عبير البرغوثي - رام الله - " وكالة أخبار المرأة "

شهدت السنوات الأخيرة ارتفاعاً في نسب العنف لا سيما الموجه ضد النساء، وتزامن معه ارتفاع اعداد حالات القتل خارج القانون والتي تذهب ضحيتها النساء، فعلى الرغم من اعتماد الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 1979 لاتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة "CEDAW"، واعتماد  يوم 25  تشرين الثاني/نوفمبر في عام 1999 اليوم الدولي للقضاء على العنف ضد المرأة، ودعوة الحكومات والمنظمات الدولية والمنظمات غير الحكومية لتنظيم فعاليات لمحاربة كافة أشكال العنف والتمييز ضد النساء، الا أن العنف ضد النساء والفتيات لا يزال ظاهرة منتشرة في جميع أنحاء العالم.
تشير لجنة منع الجريمة والعدالة الجنائية التابعة للأمم المتحدة، ضمن تقريرها للدورة 28 لعام 2019 الى أنه في كلتا حالتي تعرض الرجال للقتل وكذلك قتل النساء، يرجَّح أن يكون الجناة من الذكور، بمعنى أن الاحتمال ضعيف بأن تكون المرأة هي الجاني، ومع ذلك يزداد الخطر لدى النســاء بأن يقع قتلهن على يد شركائهن الحاليين أو السابقين مقارنةً بالذكور، حيث لا يتعدى الرجال ضحايا القتل على يد شريكته نسبة 18% في حين تصل النسبة لنحو 90% للنساء، ويضيف المصدر نفسه الى أنه غالباً ما يكون الرجال مرتكبي جرائم القتل، حيث يشكلون نحو 90% من جميع الأشــخاص الذين مثَلوا رسميًّا أمام نظم العدالة الجنائية، وكذلك الأشــخاص المدانين. وينطبق هذا النمط في جميع مناطق العالم حسب تقرير لجنة منع الجريمة.
وعلى المستوى الفلسطيني تبدو الأمور اكثر صعوبة، فالأصل أن يكون المجتمع الفلسطيني محصناً ضد هذه الآفة بحكم الوعي الوطني والإنساني الذي تراكم لديه سواء لعمق حضارته الإنسانية وارتفاع معدلات التعليم  وتراجع معدلات الجهل والامية، او نتيجة للدور النضالي الذي انخرط فيه الرجال والنساء ومن مختلف الفئات العمرية والمناطق الجغرافية لمواجهة الاحتلال، الا أنه وللأسف  تتكشف حقيقة مفجعة من بين الأرقام والاحصاءات المتعلقة بارتفاع معدلات العنف وخاصة الموجه ضد النساء، وارتفاع عدد عمليات القتل التي تذهب ضحيتها النساء من عام الى آخر، وما يثير القلق أن الأرقام المنشورة من قبل أكثر من جهة ذات علاقة بقضايا العنف والقتل الذي تتعرض له النساء في المجتمع الفلسطيني، الا أنها تعكس ظاهرة تقض أركان المجتمع بكامل مكوناته وبنيته، وتهدد أمنه وسلامته، فوفق أحدث البيانات المتوفرة من خلال أحدث دراسة أعدها مركز المرأة للإرشاد القانوني والاجتماعي لعام 2019، أظهرت نتائج عملية الرصد والتوثيق التي عمل عليها المركز خلال الأعوام 2016-2018  أن هناك ما مجموعه (76) جريمة قتل وقعت بحق نساء وفتيات توزعت على الثلاث سنوات بواقع (40) حالة قتل في الضفة الغربية بما فيها القدس مقابل (36) في قطاع غزة , بتفاصيل جاءت على النحو التالي:  خلال العام 2015 تم رصد وتوثيق (15) حادثة قتل لنساء وفتيات فلسطينيات، في حين تم رصد (23) حالة قتل أخرى خلال العام (2016)، ورصد قتل (29) امرأة وفتاة خلال العام 2017، بينما رصد المركز (24) عملية قتل أخرى خلال العام 2018. معدلات نمو خطيرة تعكسها هذه الأرقام من عام الى آخر، آخذين بعين الاعتبار عشرات القضايا والتحديات والأزمات التي تعقب عملية القتل، من تدمير لأسر وتشريد لأطفال، وتقطيع لعلاقات اجتماعية، وفتح الطريق نحو نفق مظلم من القتل والثأر والخسائر الاجتماعية وغيرها! فعملية القتل تكون بمثابة المفتاح لبوابة الجحيم وليست مفتاحاً للراحة والنعيم!.
