " وكالة أخبار المرأة "

هل كنا أكثر استغلالاً في المناطق الريفية؟ هل كانت الأساليب المعيشية السابقة للحياة أكثر ذكورية؟ وهل كانت النساء حقاً غير مرئيات، وأضعف صوتاً وأكثر عجزاً؟ ما هي آثار التمدّن على المرأة؟ هنا نحاول البحث في حقيقة أن التمدّن كعملية كان فعلاً تخريبياً مدمراً للعلاقات التي تم إنشاؤها بين النساء والبيئة الريفية
دعونا نبدأ بمثال أوروبي جداً: الـ «هورتوس كونكلوزوس» (Hortus Conclusus الحديقة المسوّرة التي ظهرت خلال القرون الوسطى) التي كانت إحدى أهم النسخ «الإنسانية» للطبيعة، وتعتبر النسخة الأوروبية الأولى من «الحديقة»، كانت أكثر من ذلك: إنّها مساحة تعبّر عن الانفصال عن الطبيعة، وليس عن خلق صلة بها. فقد كانت الحديقة المسوّرة صورة للطبيعة خاضعة للرقابة، مشذّبة بالكامل، تحوي جدراناً لـ «حماية» الإنسان من الطبيعة؛ لأنّ البرية تسود خارج هذه الحديقة، وفي البرية ليس «الرجل» هو المسيطر.
وكان للحديقة المسوّرة أيضاً معنى آخر، هو جسم النساء الذي يسيطر عليه المجتمع. لقد كانت هذه الحديقة الجسد الأنثوي المقدّس الذي لم يمسّه أحد ولم ينتهكه. في حين كانت الطبيعة هي الجسد الحر، كانت الحديقة المسوّرة هي السيدة مريم العذراء (والـ «هورتوس كونكلوزوس» كان اسم العذراء لمرحلة خلال العصور الوسطى في الديانة المسيحية الكاثوليكية): امرأة تحمل بطفل من دون أن يدخل جسدها عضو رجل.
الحديث طويل عن رمزية هذه الحديقة وعلاقتها بنظرة الإنسان المؤمن وقتها، إلى الله والطبيعة. لكن لماذا نتحدث عن أوروبا في العصور الوسطى والحدائق المسورة ومريم العذراء، عندما يجب أن نتحدث عن التمدّن urbanization؟
هذه الثنائية، أي الفصل بين الطبيعة والفضاء الريفي والمدينة، تبدأ من حيث قرّر الرجل بأن السيطرة على الجسد الأنثوي أو على ملكية الأرض، هي ضرورة، محوّلاً الاثنين إلى أداة للإنتاج والربح.
تعد الورقة التي نقدمها اليوم بمثابة جزء من مشروع أكبر، نقوم فيه بقراءة استعمار معرفتنا عن أنفسنا كنساء وتاريخنا ومساحاتنا. من ناحية أدوات البحث، نعتمد في هذه الورقة على أعمال سيلفيا فيديريتشي، وفاندانا شيفا، وماريا ميس، وفال بلاموود ونيل برينر وغيرهن. ونشير أيضاً إلى أعمال عبد الله حنا، الأنثروبولوجي الماركسي السوري الذي وثّق حياة الريف في بلاد الشام، في محاولة لتأطير البحث ضمن السياق المحلي. كما يستند النهج العام للورقة على العمل البحثي الذي نقوم به منذ عام 2010، من خلال العمل مع النساء الريفيات، سائلات أنفسنا كمدينيات: هل نحن حقاً المحرّرات وهنّ لا؟
بداية من الأسئلة الكبيرة كـ «هل كنا/ هل نحن حقاً أكثر استغلالاً في المناطق الريفية؟ هل كانت الأساليب المعيشية السابقة للحياة أكثر ذكورية؟ وهل النساء حقاً غير مرئيات، وأضعف صوتاً وأكثر عجزاً في المناطق الريفية؟» نركّز في هذه الورقة على الإجابة على سؤال مباشر، في محاولة لبداية تحرير روايتنا من الاستعمار (كما أخبرتنا الدكتورة رباب عبد الهادي قبل أسبوع، فـ «الهدف الرئيسي من مشروع المستعمِر، هو أن يتبنّى المستعمَر روايته»): على المستوى الاقتصادي والاجتماعي، ما هي آثار التمدّن على النساء؟
تبدأ الورقة بالبحث في حقيقة أن التمدّن كعملية كان فعلاً تخريبياً مدمراً للعلاقات التي تم إنشاؤها بين النساء والبيئة الريفية، سواء في جماعات مستقرة أو بدويّة رحّل. فالانتقال من القرية إلى المدينة كان يعني أكثر بكثير من العمل المدفوع الأجر للنساء: كان هذا الانتقال رديفاً للتحديات الجسدية والنفسية والعقلية والسياسية/ الاقتصادية والاجتماعية الجديدة التي واجهتها النساء.