في هذا التقرير نحاول أن نوضح جزئيات هذه الظاهرة في مجتمعنا من خلال تناول أرقام وبيانات حديثة وتصريحات من أطراف ذات علاقة بالموضوع, لنضع كل فرد من أفراد المجتمع في صورة ما يخص هذا الشأن الذي بات يتطلب منا جميعا كمؤسسات إعلامية وحقوقية ونسوية وأمنية ورسمية , العمل بشكل جاد للوصول الى حلول جدية تفضي الى نتائج حقيقية على الأرض, وليس مجرد شعارات وتصريحات لن تكون فاعلة في مواجهة هذا القضية .
أرقام ودلالات وعلامات استفهام
تتمثل الدلالات الخطيرة لعمليات القتل في تركزها ضمن فئة النساء في مرحلة الشباب، حيث تمثل النساء اللواتي تعرضن للقتل من الفئة العمرية 18 – 29 سنة نحو 37% من مجموع الحالات الموثقة رسمياً (المصدر - مركز المرأة للإرشاد القانوني والاجتماعي/ 2019), حيث إن تركز عمليات القتل والعنف ضمن فئة الشباب له دلالات خطيرة على صحة المجتمع وطبيعة الثقافة السائدة، وربما لا يوجد توافق او اجماع على سبب وحيد خلف ارتفاع عمليات القتل ضد النساء ضمن هذه الفئة العمرية أو غيرها، فالعوامل متداخلة وذات تأثير مركب، منها الثقافات والعادات والتقاليد التي تستغل لحظات الضعف الاجتماعي لتعيد تشكيل الوعي الحياتي للناس، وتكون فئة الشباب هي  الفئة الأكثر استهدافاً لهذه الغايات.
الجانب الآخر من المعلومات المتعلقة بخصائص عمليات القتل ضد النساء تتمثل بالمستوى التعليمي للضحايا، فوفق تقرير مركز الإرشاد يتضح ان نصف الضحايا من النساء ضمن المؤهل العلمي توجيهي فأقل, مقابل نحو 29% ممن يحملن الشهادة الجامعية, وقد لا تختلف الخصائص العمرية لمرتكبي عمليات القتل ضد النساء باعتبارهم من الذكور ومن فئة الشباب أيضاً. وهذه ظاهرة تسترعي التحليل المعمق للتعرف على القيم والقناعات التي تحكم تصرفات هذه الفئة من مكونات المجتمع الفلسطيني، فنظرياً هذه الفئة تمثل عنوان الوعي السياسي والنضالي للشعب الفسطيني وهم مستقبله القادم، ولكن لماذا فجأة تنحرف بهم القناعات لأخذ القانون بأيديهم والتحول الى محققين وحكام وجلادين ضد أقرب الناس عليهم؟
  البعد الآخر لعمليات القتل ضد النساء تتمثل بموضوع التوثيق والتصنيف والطريقة التي تتم بها عمليات القتل، فرغم أن تلك العمليات تتم ضمن ردات الفعل أو ما يسمى بفورة العاطفة والدم لحماية ما يسمى ب "شرف العائلة" ، أي أنها لأهداف مقدسة كما يروج لها المقتنعون بها، إلا أن المرأة الضحية تدفع الثمن مضاعفاً، أولاً: حينما تدفع حياتها  ثمناً لقناعة وتصور مرتكب الجريمة، وثانياً: لما تعيشه قضيتها من تهرب وتلفيق وإخفاء تحت مسميات الانتحار أو انها تعاني من اضطرابات أو أنها ممسوسة بالجن أو أسباب غامضة وغيرها، ولذلك من الصعب التوقف عند الرقم الحقيقي لعدد عمليات القتل لأن العديد منها يتم دمجه أو اخفاءه ضمن أنواع القتل الأخرى وخاصة تحت بند الانتحار أو "الإستنحار".
تشير المعلومات الواردة ضمن تقرير مركز الارشاد لعام 2019,  الى انه ووفق البيانات المتوفرة فقد تم تصنيف نحو 44.7% من حالات قتل النساء ضمن فئة "الانتحار" مع انها لا تتضمن توضيحاً موثقاً لما يشمله هذا البند، فهل الضحية أقدمت على عملية الانتحار بنفسها، ام انه تم اجبارها ودفعها للقيام بعملية الانتحار من قبل طرف ثاني وتم التعامل معها وكأنها انتحرت بقرار ذاتي أي "استنحار" ؟
كما تعتبر المنازل من أخطر الأماكن على المرأة المعنفة، هكذا باتت معظم الاستنتاجات والتحاليل للمعلومات حول علاقة الضحية بالقاتل أو الجاني، فنسبة أن يكون الجاني هو الأخ تصل الى نحو 27% من عدد الحالات الموثقة وتتساوى نسبة الأب والزوج وفق بيانات نفس المصدر وتبلغ 23%.
واقع مؤلم يتكشف من بين هذه الأرقام والمعطيات، فدورنا ليس التدقيق في عدد الحالات أو بحث منهجية تصنيفها، بقدر ما هو الاستدلال من هذه المعلومات مهما كان عدد الضحايا، بأننا نواجه كمجتمع فلسطيني ظاهرة خطيرة تتمثل في استمرار التمييز ضد المرأة، واستمرار تنامي البيئة التي تعزز العنف على أساس الجنس، وبالتالي ارتفاع احتمالية تعرض النساء للاستغلال والتمييز والعنف والقتل على خلفيات مختلفة.
18 حالة قتل ضد النساء منذ بداية 2019
18 حالة قتل ضد النساء توزعت ما بين  14 حالة في الضفة و4 حالات في غزة منذ بداية العام 2019, جاءت على خلفيات ما بين القتل الفعلي والأسباب الغامضة لعملية القتل  والانتحار أو "الاستنحار" والمقصود فيه "ممارسة العنف والضغوطات النفسية على الضحية ما يدفعها للانتحار", هذا ما صرحت به رندة سنيورة مديرة مركز المرأة للإرشاد القانوني والاجتماعي, والتي أكدت أن كل حالة عنف تتعرض لها المرأة يجب أن يتم التعامل معها بجدية ما يتطلب من النيابة العامة والجهات المسؤولة عن مجريات التحقيق التعامل مع قضايا قتل النساء  بشكل أكثر عمقا وتحفظا والابتعاد عن التعامل بسطحية وسرعة وإنما من الضروري إجراء كافة الفحوصات للضحية الى جانب تشريح الجثة للتأكد من سبب الوفاة , حيث أن هناك بعض الحالات التي يتم التعامل معها على أنها حالة وفاة طبيعية مثلما حدث مع الضحية إسراء غريب في بداية التحقيقات, وتم اعتبار وفاتها نتيجة أزمة قلبية , وهي كانت في الواقع قد تعرضت للعنف الاسري المفضي للموت وهذا ما تم التصريح عنه بعد صدور تقرير الطب الشرعي.
وبعد قضية غريب – والكلام لسنيورة – سنقوم كمؤسسة بمطالبة النائب العام بالوقوف على مجريات التحقيق وحضور جلسات المحاكمة وفتح الملفات الخاصة بكافة حالات القتل التي تمت ضد النساء هذا العام والأعوام السابقة ومنها قضية نيفين عواودة . فحق الحياة حق أساسي للمرأة ونحن لا نتعامل معها على أنها رقم بل نتعامل معها من منظور إنساني كامرأة لها كيانها وكرامتها ومن أبسط حقوقها الحق في الحياة.