التمدّن - التصنيع - الاستعمار
لماذا نتحدث عن آثار هذه المسائل على النساء، اليوم؟ «في عام 2008، تجاوزت نسبة سكان العالم الذين يعيشون في المناطق الحضرية الخمسين في المئة من سكّان العالم» (1)، وهذا يعني أننا لم نعش بهذه الطريقة في أي مرحلة سابقة من تاريخ البشرية؛ أي أنّنا لم نعتمد يوماً بهذا الشكل على بيئات خاضعة للسيطرة أو على إساءة استخدام الطبيعة أو على رأس المال. نذكر هذا، لكي نبدأ في فهم مدى وتأثير مستوى التمدّن الذي يحدث اليوم. فالتمدّن ليس مجرد إنشاءات وتوسّع عمراني مادي، بل هو تمظهر الرأسمالية في المكان، بما يعنيه ذلك من أشكال غياب المساواة وعمليات الاستغلال طويلة الأمد سواء بين المجتمعات المحلية والأفراد أو المجموعتين اللتين ينقسم العالم عبرهما اليوم، الطبقة الحاكمة والمجتمعات المحرومة، المستعمِر والمستعمَر، العالم الأول والعالم الثالث.
في كتابها الذي نشرته عام 1977، تقول إستر بوسروب (2) إنّ «التمدّن هو شرط أساسي لأوجه التصنيع industrialization، كما ناقشت فكرة أن على النساء أن ينشددن إلى التمدّن كعاملات بأجور على قدم المساواة مع الرجل». تدّعي سوزان ثوربيك بأن بوسروب دعمت فكرة أن «المدينة تذوّب الأفكار القديمة الطراز والعلاقات الشخصية والاختلافات الطبيعية، وأنها تخلق المساواة بين الجماعات العرقية وبين الجنسين» (3). في حين أنّ العدد الأكبر من النسويات في الستينيات تبنّين الموقف الحداثوي لبوسروب، ما شهدناه من نتائج التمدّن ولا سيما في مدن العالم الثالث، لا يشبه شيئاً ممّا ذكرته بوسروب. تمتاز المدن وخاصة كبرى مدن العالم، بخلقها عزلة شديدة واغتراباً عند الأفراد، بحيث يبدو «أن الفوارق بين الجنسين والتناقضات تغيّر شكل تمظهرها، بدلاً من أن تختفي في المدن» (4).
من ناحية أخرى، كان موقف الماركسيين الكلاسيكيين كذلك داعماً للتمدّن، معتبرين أن المدينة ستشذّب الصراع الطبقي، إذ أنّها ستظهّر الفروقات الطبقية وغياب العدالة، وتخلق مساحة أوسع لإمكانية تنظيم العمّال وتحريرهم.
تتحدّى سيلفيا فيديريتشي في كتابها «كاليبان والساحرة: النساء، الجسد والتراكم الأولي» (5) السردية الماركسية للتراكم الأولي، قائلة بأنّ «الاقتصاد الإقطاعي وصل إلى مرحلة لم يعد فيها بإمكانه إعادة إنتاج نفسه. استجابة لهذه الأزمة، أطلقت الطبقة الحاكمة الأوروبية هجمة عالمية عملت في غضون ما لا يقلّ عن ثلاثة قرون، على تغيير تاريخ الكوكب ووضع أسس النظام الرأسمالي العالمي، في محاولة لا هوادة فيها لتخصيص مصادر جديدة للثروة، وتوسيع قاعدتها الاقتصادية، ووضع عمال جدد تحت قيادتها».
تفسّر فيديريتشي أن التحوّل من الإقطاعية إلى الرأسمالية لم يكن ممكناً إلّا من خلال إخضاع النساء، «كيف كان التراكم الأولي تراكم الاختلافات داخل الطبقة العاملة»، أي على مستوى العرق والنوع الاجتماعي والعمر وغيرها. وتكمل فيديريتشي بأننا «بالتالي لا يمكننا أن نبني صلة بين التراكم الرأسمالي وتحرير العامل، امرأة أو رجلاً، أو اعتبار ظهور الرأسمالية لحظة تقدّم تاريخي. على العكس، فقد خلقت الرأسمالية أشكالاً أكثر وحشية وخبثاً من الاستعباد، حيث رسّخت في صلب البروليتاريا انقسامات عميقة عملت على تكثيف وإخفاء الاستغلال»(6)
في إطار فهمنا للعلاقة بين الاستغلال الرأسمالي والبطريركية، أين نجد أفضل مثال محتفى به، للإنتاج الرأسمالي اليوم؟ في المدن. «المدينة هي مركز رأس المال وسعيه غير المحدود للتوسع»، تقول سوزان ثوربيك: «ولأن المدينة هي مركز رأس المال، فإن محاولات رأس المال للقمع تصبح أكثر وضوحاً هنا»(7) فتسلّط ثوربيك الضوء على ما هو على المحك في المناطق الحضرية، من عمليات الاغتراب واقتلاع الأفراد من البنية الاجتماعية نظراً للتحول السريع الذي تشهده طبيعة هذه البنية: «التمدّن لا يعني مجرد الهجرة إلى المدينة. هو يشمل عمليات أخرى أيضاً، عمليات تغيير طريقة تنظيم الحياة اليومية، ورعاية الأشخاص، فضلاً عن إنتاج الضروريات والكماليات. التمدّن يعني أن العمل المأجور يصبح الشكل الأكثر أهمية لتنظيم إنتاج السلع، وهذا ينطوي على فصل جذري للوحدات الاجتماعية المنتجة للأشياء عن الوحدات الاجتماعية المنتجة للبشر، للحياة. لم يعد عمل إنتاج الأشياء (والقيمة) موجوداً داخل العائلات أو الوحدات الأخرى المنظمة وفقاً للعمر والجنس (القرابة)، ولكن في المصانع.
 يُفترض بأن العائلة خالية من الاقتصاد، كونها مجرد مكان للأمان والراحة. يتبع فصل الوحدات الاجتماعية المنتجة للقيمة عن تلك المنتجة للبشر في المدن تقسيم العمل بين النساء والرجال. والرجال يتمتعون بامتياز الوصول إلى العمل في المصانع أو ورش العمل أو الدولة، في حين تتمتع النساء بوصول متميز إلى عمل إنتاج البشر». 
عمليات التغيير هذه هي ما نبحث عنه في إطار محاولة قراءة ديناميكيات الاقتلاع الذي تعرّضت له الطبقة العاملة أولاً ثم النساء، في الطريق من الريف إلى المدينة. يعتمد النظام الرأسمالي إذاً في أساسه على استغلال الطبقة العاملة من ضمنها النساء، ويحصل ذلك بشكل أكبر في المدن، المساحات الأكثر تطوّراً على مستوى رأس المال. من جهة أخرى، يقوم هذا النظام بفصل هذه الجماعات عن البنى الاجتماعية التي نشأت عليها، والتي تحوي أشكالاً مختلفة من الدعم والتضامن، ويدفع هذه الجماعات في أطر وتركيبات اجتماعية جديدة وتغريبية. ويقع ذلك في إطار اقتلاع النساء من السياقات التي اعتدنها ونمون عليها وبنين فيها أشكال مقاومتهن، فيتمّ رميهنّ في أطر جديدة تحوي أشكال استغلال جديدة.
في كتابه الرائع عن دير عطية (9)، وهي قرية في ريف دمشق، يوثّق عبد الله حنا ما يسمّيه «العائلة الأبوية» (مقارنة مع الأسرة الزوجية المستقلة)، وهي بنية اجتماعية مبنية على السيطرة الاقتصادية والاجتماعية للأب. فبعد زواج الأبناء، وبدلاً من أن يستقلّوا في بيوتهم الخاصة، يعيشون مع زوجاتهم وأطفالهم في منزل الأسرة، بينما تقسّم الأعمال الزراعية بين أفراد الأسرة.
 تخلق هذه البنية روابط اجتماعية واقتصادية مماثلة لتلك الخاصة بالنقابات أو الجمعيات التعاونية، إذ يعمل أفراد الأسرة معاً في الحقل وفي المزرعة. وقد كان هذا وما زال السبيل الوحيد كي يتمكّن الفلاحون من العمل في أرضهم، فالزراعة نشاط مرهق يحتاج إلى عمل جماعي، وهو ما قدمته هذه البنية الاجتماعية. كما أنتجت شكلاً خاصاً من الدعم الاجتماعي بين أفراد الأسرة، ومن التضامن بين النساء، كما يذكر حنّا في كتابه. تعطينا هذه الحالة مثالاً عن بنى اجتماعية، بعضها ما زال موجوداً في بعض المناطق الريفية من بلاد الشام، تستطيع أن تؤمّن أشكالاً من الإنتاج والتضامن في الوقت نفسه.