على المرأة المعنفة أن تخرج عن صمتها
هذه المعطيات تضع على طاولة البحث من جديد مسألة الأنشطة المساندة للمرأة ودور المؤسسات والبرامج والجهات المعنية، فأين ذهبت نتائج أنشطة التنوير والتثقيف وعشرات المشاريع والمبادرات التي تقوم بها الجمعيات والمنظمات ذات العلاقة بحقوق المرأة , وسؤالنا هنا أين يكمن الخلل؟
في هذا الجانب تؤكد سهير فراج - مديرة جمعية تنمية وإعلام المرأة (تام) -  أن العمل الذي تقوم به المؤسسات النسوية , ساعد النساء على التعبير عن العنف الذي يواجهنه, وأصبحت المرأة قادرة على الاستعانة  بالجهات القانونية والقضائية لتحصيل حقها ولهذا أصبحنا نعرف أكثر عما يدور خلف جدران البيوت والمؤسسات والشركات والمدارس والجامعات وغيرها من عنف ضد النساء, ولولا هذا العمل المتواصل لاستمرت النساء في صمتهن ولبقينا معتقدين ان مجتمعنا سليم ولا يوجد مشاكل..
أما السبب أو الخلل في استمرار القتل حسب رأيي - والكلام ل فراج – فإنه يكمن في عدة أسباب:
أولها : القانون الذي كان على مدار السنوات الطويلة يجيز قتل النساء بل يشجع عليه ويكافئ القتلة, الا أن تم تجميد وتعديل المواد التي تدعم قتل النساء من قانون العقوبات على فترات متفاوتة خلال الخمس سنوات الاخيرة وهي المواد 340 و98 و99 من قانون العقوبات، ولكن هذه الفترة الزمنية تركت إرثا طويلا يحتاج لوقت ليتم تغييره, ثانيا: اتخاذ الدين كأحد المصادر الأساسية للقوانين والتشريعات وبالتالي فإن هذه الجزئية تتعارض ولا تتناسب مع مختلف مكونات المجتمع بسبب تنوع الأديان ، وبالتالي من المهم ان تكون منظومة قوانين واتفاقيات حقوق الانسان هي المرجعية للقوانين والدستور الذي ينظم حياتنا وليس الدين الذي يفسره الكثيرون حسب أهدافهم، لتحقيق العدالة والمساواة وعدم التمييز, ثالثا: عدم وجود نظام تربوي ابتداء من سن الطفولة المبكرة ينبذ العنف والتمييز ويشجع على الحوار الأسري، بل على العكس نظامنا التربوي يعزز التمييز ويغذي التوجه العنيف ضد النساء , إضافة إلى عدم وجود تنسيق كافي في العمل ما بين المؤسسات ذات العلاقة ليكون شمولي ويعمل على مراكمة العمل بشكل مستمر، في إطار خطة وطنية مدروسة بدقة تنفذ وتتابع بحسب حاجة المجتمع وتوزيع الأدوار والمسؤوليات لنكمل الدائرة ولا نكرر خطوطها,  وسبب آخر مهم وهو عدم وجود إجراءات وتدخلات كافية وتكاد تكون معدومة مع مرتكبي العنف ولهذا علينا ان نعمل على التوجه لهذه الفئة , وأخيرا افتقاد المرأة في المجتمع لتهيئة ما قبل الزواج , الى جانب عدم وجود ارشاد أسري صحيح ومهني كون الإرشاد الأسري شكلي ولا يدار من قبل متخصصين ومتخصصات هذا اذا كان متوفر من الأساس وإنما يتم التعامل معه كإجراء روتيني لاستكمال الاجراءات القانونية.
 وحتى لا تتكرر قضية إسراء غريب وغيرها من ضحايا العنف في المجتمع, تقول فراج " يجب أن يتم العمل حتى يتم  اقرار قانون حماية الأسرة ، فالقانون سيساهم بشكل كبير في وضع الأسس التي ستعمل على الحد والقضاء على العنف والقتل من ناحية قانونية. ولكن القوانين لوحدها لن تمنع العنف والقتل وهذا نعلمه جيدا فالقتل والعنف موجود في كل العالم وهي جريمة عالمية ولكن ان تكون قوانيننا رادعة لهذا العنف فهذا هو المطلوب ، لا ان تكون قوانين تحرض وتجيز القتل والعنف كما هو حاليا. كما علينا أن نعزز ثقافة كسر الصمت لدى النساء حتى لا يظلمن أنفسهن و يتحولن لضحايا، ولا يتخذن قرار التستر على مجرم ابدا بل من المهم ان يفصحن عن العنف ويطلبن المساعدة في لحظة حدوثه ، ولا يمكن لأي قوانين او اجراءات أو مؤسسات او شرطة مساعدة امرأة تتعرض للعنف اذا لم تبلغ او شخص أخر يبلغ، فلا يمكن وضع شرطي في كل منزل او حارة. ومن الضرورة التأكيد الدائم على أن  تداعيات العنف تكون على الأسرة كاملة وليست على الضحية وحدها، فالقاتل ينهي حياة امرأة ولكنه في الوقت نفسه ينهي حياة أسرة كاملة معها لأجيال قادمة" .
القانون مهم .. لكن ليس هو الحل!
ومن هنا تنشأ تساؤلات حول دور وتأثير القوانين والإجراءات والتشريعات؟ ولماذا ما زال العنف الموجه للمرأة وخاصة العنف الجسدي والنفسي في ارتفاع مستمر، من منطقة الى أخرى، ومن فئة عمرية الى أخرى، ومن مستوى أكاديمي الى آخر، وكيف نواجه ظاهرة الانفلات من القوانين والتشريعات حينما يتعلق الموضوع بالقتل  على خلفية الادعاء بحماية ما يسمى ب "الشرف" ؟
في هذا الجانب يؤكد المحامي أشرف أبو حية - مؤسسة الحق- أن القانون ليس هو الحل، القانون هو أحد الأدوات مجتمعة التي تساعد على الحد من ظاهرة العنف ضد النساء وبخاصة جرائم القتل، هناك مسار طويل لمكافحة هذه الظاهرة ويتمثل في مثلث عملية التغيير,  حيث يتكون هذا المثلث من النص القانوني ذاته والذي يجب أن يكون منصفا وعادلا ويحترم حقوق الإنسان بشكل عام وحقوق النساء بشكل خاص، وتشكل ثقافة القانون الضلع الثاني للمثلث والذي يتطلب أن يكون هناك ثقافة لدى المجتمع تحترم حقوق النساء ويحميها النص القانوني، والضلع الثالث يتمثل في المكلفين بإنفاذ القانون ويتضح من الكثير من الحالات أن الذهنية التي يتمتع بها المكلفون بإنفاذ القانون تؤثر بشكل كبير على التعاطي مع قضايا النساء والفتيات المعنفات، علاوة على ضرورة اجراء مراجعة جادة لمناهج التعليم وطرق التدريس ومراجعة كافة القوانين التي ما زالت تعمل على تنميط دور النساء في المجتمع.
تساءلنا ما الذي يمكن أن يحول قضية خاصة بجريمة قتل ضد المرأة الى قضية رأي عام , دون غيرها من القضايا الأخرى التي تمتلك تقريبا نفس التفاصيل وجزئيات الحدث , وهنا أوضح المحامي أبوحية أن
لكل حالة ظروفها الخاصة، ولا يوجد معيار محدد يمكن اسقاطه على أية حالة ويؤدي إلى ذات النتائج، حيث كانت هناك قضية أخرى في العام 2011 وهي قضية آية برادعيه في حينه وجرى التفاعل معها بذات القوة التي شهدتها قضية إسراء غريب, والتي تم على إثرها إلغاء المادة 340 من قانون العقوبات الأردني لسنة 1960 والتي كانت تمنح الأعذار المحلة والمخففة في حالات قتل النساء في حالات التلبس بفعل الزنا .
في سياق مواز أكد أبو حية  "أن إقرار قانون حماية الأسرة من العنف و تطبيقه وفق الأصول ووفق ما كنا نصبوا له، يمكن أن يساهم في حماية النساء المعنفات كما يشكل انطلاقة نحو تغيير المفهوم السائد فيما يتم التعاطي معه بحق النساء المعنفات في الإطار الاجتماعي، فهو قانون اجرائي بالدرجة الأولى، يساعد في التدخل السريع للجهات لإنفاذ القانون من أجل توفير حماية للضحايا".
أخيرا نقول ,,,
أسئلة كثيرة تركتها حالات القتل خارج القانون ضد النساء تحت أسباب متعددة وأحياناً ضمن ظروف غامضة، ولكن في أغلبها ادعاء الجاني بأنه قام بفعلته بذريعة حماية ما يسمى "شرف" العائلة وسمعتها، أسئلة حول الأسباب وراء ارتفاع عدد الضحايا، أسئلة ترتبط بالمكون المعرفي لدى الجناة، ومحاولة البعض التستر بعباءة الدين لتخويلهم القيام بأعمالهم، وأن لهم الحق من خلال فهمهم الخاص لنصوص الدين وتفسيراتهم لها بالقيام بعملية القتل والقصاص كما يرونه مناسباً.