في هذا الإطار إذاً نجد بأن الانتقال من شكل الحياة الريفي إلى المديني لم يكن منتجاً بالنسبة إلى النساء، لا على المستوى الاقتصادي ولا الاجتماعي، بل على العكس، شكّل هذا الانتقال اقتلاعاً من البنية الاجتماعية التي كان تضامن النساء مع بعضهن بعضاً جزءاً منها، أو على الأقل شكلاً اجتماعياً عرفته النساء لفترة طويلة، فاستطعن تركيب منظومة مقاومة له.
نهاية الورقة... بداية البحث
لم يحصل الانتقال من الإقطاعية نحو الرأسمالية إذاً إلّا باستغلال أكبر للعمّال عامّة، وللجماعات الأضعف ضمنهم، كالنساء والملونين والأكبر سناً وغيرهم. تتعاظم قيمة العمل المأجور، فيتمّ فصل إنتاج السلع عن إنتاج البشر بشكل أصبح فيه النشاط الثاني أقل أهمية وذا إنتاجية اقتصادية سلبية على النساء.
من دون الوقوع في القراءات التبسيطية للنساء، بأنهن خيّرات وبأنهن «طبيعياً» على اتصال أكبر مع الطبيعة، أي من دون تفسير رومانسي للنساء والطبقة العاملة ومجتمعات العالم الثالث، نحاول فهم كيف ساهم التمدّن في حرمان النساء والطبقة العاملة من مقوّمات القوة والمعرفة. نعمل إذاً على قراءة وجود النساء في المكان وكيف أن التغيير الهيكلي في المكان (التمدّن)، قد أحدث تحوّلاً في ظروف معيشتهن، أي في الطريقة التي يرتبطن بها بالفضاء ويمنطقنه، بالعلاقة التي تربطهن بأجسادهن، والطريقة التي ينتجن بها المعرفة التي نبحث عنها في هذه الورقة. تتحوّل علاقات النوع الاجتماعي بسبب التغييرات المكانية، فتصبح النساء مهمّشات أكثر فأكثر.
هذه محاولة لفهم الطريقة التي يتمّ من خلالها تجريد النساء من ثقافتهن وانتمائهن ومعرفتهن وروابطهن وممارساتهن وطقوسهن في بلدان العالم الثالث، من خلال التمدّن كأداة للاستعمار والحداثة. في السياق الحضري، شهدت النساء انفصالاً مكانياً واجتماعياً بين البيت والعمل، وبحيث يكون التمايز أقوى بين المجال العام والخاص، ويحصل تحول في الممارسات الاجتماعية والمكانية. العمل الذي تعتبر هذه الورقة جزءاً منه، هو محاولة لمعرفة كيف أن التمدّن بطبيعته ليس فقط قضية ماركسياً، بل هو أيضاً قضية نسوية.
هوامش
1- Patel٬ Ronak B.٬ and Thomas F. Burke. «Urbanization—an emerging humanitarian disaster.» New England Journal of Medicine 361.8 (2009): 741-743.
2- Boserup٬ Ester٬ Su Fei Tan٬ and Camilla Toulmin. Woman›s role in economic development. Routledge٬ 2013.
3- Thorbek٬ Susanne. «Women and urbanization.» Acta Sociologica 31.4 (1988): 283-301.
4- Thorbek٬ Susanne. «Women and urbanization.» Acta Sociologica 31.4 (1988): 283-301
5- Federici٬ Silvia. Caliban and the Witch. Autonomedia٬ 2004.
6- Federici٬ Silvia. Caliban and the Witch. Autonomedia٬ 2004.
7-Thorbek٬ Susanne. «Women and urbanization.» Acta Sociologica 31.4 (1988): 283-301.
8- Thorbek٬ Susanne. «Women and urbanization.» Acta Sociologica 31.4 (1988): 283-301.
9- حنا، عبدالله. دير عطية، التاريخ والعمران من الوقف الذري إلى المجتمع المديني. أواخر القرن الثالث عشر- منتصف القرن العشرين ـ المعهد الفرنسي للدراسات العربية دمشق. 2002