إنها منظومة متكاملة من الأسباب والدوافع والثقافة والموروث فقد ترسخت في أوساط مجتمعنا بعض العادات والتقاليد الاجتماعية الخاطئة التي تشكل نوعا من أنواع الضغط الاجتماعي على أسرة الفتاة التي تثار حولها بعض الأقوال والشكوك، ووجود من يغذون التطرف والمغالاة لدفع أعضاء أسرتها أو المقربين لقتلها استجابة لهذه الضغوط الاجتماعية ما يتسبب في ارتكاب كثير من الجرائم.
هكذا ظاهرة تنتشر في بيئة مساندة تبدأ من الأسرة والحي والمجتمع، فتفكك الأسرة وانعدام الرقابة والمتابعة للأبناء يخلق اجيالاً من السهل انحرافها ذكوراً كانوا أم إناثا؛ فالفساد المجتمعي وضعف منظومة القيم الاخلاقية، وانتشار مظاهر الانفلات مهما كانت أشكالها يشكل مرتعاً لتفشي كل الأمراض الاجتماعية التي يكون ضحيتها الصالحين من ابناء المجتمع، لأن الفاسد يسعى للإضرار بالصالحين والتخريب والاضعاف، وهذه هي معادلة الصراع بين البناء المجتمعي والهدم الاخلاقي لمكونات المجتمع .
أخيراً ينبغي الإشارة في هذا المجال الى دور الإعلام الحديث وتأثيره على الوعي المجتمعي، فوسائل الإعلام وقنوات التواصل وطريقة استخدامها تلعب دوراً خطيراً في هذه المواضيع الاجتماعية سواء بشكل سلبي أو ايجابي، فالانفلات الاعلاني والاعلامي لما ينشر ويقال على وسائل التواصل، وعدم وجود آليات واضحة ومسؤولة عن التحقق من صحة وصدقية ما ينشر على وسائل التواصل ليل نهار، يشكل مساحة في غاية الخطورة على الجميع، افراداً او أسراً او مجتمعات برمتها، فوسائل الاعلام الحديثة والبث المتواصل بكل أشكاله يلعب دوراً مهماً في تغيير أو ترسيخ المفاهيم الاجتماعية الصحيحة أو الخاطئة، ولكن للأسف أن الأخبار المتعلقة بخصوصية الناس، وقضايا الجنس وما يتصل بها حتى لو كانت اشاعات وأخبار كاذبة تلقى الاهتمام والانتشار كما النار في الهشيم، وتتصدر الاخبار بسرعة البرق ويصبح الأمر مثيرًا للدهشة بل وللسخط أيضا، لهذه السرعة ومدى انتهاك خصوصيات الناس، والأسوأ حينما يقوم البعض بتحويل تلك الانتهاكات إلى مجرد مادة يومية للإثارة دون التفات لعواقبها على الأسرة والمجتمع.
ومن هنا مطلوب من الاعلاميين والمؤسسات ذات العلاقة دور مهم لمواجهة هذه الظاهرة وأسبابها، وعلى كل الأقلام الاعلامية أن تحشد نفسها في حملة تركزعلى مدى خطورة تلك الجرائم على المجتمع بكامل مكوناته وضرورة نبذها والتصدي لمرتكبيها، واعادة توجيه وصياغة الاهتمام لابراز المخاطر والدوافع وسبل التصدي لها، وليس  التعامل مع هذه الجرائم من زاوية التغطية الاخبارية، لانها جرائم بكل ما في الكلمة من معنى وليست كأخبار حوادث الطرق اوالتدافع في المهرجانات، انها ايضا محاولة لاعادة الرشد لنا جميعاً فالاحكام ينبغي ان تستند الى اثباتات وقرائن لا تقبل الشك أو التشكيك، وحياة الانسان انثى كانت أم ذكر لا تعوضها كل الاعتذارات، وفقدان حياة انسانة بريئة يوازي فقدان حياة مجتمع كامل بإناثه وذكوره.